العنوان كيف تم اختزال الحركات النسائية في الأبعاد الجنسية والجسدية للمرأة؟
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر الجمعة 05-نوفمبر-2004
مشاهدات 41
نشر في العدد 1626
نشر في الصفحة 62
الجمعة 05-نوفمبر-2004
الباحث الإسلامي د. مثنى الكردي يشرح لـ «المجتمع »كيف تم اختزال الحركات النسائية في الأبعاد الجنسية والجسدية للمرأة؟
هل أصبحت «الأمومة استعبادًا» للمرأة جراء تبعيتها للرجل؟
بالشذوذ والفكر المشبوه تحولت الحركة النسائية إلى ضحية للمؤامرة القذرة
الحركة الأنثوية تنادي بالتحرر الجنسي كعنصر مكمل للتحرر الاجتماعي ورفض ربط الجنس بالتناسل
القاهرة: محمود خليل
إن الفارق بين الدعوة إلى تحرير المرأة وإنصافها، وبين النزعة الأنثوية المتطرفة Feminism وفلسفتها ومطالبها الفارق بين الفطرة السوية.. والثورة الفوضوية وقد عكف الباحث الإسلامي مثنى الكردستاني على تتبع حركات تحرير المرأة من المساواة، إلى الجندر... في عمل رفيع المستوى ينطلق من رؤية نقدية إسلامية... قال عنه الدكتور محمد عمارة «إنه عمل فكري متميز تزهو به المكتبة العربية الإسلامية» ولخطورة الموضوع.. وخطورة منظماته التي تضرب بسيوف الممولين التقينا الباحث مثنى الكردستاني ... وحاورناه..
بداية نحب أن نضع أيدينا على مفهوم الحركة الأنثوية Feminism وكيف أصبح من خلال الضجيج الإعلامي مرادفًا لجميع فصائل الحركة النسائية؟
نظرًا للتطور والتنوع والتغير الشديد الذي يتوزع فصائل الحركة النسائية في الغرب، وفي ضوء التنوع الفكري والتنظيمي، فإن هذا المفهوم يعني أنها حركة سياسية منظمة تدعو لمساواة المرأة والرجل بالتمركز حول الأنثى، والدفاع عن المرأة دفاعًا أنثويًّا مفرطًا بغية الوصول إلى المساواة المطلقة في كل شيء مع الرجل، ومحاولة تجريد المرأة من أبعادها الاجتماعية والإنسانية، وتركيز النظر إلى أنوثتها فقط.
لكن هناك أبعادًا شمولية -وراديكالية للمصطلح؟
هناك من المفكرين من يرى من خلال الممارسات العملية أن مصطلحFeminism خاص بالمدرسه الراديكالية المتطرفة في داخل الحركات النسائية والتي تتبنى نهجًا وراثيًّا تجاه الرجل، وتنظر إلى المرأة مجردة عن السياق الاجتماعي، باعتبار هذه الحركة تتمركز حول الأنثى فقط، بعيدًا تمامًا عن حركة تحرير المرأة، وهما حركتان مختلفتان بل متناقضتان. فالأولى تنظر إلى المرأة في سياقها الاجتماعي كما قلنا، أما الثانية، فقد تحولت مع منتصف القرن التاسع عشر من صعيد المناداة بالمساواة الكاملة مع الرجل إلى السقوط في وهدة الثورة الجنسية التي اجتاحت أوروبا مع سيتينات القرن الماضي إلى رفع مستوى الطموحات -خاصة في أمريكا وفرنسا- إلى حقها المطلق في ممارسة الجنس مع من تحب وتشتهي، ورفض مؤسسة الزواج والأسرة واعتباره ارتباطًا اختياريًّا والمطالبة بالاعتراف بالأمهات غير المتزوجات وتقديم الخدمة لهن، ومساندة حقوق الشاذين جنسيًّا، اللوطيين والسحاقيات... إلخ، انطلاقًا من ثورة هائجة ومنفلتة في معاداة الرجل، ورفض كل صور الأبوية والذكورية، تحت تأثير أهم رافدين غذيا وأنبتا هذه الحركة.. وهما العلمانية، والماركسية.
