العنوان كيف تُشترى أمة.. وتذهب ريحها!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1993
مشاهدات 56
نشر في العدد 1069
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 05-أكتوبر-1993
كيف تشترى الأمم، وهل هذا ممكن؟ نعم أصبح
اليوم ممكنا! إذا خربت ذممها واشتريت موجهيها، وربيت فيها صناع القرار، وزرعت فيها
اليأس، وبذرت فيها الفقر وهمشت فيها الثقافة وبددت فيها المقدس وضربت فيها العزائم
وهونت فيها العرض وكبت فيها الحرية وقطعت فيها الألسن وملكت فيها الإعلام وأعليت
فيها الآثام ورفعت فيها اللئام وضيعت فيها الكرام وجرمت فيها لغة الجهاد وحرمتها،
وحببت إليها الاستكانة وأطربتها وقدمت فيها الجبن على الرجولة واستبدلت فيها الذي
هو أدنى بالذي هو خير؛ تستطيع بعد ذلك أن تلعب بها وأن تلعب فيها بالمال أو بالمنصب
أو بالأماني أو حتى بالتخويف من الجد والكفاح ووعورة الطريق. وقد كان هذا وإلى عهد
قريب غير ممكن في المجتمع الإسلامي على مستوى الشعب أو القادة.
ثم كان ما كان في عام ١٨٩٦؛ عرض هيرتزل على
السلطان عبد الحميد عن طريق زميله فيولنسكي بيع فلسطين لليهود التي قدر ثمنها
بعشرين مليون ليرة تركية، وقد أجابه السلطان عبد الحميد قائلا: «إذا كان هيرتزل
صديقك بقدر ما أنت صديقي فانصحه ألا يسير أبدا في هذا الأمر، لا أقدر أن أبيع ولو
قدما واحدا من البلاد لأنها ليست لي بل لشعبي المسلم، ولقد حصل شعبي على هذه
الإمبراطورية بإراقة دمائهم وقد غذوها فيما بعد بدمائهم وسوف نغطيها بدمائنا قبل
أن نسمح لأحد باغتصابها منا.. ليحتفظ اليهود ببلايينهم، فإذا قسمت الإمبراطورية
فقد يحصل اليهود على فلسطين دون مقابل لكنها لن تقسم إلا على جثثنا».
وفي ١٨ مايو ١٩٠١ نجح هيرتزل -بعد أكثر من خمس
سنوات من محاولة الاتصال- في مقابلة السلطان عبد الحميد إلا أنه خرج من مقابلته
الوحيدة دون نتيجة عملية.
ويذكر مصطفى طوران أن هيرتزل لما رأى إصرار
السلطان عبدالحميد عرض عليه رشوة مقدارها ٥ ملايين ليرة ذهبية، وكان هذا التصرف
سببا في طرده من القصر. وتكررت محاولات هيرتزل واتصالاته بالمسؤولين العثمانيين مع
تقديم عروض سخية في نظره لكنه لم يجد آذانا صاغية، وكان من بين هذه العروض على
السلطان عبد الحميد:
١- إنشاء أسطول عثماني بحري.
٢- مساعدة السلطان في سياسته الأوروبية.
٣- إنشاء جامعة عثمانية في القدس تغني عن
الذهاب لأوروبا.
٤- المساعدة في المشروعات العمرانية.
٥- تسديد ديون الدولة العثمانية.
٦- عقد قرض مالي يكفي لتنفيذ المشاريع
المقررة.
٧- دفع إتاوة سنوية تساعد الدولة على إصلاح
اقتصادها المنهار.
كل هذا من أجل أن يجدوا في فلسطين موطئ قدم
تحت رعاية الدولة العثمانية لا أن تقوم لهم دولة مستقلة.
وربما يقول اليوم بعض منظري الهزائم: قد كان
هذا والله عرضا سخيا ليتنا قبلناه وقتها، وكلما تأخرنا كلما ضاعت منا الفرص!
والحقيقة التي هي أم الحقائق أن الديار لا
تباع بثمن ولكن يراق في سبيلها الدماء ويهون في الدفاع عنها كل مرتخص وغال، ولا
تساوم الشعوب الأبية ولا تنتقص حقوقها أو يقرب أخذ حماها، فضلا عن أن ترتشى بالمال
أو تشترى بالعرض الزائل. ولا تشترى الشعوب أو تذهب ريحها إلا بعد أن تفقد مقوماتها
الإسلامية أو صفاتها الإنسانية الأصيلة وتوضع مقدراتها في أيد غير أمينة مفرغة من
الصفات التي تحفظ على الأمة كرامتها وترد لها حقوقها المغتصبة وأرضها السليبة، وقد
تفرح حينئذ ببعض الفتات يلقى إليها.
وليس من قبيل المصادفات اليوم أن يدفع
للفلسطينيين بعض الأموال وأن تجمع لهم بعض الدول دريهمات ثمنا رخيصا لأرضهم أو
لكفاحهم، وأن يمنوا بأنهم سيمنحون قروضا أو منحا للبنية التحتية وليست الفوقية،
وقد تجبر الدول العربية نفسها على دفع معظم هذه المنح وليست اليهود، أليس هذا
مضحكا ومبكيا في آن واحد؟ وهل هذه المنح وهذه الهبات منحت وتمنح للشعب فقط أم
لآخرين كان لهم جهد مشكور في السمسرة أو عقد الصفقة؟ وهل ستتوقف هذه الصفقات أم هي
مقدمات لصفقات أخرى وبيع آتية يجهز لها في الخفاء ويعلن عنها بغير إشعار آخر؟ مادامت
الأمة قد جهزت لذلك ومرق رعاتها على نهج معين واستسلموا ومدوا لذلك عنقا، وهل هذا
سيكون؟! والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون إذا لم تتداركنا عناية الله ويقوم في
الأمة رجال لا يخافون في الله لومة لائم، عندها يفرح المؤمنون بنصر الله.