; هل فشلت مبادرة وقف العنف في مصر؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل فشلت مبادرة وقف العنف في مصر؟

الكاتب عثمان أحمد عبدالرحيم

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-2000

مشاهدات 63

نشر في العدد 1408

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 11-يوليو-2000

▪ بعد 3 سنوات من إطلاق المبادرة.. جدل حول النتائج التي أسفرت عنها.. وماذا يعني د. عمر عبد الرحمن بسحبه الاعتراف بها؟!

▪ خضعت أعمال العنف لمراجعة دقيقة.. وجاء التراجع عنها متأخرًا حتى تتهيأ كوادر الجماعة لتقبل هذا التحول المفاجئ

▪ انشقت جماعة الجهاد عن الجماعة الإسلامية لأسباب داخل إطار العنف نفسه

▪ طرحت المبادرة تساؤلات مهمة منها: هل من المصادفة أن كبار العلماء والراسخين في العلم والفتيا كانوا أبعد الناس عن المواجهة وأكثرهم تحذيرًا للشباب من الوقوع فيها؟

▪ فتحت المبادرة المجال لفقه المراجعة والتقويم وإبراز دور الكسب الذاتي في حصول الإصابات والأخطاء.. ولذلك كان متوقعًا أن يحدث التحول الأخير انشقاقًا أكبر.. لكنه لم يقع!

في الخامس من يوليو عام 1997م قام أحد المتهمين في إحدى قضايا العنف بمصر بقراءة بيان من ورقة كانت معه، ولم يكن أحد يتوقع أن هذه الورقة هي بمثابة شهادة ميلاد لتطور مهم على الساحة المصرية، إذ كانت هذه الورقة بيانًا وقعه القادة المؤسسون للجماعة الإسلامية يدعون فيه قادة الجماعة بالخارج إلى وقف أعمال العنف ضد الحكومة المصرية من طرف واحد، والذي تمخض بعد ذلك عن إعلان الجماعة وبشكل رسمي وقف الأعمال العسكرية، بشكل نهائي والاتجاه إلى العمل السلمي.

وقد قوبلت هذه المبادرة بقدر كبير من اهتمام المنظرين والنخبة من المثقفين والسياسيين لا لأنها تغيير جذري في نهج توجه راديكالي إسلامي، أو لأنها أوكأت محرقة كان يدفع إليها الشباب دفعًا دون تحقق مصالح راجحة، ولا لأنها أوقفت أخطر موجة عنف شهدتها مصر في تاريخها المعاصر، والتي لم تستثن رتبة أمنية صغيرة ولا كبيرة إلا ونالت منها، بدءًا من الشرطي والخفير ومرورًا بالعمد واللواءات وانتهاءً بالوزراء وحتى محاولة اغتيال رئيس الجمهورية، وإنما تكمن أهمية المبادرة فيما تمخضت عنه من نتائج، وما تبعها من آثار وخطوات ما زالت تتوالى على الساحة الفكرية والتربوية والسياسية إلى وقتنا هذا.

وفي الخامس من هذا الشهر أكملت المبادرة عامها الثالث، وهي فترة زمنية كافية لتقويم المبادرة والنظر في نتائجها، والتأمل فيما تتمخض عنه من تحولات.

وهو ما دعا د. عمر عبد الرحمن- السجين بالولايات المتحدة- أن يطلب من قادة الجماعة تقويم المبادرة في الرسالة التي بعث بها إليهم مؤخرًا، بعد أن سحب دعمه لها.

فماذا بعد مرور ثلاث سنوات على صدور المبادرة؟

وهل كانت آثارها عند حسن ظن المتفائلين بها؟أم كانت النتائج مخيبة للآمال محبطة للتوقعات؟

قبل الإجابة عن التساؤلات التي وردت بالمقدمة ينبغي أن نضع المبادرة في صورتها مجردة من عوامل الإثارة والخداع، والمزايدات، حتى نستطيع الوقوف على تقويم صحيح لها.