من العجب.. أن المتتبع لهذه الحركات النسائية جميعًا.. يرى أنها تنطلق من باب الإصلاح الديني... فما مدى مصداقية هذا الطرح؟
حين ترى الديانتين السائدتين في الغرب بعدما أصابهما من التحريض على بولس الرسول (10- 68م) الذي يرى أن الرجل هو الوسيط بين المرأة والله باعتباره صورة الله ومجده، أما المرأة فهي مجد الرجل، وأن المرأة وجدت لأجل الرجل وهي التي أخذت منه ولم يؤخذ هو منها، ومن ثم فعليها أن تضع على رأسها علامة الخضوع، ويرى في الرسالة الأولى إلى أهل كورنتوث 11/7: أنه عار على المرأة أن تتكلم في الجماعة.. كما يرى أن المرأة كائن خلق من أجل الرجل وأنها أصل الخطيئة، ويجعل الحمل والمخاض عقابًا لها على هذه الخطيئة، على حسب زعمهم!!! وأن اليهودي يصلي كل صباح صلاة الشكر لله لأنه لم يخلقه عبدًا ولا وثنيًّا ولا امرأة!!.
ثم النظرة الرهبانية الجائرة للجنس وعلاقات الزوجين، واعتبار الممارسات الجنسية دناءة وقذارة كان لها أثر كبير على اعتبار المرأة نجسًا وشيطانًا، كما شاع عند بعض المسيحيين في القرون الوسطى.
فالمرأة كما يرى القديس بونافنتيرا (1221- 1274م) وتوما الأكويني (1225- 1273م) لا وجود لها في الحقيقة.. فلا وجود إلا للجنس المذكر.
هذا كله... كان من الطبيعي أن يدفع بالحركة النسائية أن تسلك سبيلًا مجانبًا للدين.. تحت اسم الإصلاح الديني طالما أن الدين قد أصبح قيدًا حديديًّا... يكرس بتحريفاته دونية المرأة وخستها ووضاعتها، بل ونجاستها.. فلتبحث عن حقوقها ومتعتها بالتخلص من مرجعيته وهيمنته.. والخروج من دائرته تمامًا تحت دعاوى الإصلاح والتطوير... الذي انتهى بها إلى العلمانية البراقة تحت مظلة الثورة الفرنسية (1789م) التي فصلت الدين عن الدولة تمامًا، وقال قائلها: اشنقوا آخر قسيس بأمعاء آخر ثائر.
التمرد على المقدسات والتشكيك في الثوابت والمسلمات والعبثية في الحياة، وتكريس مبادئ اللذة والمنفعة والانفلات من القيم والمرجعيات الدينية والأخلاقية... كان الحصاد المر للغرب من جراء حربين عالميتين حصدتا أكثر من (80) مليون شخص... في أقل من ثلث قرن... فكيف تحول هذا الانتحار الحضاري إلى الحركة الأنثوية حتى دهمها؟!
لا شك أن المآسي التي مر بها الغرب جراء حربين عالميتين، كانت لها أعظم الآثار في ترسيخ هذا الانتحار الحضاري الذي نشهده الآن.. فعلى مستوى الأخلاق... شاعت النسبية الأخلاقية والبراجماتية، وطغيان الحداثة، ورفض المطلق، وعلى مستوى الفن والثقافة نشأت الحوشية، والدادية والعبثية، وانتعشت الفوضوية والوجودية... إلى ما بعد الحداثة... وحتى على مستوى العلوم التجريبية... بدأت هذه العلوم تفقد فلسفتها.. وتدخل في عبثية علمية طائشة كثورة الاستنساخ وما تفرع عنها من جنون وهوس علمي غير معلوم العاقبة.
وقد نبتت الحركة الأنثوية تحت وطأة هذا الشك والجنوح والتمرد والجنون.. الذي أصل الصراع والتناقض كأساس لحركة الوجود والموجودات... وأصبح الإنسان ذئب الإنسان كما يقول هوبز .. ومن ثم أصبحت المتعة الجنسية أو الجنسانية، إحدى أهم ركائز المجتمع المعاصر، يغذيها هذا الرصيد الديني والتاريخي السيئ بشأن المرأة... فانطلقت الحركة الأنثوية تنادي بالتحرر الجنسي كعنصر مكمل ومتم للتحرر الاجتماعي، ورفض ربط الجنس بالتناسل، وتأصل مبدأ اللذة Hedonism وظهور فلسفات إدلر، وفرويد وهريرت ماركيوز وشيلر، والتي نزلت بالمرأة من آفاق التحرر إلى أوحال الجنس إلى أن وصلت الثورة الجنسية إلى ذروتها في فترة الستينيات مما أدى إلى اختزال الحركات النسائية في الأبعاد الجنسية والجسدية للمرأة.
وكيف غابت هذه الأنساق الفكرية والفلسفية عن المرأة العربية إلى الحد الذي جعلها ضحية لهذه المؤامرة العالمية الكبرى؟
بدأ هذا الرذاذ الفاسد للمسيرة الطائشة للمرأة الغربية يتناثر على المرأة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، ورغم أن الحملة الاستعمارية الفرنسية على مصر قد فشلت عسكريًّا، إلا أنها أحدثت هزة عنيفة في المجتمع، ومع مبادرة الغرب في فتح جامعات ومدارس في بلادنا، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب... ومع الهزيمة الفكرية لبعض كبار مثقفينا الذين وقعوا في وهدة الانبهار بالغرب الذي هبت عليه رياح التقدم، وزخرف النهضة الصناعية... وفي ظل المحاولات المغلوطة للخروج من حالة التخلف والأمية والفقر الموجود في بلاد العرب من جراء الاستعمار الذي أكل فيها الأخضر واليابس، وأفسد الحرث والنسل... نادى هذا الفريق المهزوم من مثقفينا بالأخذ عن الغرب ما يحمد وما يعاب، بعجره وبجره... وفي الزحام.. انقدحت أول شرارة لقصية المرأة.. وتطور الأمر من المطالبة بتعليم المرأة، إلى ضرورة عملها وعدم انزوائها في البيت إلى الاختلاط بين الجنسين، إلى المناداة بالقضاء على الحجاب الإسلامي، إلى تقييد الطلاق ومنع الزواج بأكثر من واحدة، إلى إباحة الزواج بين المسلمات والأقباط الذي نادى به البعض إلى المناداة بالمساواة في كل الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل حتى في الميراث.
ولكن كيف فشلت كل محاولات الإصلاح والتسديد في ترشيد مسيرة المرأة العربية التي وصلت إلى أن تنحر نفسها على مذبح الثورة الجنسية الغربية الآن؟
من الجدير بالذكر أن كل المؤسسات والجمعيات النسائية العربية المنفلتة تقف وراءها أصابع مشبوهة بداية من التأسيس إلى التمويل والدعم إلى منهج العمل والتخطيط والتنفيذ.. خذ مثلًا هدى شعراوي نور الهدى محمد سلطان باشاء التي تربت في عائلة مرتبطة بالاحتلال الإنجليزي والثقافة الغربية، وهي أول من رفعت النقاب عن وجهها وألقته في الأرض وداسته بأقدامها... وذلك بعد عودتها من مؤتمر النساء الدولي الذي عقد في روما سنة 1923م، وكانت شديدة الإعجاب بأتاتورك، ولما عقد مؤتمر النساء الدولي الثامن عشر بإسطنبول عام 1935م، التقت به وسمته «أنا شرق» (أي أبو الشرق)، ودرية شفيق، الدكتورة التي حصلت على الدكتوراه من فرنسا، وعادت إلى مصر وشكلت حزب بنت النيل وشاركت في عدة مؤتمرات بالنيابة عن سكان مصر وكانت لها علاقة قوية بسفارات أمريكا وفرنسا، وكانت تتسلم الدعم المادي والأدبي منهم، وكانت راديكالية في أفكارها تنادي بشدة بالاقتداء بالمرأة الإنجليزية المتحررة في سلوكها في الحياة... وانتهت حياتها بالانتحار عام 1975م.
وهذا القدر من التعاسة والشذوذ الفكري والسلوكي لا يقل خطره عن سعاد أبو السعود ونوال السعداوي، وأمينة السعيد، وفاطمة المرنيسي... ولمعرفة حجم هذا الاختراق الفكري والمادي، لك أن تعلم أن السفارة الهولندية في مصر وحدها قدمت دعمًا قدره 17 مليون دولار للمنظمات الأهلية.. يا ترى كيف ولمن؟ وفيما صرفت هذه الأموال؟
ولتزداد الصورة بشاعة لك أن تعلم أن هذا الاختراق وصل حتى نخاع الأرض المحتلة في فلسطين.. ففيها 1200 منظمة غير حكومية تلقت عام 1997م معونات قدرها 68,9 مليون دولار من أصل إجمالي المعونات المقدمة لفلسطين الحبيبة والبالغة 1527 مليون دولار، أي أن هذه المنظمات العاملة في خدمة الأجندة الاجتماعية الغربية قد حصلت على 5٪ من المعونات، بينما لم تحصل الزراعة والصناعة الفلسطينية إلا على 24 مليون دولار ... أي 1,2٪ من المعونات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل