العنوان كيف تصنع من طفلك نجمًا..؟ (۲۱) نجوم صنعتهم كلمات
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 29-نوفمبر-2008
مشاهدات 53
نشر في العدد 1829
نشر في الصفحة 57
السبت 29-نوفمبر-2008
تناولنا في العدد الماضي قصص بعض النجوم، الذين صنعتهم كلمات وعبارات وأفعال وبيئة تضافرت فصنعت منهم نجومًا متلألئةً في حياتنا، وفي هذا العدد نستكمل الحديث عن عددٍ آخر من النجوم صنعتهم عبارات.
3- لو كان ما يسمع من حسن صوتك بالقرآن:
إنها عبارة صنعت من «زاذان الكندي» وقد كان مغنيًا لاهيًا، بعيدًا عن الحق وأهله، وغارقًا في اللهو والغناء والخمر، ليكون أحد كبار العلماء المحدثين.
فقد مر عليه ابن مسعود –رضي الله عنه- وهو سادر في غيّه يغني مع صاحب له، وهو يضرب بالطنبور بصوته الجميل..
فقال له: «لو كان ما يسمع من حسن صوتك يا غلام بالقرآن كنت أنت أنت، ثم مضى(1)».. يقول زاذان: «فقلت لأصحابي: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مسعود، فألقيت في نفسي التوبة، فسعيت أبكي، وأخذت بثوبه، فأقبل علي فاعتنقني وبكى، وقال مرحبًا بمن أحبه الله... اجلس ثم دخل وأخرج لي تمرًا» (2) وغدا نجمًا كبيرًا يضرب به المثل في الخشوع، حتى أنه كان إذا صلى كأنه جذع، لطول قيامه وسجوده -رحمه الله!
4- أحذرك ليلة تمخض بالقيامة:
هذه العبارة هي التي تسببت في التحول الكبير في حياة عمر بن عبد العزيز –رضي الله عنه- من الترف واللهو واللا مبالاة إلى الزهد والخوف من الله، ومن شخصية كانت تعبد ذاتها، إلى شخصية ضربت أروع الأمثلة في الورع وشدة الخوف من الله، والزهد في هذه الحياة الدنيا، ومن رجل كان من الممكن أن يمُرَّ ذكره هكذا كأيِّ حاكم من حكام ذلك الزمان إلى نجم في القمة من ألمع النجوم، وألمع السياسيين، وألمع خلفاء بني أمية، نجم في الأخلاق والزهد والعدالة والحكمة والتدبير والعلم، ويبين أثر هذه العبارة في ذلك الانقلاب الكبير في حياته، فيقول: «إن أول من أيقظني لهذا الشأن مزاحم» (۳): حبستُ رجلًا فجاوزتُ في حبسه القدر الذي يجب عليه، فكلَّمني في إطلاقه، فقلت: ما أنا بمخرجه حتى أبلغ الحيطة فيه، فقال مزاحم: يا عمر بن عبد العزيز، إني أحذرك ليلة تمخض بالقيامة في صبيحتها يوم الساعة، يا عمر، ولقد كدت أنسى اسمك مما أسمع «قال الأمير، وقال الأمير»، فو الله ما هو أن قال ذلك فكأنما كشف عن وجهي غطاء فذكِّروا أنفسكم رحمكم الله؛ فإن الذكرى تنفع المؤمنين»(4).
5- لو كان عبدًا لاستعمل أدب العبودية:
أورد الإمام ابن قدامة المقدسي في كتابه «التوابين» إحدى روايات توبة الإمام «بشر الحافي» من لاهٍ يعاقر الخمر إلى أحد أكبر وأشهر أئمة القرن الثاني للهجرة.. حيث يقول: «حكي أن بِشرًا كان في زمن لهْوِه في داره، وعنده رفقاؤه يشربون ويطربون، فاجتاز بهم رجل من الصالحين، فدقَّ الباب فخرجتْ عليه جارية، فقال: صاحب هذه الدار حرام عبد؟ فقالت: بل حر فقال: صدقت، لو كان عبدًا لاستعمل أدب العبودية وترك اللهو والطرب، فسمع بِشر محاورتهما فسارع إلى الباب حافيًا حاسرًا وقد ولَّى الرجل. فقال للجارية ويحك من كلَّمكِ على الباب؟ فأخبرتْه بما جرى، فقال: أيُّ ناحية أخذ الرجل؟ فقالت كذا، فتبعه بِشر حتى أدركه، فقال له: يا سيدي أنت الذي وقفتَ بالباب، وخاطبتَ الجارية؟ قال: نعم. قال: أعد عليَّ الكلام، فأعاده عليه، فمرَّغ بِشر خدَّيه على الأرض وقال: بل عبد! عبد! ثم هام على وجهه حافيًا حاسرًا حتى عرف بالحفاء(5). وانقلبت حياة اللهو إلى حياة العبودية، وصعدتْ به هذه العبارة إلى أعلى القمم فأصبح نجمًا عاليًا برّاقًا، وأصبح لا يذكر اسمه إلا إذا سبقه الإمام.
يقول الإمام الذهبي في ترجمته: «الإمام المحدث الزاهد الرباني القدوة، شيخ الإسلام (6).
ويقول عنه الإمام إبراهيم الحربي: «لو قُسِّم عقل بِشر على أهل بغداد، لصاروا عقلاء (7).
________________________
الهوامش
(۱) سير أعلام النبلاء 4/ 281.
(۲) السابق 4/ 281.
(۳) مزاحم هو مولى عمر بن عبد العزيز.
(٤) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص ١٦٦.
(5) كتاب التوابين لابن قدامة ص ۲۱۱.۲۱۰ ط / دار الكتب العلمية.
(٦) سير أعلام النبلاء 10/ 469- 477.
(۷) المرجع السابق.