▪ تكييف المبادرة

في بداية الإعلان عن المبادرة اكتنفها غموض قائم، وتساؤلات كثيرة، ولم يصدق كثير من المراقبين للأحداث أن تتوقف الجماعة الإسلامية عن العنف واستخدام القوة من تلقاء نفسها وبهذه الآلية المنافية للتوقعات لأسباب عديدة لعل أهمها كون العنف إحدى الركائز الأساسية التي قامت عليها الجماعة، وحولها تمحورت وبها قدمت نفسها للناس، وتميزت بها عن غيرها من المناهج الأخرى، وليس بسهولة أن تتخلى عنه بهذه الصورة الغريبة، الأمر الذي دفع البعض إلى القول إن المبادرة محاولة «استذكاء» من الجماعة على النظام وأنها لا تخرج عن كونها هدنة لجأت إليها لالتقاط أنفاسها، وتنظيم صفوفها، بعد تعرضها لضربات أمنية موجعة على مستوى القيادة والقاعدة.

ولكن البيانات اللاحقة أزالت هذا اللبس وكشفت كثيرًا من الغموض، وبات واضحًا أن المبادرة مراجعة شرعية وفكرية قام بها منظرو الجماعة وشيوخها لكل أفكار الجماعة ومبادئها وأدبياتها في ضوء المستجدات الإقليمية والدولية وعلى أساسها أعيد النظر في خيار العنف كخيار يحيد لإحداث تحول في واقع مصر، وأنه أصبح اجتهادًا مرجوحًا أو متعجلًا أو لا يصلح لهذه المرحلة بالذات «دون أن تعني هذه المبادرة بأسًا أو قنوطًا أو كفرًا بثوابت الصراع مع الخصوم، أو ما مضى من أعمال»، كما أن هذه المراجعة لا تنصرف إلى الجهاد كمبدأ في ذاته وإنما إلى الشرعية واستيفائها، والعدة وكفايتها، والحسابات ودقتها، والتوقيت وملاءمته.. إلخ.

وغني عن البيان أن مراجعة «دقيقة» كهذه لا يمكن أن تولد بين عشية وضحاها، وإنما كانت وليدة دراسات، ومناقشات، ومداولات، منذ اشتعال فتيل العنف بين الجماعة والنظام في أوائل التسعينيات، وأن تأخر إطلاق المبادرة إلى هذا الوقت الذي فهمت فيه على أنها نوع من «الاستسلام العسكري» أو «التراجع الفكري» كان يرجع إلى أسباب عديدة منها تهيئة قاعدة الجماعة لتقبل هذا التحول المفاجئ من غير أن يؤثر ذلك على وحدة الجماعة، ومنها سيطرة تيار «الصقور» على دفة الأمور وامتلاكه لسلطة القرار داخل الجماعة وعلى رأسهم رفاعي طه، وتراجع تیار «الحمائم»، وعدم التمكن من إيصال صوته إلى القاعدة الفاعلة في مجال العنف وعلى رأس هؤلاء صلاح هاشم، ومن الأسباب أيضًا انتظار الحصول على إجماع داخل المجلس التأسيسي للجماعة أو على الأقل أغلبية لتردد بعض الأصوات أو تحفظها على الإعلان عن المبادرة بهذا الشكل، وفي هذا التوقيت إلى غير ذلك من الأسباب.

▪ نتائج المبادرة

ذكرنا أن أهمية المبادرة تكمن في توابعها ونتائجها سواء على الجماعة نفسها داخليًا أو في وضعيتها مع النظام وأيضًا على المستويات الفكرية والتربوية داخل صفوفها.

▪ أولًا: نتائج المبادرة على كيان الجماعة:

لا يختلف اثنان على قوة «صدى» المبادرة وشدة أثرها على كيان الجماعة التنظيمي منذ أيامها الأولى، فجماعة نشأت على فكر «المواجهة» وتمحورت حول «حتمية المواجهة» وقتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام، وشرعية الاغتيالات و جواز تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية.. لا يمكن أن تنتقل ببساطة من هذه العقلية إلى عقلية أخرى تنتهج العمل السلمي بين غمضة عين وانتباهتها.

هذا التحول المفاجئ عده البعض انتحارًا فكريًا قد يؤدي بالجماعة إلى الاندثار والذبول، ومن ثم فإن ما أحدثته المبادرة من اختلاف في وجهات النظر في أيامها الأولى بين قيادات الداخل والخارج، يعد من أقل الأضرار توقعًا كردة فعل على الحدث نفسه بل وتعتبر من الآثار الطبيعية في مثل هذه الظروف.

لقد كان هذا التحول في منهج الجماعة كفيلًا بأن يعصف بوحدتها، وأن يقضي على تماسكها- لا سيما بعد حادثة الأقصر الشهيرة- لأنه إذا كان التاريخ الحركي قد حفظ لنا أن جماعة الجهاد قد انشقت عن الجماعة الإسلامية، في عام 1981م بسبب الخلاف حول «إمارة الأسير والضرير» و«أسلوب الدعوة.. السرية أم العلنية» و«وسيلة التغيير.. الدعوة أم الانقلاب؟»، وهي تفاصيل دقيقة داخل إطار العنف نفسه، فلا شك- قياسًا على هذا الاستقراء التاريخي العابر- أن التحول الأخير في منهجها كان أجدر وأحرى بأن يحدث انشقاقًا لا إلى كيانين فحسب بل كان يمكن أن يجعلها تتفجر أشلاء وتتحول إلى مجموعات صغيرة متناثرة يصعب السيطرة عليها.

لكن الجماعة الإسلامية نجحت في اجتياز ذلك الاختبار، واستطاعت أن تستوعب ما حدث في بداية صدور المبادرة في شكل آراء داخلية كالتي يتداولها أي كيان حركي داخل أركانه من غير أن تدل على شقاق أو نزاع أو أن تؤثر على تماسكه.

▪ نتائج المبادرة على وضعية الجماعة مع النظام

وإذا أتينا إلى محاولة رصد نتائج المبادرة على وضع الجماعة في محنتها التي تعيشها منذ ما يقرب من عشر سنوات أو يزيد داخل السجون والمعتقلات بمقتضى قانون الطوارئ والمحاكم العسكرية وعلى علاقتها بالنظام، فإنه بالنسبة إلى ما كان يعقد على المبادرة من آمال وطموحات في تحسن هذه الوضعية، فإننا لا نرصد أي أثر ملموس يرتقي إلى مستوى الحدث نفسه.

وقد حاول بعض التقارير والدراسات أن يقنع المراقبين بأن الحكومة المصرية لم تهمل المبادرة، أو تتجاهلها، بل تعاطت معها بكل اهتمام وخلقت لها أجواءً إيجابية، تمثلت في الإفراج عن عدة آلاف من المعتقلين، وتخفيف الأحكام، ووقف تنفيذ أحكام الإعدام، وتحسين أوضاع المعتقلين، والسماح بالزيارة لأهاليهم، وأداء امتحانات الطلاب منهم، والحقيقة أنه من اقتنع بذلك وأراد أن يقنع غيره، فهو معذور لأنه تعرض لعملية «خداع» أو «تضليل» كبيرة، الواقع أن هذه «الأجواء الإيجابية» لم تكن سوى ذر الرماد في العيون، فآلاف المعتقلين الذين أفرج عنهم هم في الحقيقة بضع مئات منهم من اعتقل، ولا ناقة له ولا جمل فيما كان يقع من أحداث، وكان اعتقاله إما بسبب قرابته للمطلوبين من أعضاء الجماعة، وإما لتقديمه المساعدات لأعضاء الجناح العسكري أثناء هروبهم بدافع الشهامة أو الجهل بالعاقبة ومنهم من كان منتميًا فعلًا للجماعة، ولكنه خرج بعفو صحي لسوء حالته الصحية أو أعلن عن عدم انخراطه في أنشطتها بعد الخروج من السجن عبر ما يعرف «بإقرار التوبة».

وبفرض صحة أن المفرج عنهم هم بالفعل من الكوادر التنظيمية، وأنهم ثلاثة آلاف في كل عام، فإن معنى ذلك أن المعتقلين منذ بداية التسعينيات وعددهم «ثلاثون ألفان» يحتاجون إلى عشر سنوات للإفراج عنهم، الأمر الذي يعني أيضًا أن آخر معتقل سيفرج عنه بعد أن يكون قد أمضى في السجن عشرين عامًا.

أما تخفيف أحكام الإعدام، فإنه لا يرجع إلى المبادرة بقدر ما هو راجع إلى انتهاج الحكومة سياسة إزالة الاحتقان والتأثر بالرأي العام العالمي بعد حادثة الأقصر، والدليل على هذا أن تنفيذ أحكام الإعدام توقف لفترة ثم عاد بعد ذلك.

وأما تحسين أوضاع المعتقلين، فبجانب أن ذلك حق من حقوق الإنسان التي لا يمتن بها، فإن هذه الإجراءات كانت من جملة السياسة الجديدة التي أتى بها وزير الداخلية اللواء حبيب العادلي حينما تولى الوزارة، مما يعني أن هذه الإجراءات لا علاقة لها بالمبادرة لا من قريب ولا من بعيد.

وإذا افترضنا جدلًا أن هذه الإجراءات هي إشارات إيجابية من الحكومة، فإنها في حد ذاتها إجراءات ضعيفة، محبطة، ولا تتناسب وحجم الزلزال الذي أحدثته المبادرة، إذ الأوضاع هي، فالجماعة، قيادات، وصفوفًا، وكوادر ما زالت قابعة خلف القضبان ومنافذ العودة للجماعة مغلقة والمجموعات المسلحة التي ألقت بالسلاح ما زالت هاربة دون أن يبحث وضعها والمداهمات لمن أفرج عنه أو لمن يشك في انتمائه للجماعة- ولو فكريًا- لم تنقطع، الأمر الذي ولد إحباطًا عند أشد المتفائلين بالمبادرة.

▪ النتائج الفكرية

أولًا: تراجع خيار العنف عن كونه أداة وحيدة لإحداث تغيير أو تحول في أي مجتمع، بعدما ظهرت آثاره الوخيمة لا على من تبناه فحسب، وإنما على الفصائل جميعًا بعدما أدى إلى تكريس سياسة تجفيف المنابع والسيطرة على المعاقل الدعوية بدعوى القضاء على أوكار الإرهاب.

كما طرحت المبادرة تساؤلات خطيرة في مجال انتهاج العنف سبيلًا إلى التغيير منها:

هل كان من قبيل المصادفة البحتة أن كبار العلماء والراسخين في العلم والفتيا كانوا أبعد الناس عن المواجهة، وأكثرهم تحذيرًا للشباب من الوقوع في شراكها؟

وهل من قبيل المصادفة المحضة أن كل من تورطوا في مواجهات فاشلة كانوا من الأغرار، حدثاء الأسنان أو من المبتدئين في طلب العلم الذين يصنفون في طبقة العامة أو أشباه العامة إذا ذكر العلماء وحملة الشريعة؟

وهل كان من المصادفة أيضًا أن كل من ارتقى به علمه وسما به نضجه وازدادت خبرته الدعوية أنكر العنف ورغب إلى الدعوة؟

ثانيًا: فتحت المبادرة باب الجدل مرة أخرى حول قضية تكوين الأحزاب والمشاركة في المسرح السياسي ومدى نجاحه في استيعاب طاقات الشباب الإسلامي، وذلك إثر الإعلان عن إنشاء حزبي «الإصلاح و«الشريعة»، وذلك بعد أن ثبت أن التوجه إلى العمل السياسي يعد من أحد لوازم مرحلة العمل السلمي، لأن فكرة إنشاء حزب إسلامي، هي: فكرة منطقية للبديل الذي ستسلكه الجماعة بعد خروجها من السجن ولا يوجد إطار آخر لجمع أفراد الجماعة في إطار تنظيمي سوى التحول إلى العمل الدعوي والسياسي، ولما كان العمل السلمي العلني له برامجه، ومشروعاته الدعوية التي تستلزم آليات ووسائل كالصحف والمجلات وإنشاء المؤسسات التربوية والتعليمية، ولكي يتم تحقيق ذلك، فلابد من غطاء له من الشرعية القانونية ما يتيح الحد الأدنى من ذلك، ولا يعني ذلك بالضرورة أن العمل السياسي هو الصورة الوحيدة التي ستتمحور حولها الجماعة وتمارس أنشطتها المختلفة من خلاله، كما لا يعني ذلك أيضًا أن المسرح السياسي سيقيم دولة، أو يعيد خلافة، أو يسترد مقدسًا مسلوبًا، إنما هو أحد المحاور التي تمارس الجماعة دورها من خلاله، فمما أتت به الشريعة تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وما لا يدرك كله لا يترك جله.

وأيًا كان الموقف من هذه التمخضات قبولًا أو رفضًا، فإن الجديد في هذه المرة أن يفتح باب الحديث عن الجانب السياسي بعد أن أغلقه تيار معرض بإطلاق عن الممارسة السياسية لأسباب شرعية أو سياسية.

ثالثًا: فتحت المبادرة المجال لتقرير فقه حركي جديد أصبح من سمات منهج الصحوة في السنوات الأخيرة، هو فقه المراجعة والتقويم وإبراز دور الكسب الذاتي في حصول الإصابات والأخطاء بعد ما كان تنزيه أقوال السابقين عن جواز الاستدراك عليها هو السائد، فلقد كان الناظر في كثير من أدبيات الحركات الإسلامية لا يجد في مجال المناصحة إلا بوارق والتماعات ويعقبها الكثير من المديح، وربما التستر على العيوب وحتى هذه البوارق كانت سرعان ما تتوارى سريعًا وباستحياء مخافة أن تفهم على وعدم خلفية الانشقاق، أو أنها بدايات تفلت.

جسدت المبادرة المشروع الإسلامي كونه اجتهادًا شرعيًا، لا يتدثر بنزاهة، تنأى به عن المساءلة، وترتفع به عن مستوى النقد والمحاكمة إلى مدى مواءمته لمناطه.

لقد أتت المبادرة من عمق فكري وتنظيمي «والمجلس التأسيسي للجماعة الإسلامية»، حمل على عاتقه مسؤولية تصحيح مسارات واجتهادات بغض النظر عما يمكن أن يقال وما سترمى به الجماعة من إضاعة الأوقات، وإفناء الشباب هذا إن سلموا من الاتهام بالاستسلام والتأثر بالضغوط.

رابعًا: تحدثت المبادرة بلهجة جديدة غير معهودة في خطاب الحركات «الراديكالية»، مما يدل على أن الصياغة الجديدة لم تقتصر على العنف فحسب، بل تطرقت إلى قضايا كثيرة، كان يعد الحديث عنها في الماضي وبهذه اللهجة التي أتت في بيانات المبادرة من الموبقات وشبهات الفكر، التي يتوجب الرد عليها وإفحام صاحبها، كالحديث عن قضية «الانتماء الوطني» التي تجاهلتها أدبيات الجماعة خوفًا من أن يلتبس مفهومها الشرعي بالمفهوم الغربي الوافد الذي يبني الولاء على حبات الرمال، والحدود المصطنعة، كما ظهر تغير واضح في انتقال الأسلوب من لهجة «الإقصاء والمصادمة» إلى لهجة «التالف والمداراة».

خامسًا: تصاعد أسهم التيار الدعوي، واستشعار الناس حاجتهم إلى مضاعفة جهدهم على هذا المحور باعتباره المقصود الأساسي في نهاية المطاف في دعوة الرسل.

▪ آثار تربوية

أولًا: لما كان الإلحاح، وكثرة الحديث، وتكراره حول التمكين والنصر- والذي يعني تمكين أهل الطاعة- هو الصورة السائدة في تصور القاعدة من شباب الجماعة الإسلامية، وأنه لا صورة تتشوف النفوس إليها بعد هذا الجهاد الطويل، الذي بذلت فيه الأنفس، وأنفقت في سبيله أموال، إلا صورة النصر للمؤمنين، كانت الحاجة ماسة إلى وقفة تربوية تجسد لهؤلاء الشباب أن أعظم شيء تتعلق به النفوس المؤمنة هو رضا الله تعالى والفوز بجنته، فذلك هو الفوز الكبير الذي لا فوز بعده، ولا تعلوه سعادة، أما النصر، وتحكيم الشريعة، وتمكين المؤمنين، فإن ذلك بيد الله تعالى يتحقق حسب مشيئته، ويجريه وفق إرادته في الوقت الذي قدره هو، وبالصورة التي كتبها سبحانه، لا كما نحن ننتظر ونتصور، وأن النصر إن تأخر عن المؤمنين إلى حين فإن ذلك لا يعني أنه قد جافاهم ولكن ربما يعود إلى موانع في الصفوف المسلمة، أو أسباب في الصفوف الأخرى، فالله أعلم حيث يجعل رسالته.

ثانيًا: من أهم ما جاءت به المبادرة من دروس ونتائج تربوية، فك الارتباط الذي تربى عليه غالبية أبناء الحركات «الراديكالية» بين انعدام الشرعية وبين المنابذة الفورية، فإن انعدام الشرعية لا يعني بالضرورة وجوب المنابذة وسل السيوف بغير علم ولا حلم ولا نظر في المآلات، وما يصلح وما لا يصلح، تمامًا كما أن رؤية المنكر لا تعني بالضرورة حتمية الدخول في مواجهة مع أصحابه على الفور، كما أن الانشغال بالتربية والدعوة، وتأخير المنابذة لا يتناقض أبدًا وعقيدة الولاء والبراء، فهل كان امتناع النبي- صلى الله عليه وسلم- عن مواجهة أهل مكة طيلة ثلاثة عشر عامًا يعني إقراره لهم على كفرهم، والرضا به، أم كان لتربية الصف المؤمن وتهيئته؟

إن أحكام الشريعة مرتبطة بمدى قدرة المكلف واستطاعته على أداء التكاليف الشرعية.

جاء في موقع الجماعة الإسلامية على شبكة المعلومات الدولية «إنترنت».

«.... وفي حكم العاجز من كان جهاده مؤديًا إلى ضرر أكبر وفساد أعظم، فإن الشريعة قد جاءت بتحقيق المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها ومتى أدى القتال إلى مفاسد عظيمة، وأضرار تلحق بالمسلمين دون نفع يذكر كان وقفه أولى...».

ثالثًا: بالغت الجماعة الإسلامية في تربية أبنائها على فلسفة البلاء القائمة على الاستغراق في تفسير الأحداث والمواجهات وما نتج عنها من أخطاء، ومن ذلك أن البلاء لازم من لوازم الإيمان ومقتضى من مقتضيات الدعوة، الأمر الذي أدى في بعض الأحيان إلى ترقب السجن والتشريد، بل والتعرض له أحيانًا بدعوى «لا يمكن المرء حتى يبتلى»، وأن البلاء من أمارات الصدق ودلائل الأصالة والنزاهة ومرحلة من مراحل الدعوة، فإذا لم يقع صدام، ولم تحدث مواجهة، ففي الأمر ارتياب، وفي المنهج دخن، وفي الحركة لين، وكان مرحلة السجون، والمواجهات مرحلة مفروضة لا بد أن يمر بها أي كيان إصلاحي، وقد أدت هذه الفلسفة إلى أن يصبح البلاء من عناصر تقييم المناهج الأخرى وحكمًا على صحتها ورجاحتها.

آن الأوان لأن يترسخ أن البلاء- وإن كان من لوازم طريق التمكين- فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن يقع ذلك لكل الأفراد، كما لا يعني أن يكون سجنًا وتعذيبًا، ولا يعني أيضًا أن نتعرض له أو نستفز الخصوم لإيقاعه علينا، وأن إعفاء الله لجماعة تدعو إلى دينه من وقوع البلاء عليها لا يعني خطأ منهجها أو مداهنة قادتها، فساحة العفو أوسع من ساحة البلاء.

كانت هذه بعض نتائج مبادرة وقف العنف من جانب الجماعة الإسلامية في مصر، التي بدت للناظرين والمتأملين، لعلنا نمعن فيها النظر وندقق التأمل لنستشرف بها آفاق مستقبل في مسيرة الحركات الإسلامية ككل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل