; كيف نحيي في أولادنا دوافع التفوق؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف نحيي في أولادنا دوافع التفوق؟

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 10-مايو-2008

مشاهدات 60

نشر في العدد 1801

نشر في الصفحة 54

السبت 10-مايو-2008

يجب أن نغرس في أبنائنا أنَّ تحصيل العلم، وإحراز التفوق عبادةٌ يتقربون بها إلى الله

بقلم: د. سمير يونس

سألتُ أحد أصدقائي عن ابنه الطالب في الجامعة، كيف حاله في الدراسة قبل الامتحانات؟ فأجابني الحمد لله على كل حال، هداه الله ووفقه، ادعُ له فإنَّه محبَط!!

 قلتُ له كيف يكون محبطًا، وهو يعيش في أسرةٍ معروفة بالعلم، والتفوق؟ فقال صديقي: إنه يقول: ما الذي يحدث إذا تأخرتُ سنةً في تخرجي، وماذا فعل من يتخرجون؟ إنَّهم عاطلون لا يجدون عملًا، ثم أردف صديقي قائلًا: لقد حاورني ابني وسألني أسئلةً هو فيها محق، ولم أستطع أن أجيبه إجابةً مقنعة؛ فقلتُ لصديقي - من باب التطفل التربوي- ماذا سألك؟ وكيف أجبت؟ قال: دار بيننا الحوار التالي: الطالب: لماذا أدرس وأتعلم؟

 الأب: كي تحصل على شهادةٍ علمية.

 الطالب: ولماذا أحصل على شهادة علمية؟

 الأب: كي تجد فرصة عمل.

 الطالب: مع اختلافي معك يا أبي، لكنّني سأسمع لآخر الحوار، وأسألك: لماذا أبحث عن فرصة عمل؟

 الأب: كي تبني بيتًا، وتكوِّن أسرةً؟

 الطالب: فلتنصت إليّ جيدًا يا أبي، ليس كل من حصل على شهادة علمية وجد فرصة عمل، والأدلة حولنا كثيرة، وليس كل من وجد فرصة عمل استطاع أن يكون أسرة...

 إجابتك لم تقنعني يا أبي عذرًا.. أنا مُحبَط، ولا أشعر حتى إذا تفوقت بأنني أصنع شيئًا يستحق كل ما أبذل من جهود. 

ولصديقي الأب الذي أعلن فشله في حواره مع ابنه؛ لأنّه لم يستطع إقناعه، ولكل الأباء والمربين أوجِّه حديثي من خلال هذا المقال.

 ولكي أبسط الحديث عن ذلك ليفهمه القارئ، فإني سوف أتحدث عن شرط مهم من شروط التعلم، أكده علماء التربية، وعلم النفس، وهذا الشرط هو الدوافع، فما الدوافع؟ وما أنواعها وصورها؟ وكيف توجد لدى طلابنا دافعًا فعالًا نحو تحصيل العلم والتفوق الدراسي؟

 ما الدوافع؟

 يعرِّف علماء النفس والتربية الدوافع بأنها: طاقةٌ محركة لسلوك الفرد نحو تحقيق هدفٍ محدد.

 أهمية إيجاد دافع للتفوق الدراسي:

 لا ينجح الإنسان منا في عمل ما إلا ويسبقه دافع يحركه نحو التفوق، وكذلك يجب على المربين ذلك.

 الدوافع الداخلية والخارجية:

 الدوافع نوعان: داخلية وتتمثل في إيجاد رغبة ذاتية وقناعة داخلية لدى الطالب بضرورة تحصيل العلم والتفوق فيه، أما الدوافع الخارجية فهي كالترغيب والتشجيع والثواب

 أي الدوافع أقوى؟

 والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: أيهما أقوى الدوافع الداخلية أم الخارجية؟

 لا شكَّ في أنَّ الدوافع الداخلية أقوى من الدوافع الخارجية، فتأثير الدوافع الداخلية كتأثير موتور السيارة في دفعها.. أما الدوافع الداخلية كتأثير موتور السيارة في دفعها.. أما الدوافع الخارجية فهي تشبه دفعنا بأيدينا لسيارةٍ معطلة في الطريق.. فهل هناك مقارنة بين اندفاع السيارة بتأثير الموتور وبين دفعها بأيدينا من الخارج عندما تعطل؟

 على أيّ النوعين من الدوافع نعتمد؟

 السؤال الآن هو: هل نقتصر على الدوافع الداخلية ما دامت هي الأقوى؟ أم تعتمد على الداخلية والخارجية معًا؟ الحقيقة أننا نحتاج إلى كلا النوعين من الدوافع، ولكننا ينبغي أن نركز بشكل أكبر على الدوافع الداخلية؛ وذلك لأننا إذا نجحنا في إيجاد قناعة ذاتية ورغبة داخلية لدى الطالب بأهمية التفوق فإنه سينطلق نحو إنجاز النجاح والتفوق ذاتيًا، ولا يحتاج إلى قوة دفعنا الخارجية الضعيفة التي تشبه دفعنا للسيارة المعطلة إلّا في قليل من المواقف..

 وعلى المربي هنا أن يعرف شخصية الطالب، وبمعنى آخر يجب أن تعرف ما الذي يسعد الطالب ويحركه نحو النجاح والتفوق، فلكل شخص مدخله.. فهناك من يحركه الدافع المالي، وهناك من تحركه الهدية، وهناك من يحركه الحافز المعنوي. كما يجب على المربين أن ينوعوا بين الدوافع الداخلية والدوافع الخارجية، مع التركيز على الدوافع الداخلية بشكل أكبر... وكذلك فإنَّ التنويع في صور الدوافع الخارجية أمر مطلوب، فالطالب الذي نشجعه بالمكافأة المالية فقط يمكن أن يصبر ماديًا وتطغى عليه المادة، ولا يتحرك بعد ذلك إلا بثمن مادي، فكثيرا ما نطلب من أولادنا إنجاز شيء ما، فيبادروننا بسؤال هو كم تدفع لي؟

 والطالب الذي لا ندفعه إلا بشيء يؤكل يمكن أن يصير همه في بطنه، والطالب الذي ندفعه فقط بنزهة أو فسحة سياحية يمكن أن يصير متحللًا من المسؤولية، ويضعف اعتماده على ذاته.. وهكذا وما أكثر الممارسات الخطأ في مجال الترغيب والثواب والدوافع، برغم أنها أساليب تربية مفيدة وفعالة إذا ما أحسنا ممارستها مع أولادنا.

 والسؤال الآن هو: كيف نوجد لدى طلابنا الدافع الداخلي نحو النجاح والتفوق؟

 قلتُ: إنَّ الدافع الداخلي يعني إيجاد قناعة ذاتية ورغبة داخلية لدى الطالب نحو تحصيل العلم والتفوق. ويمكننا تحقيق ذلك بوسائلَ متعددةٍ، من أهمها:

 الحوار الهادئ المقنع مع أولادنا، كأن يركز المربي مع الطالب على أهمية العلم ويدلل على ذلك بنزول أول آية بل أول كلمة من الوحي نزل بها جبريل الأمين عليه السلام على رسولنا بقوله تعالى: « اقرأ »، فإذا كانت النصيحة من المحب وهو الحق سبحانه وتعالى إلى أحب خلقه من البشر- وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم- فإن ذلك يدل على أنها نصيحة ذهبية ينبغي الأخذ بها، لما فيها من خير كثير.

 ومن وسائل ذلك أيضًا أن نبيِّن لطلابنا أنَّ العلم فضل من الله ونعمة، بدليل أن الله عز وجل امتن على رسوله حين خاطبه قائلًا: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكَ عَظِیمࣰا ﴾ ( النساء:113 ).

- إظهار ما للتميز من فضل على الإنسان في الدنيا والآخرة، ويمكن للمربي هنا أن يستشهد بقصة يوسف عليه السلام، إذ إنَّ تميُّزه هو الذي أنقذه من السجن، وأوصله إلى أن يكون وزيرًا للاقتصاد بمصر التي كانت آنذاك من أغنى بلاد الله، وكان الباحثون عن الطعام، والخير يقصدونها، وذلك أن الملك عندما رأى رؤيا ولم يجد من يفسرها، إلا فتى كان قد سجن مع يوسف عليه السلام بأن يوسف هو الذي يستطيع ذلك، فكان تميز يوسف عليه السلام هنا سببًا في خيرٍ كثيرٍ له عليه السلام. - إبراز ما لتحصيل العلم والتفوق من ثواب عظيم، فقد جعله الله عز وجل معيارًا لرفع الناس وخفض هم قال تعالى  ﴿یَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَـٰتࣲۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ ﴾ ( المجادلة:11 ) كما جعله رسول الله ﷺ جهادًا في سبيل الله، إذ يقول: من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع، رواه الترمذي

 وهكذا.. إذا أردنا أن ينطلق أولادنا ذاتيًا في دراستهم وتحصيل العلم نحو إحراز التفوق فيجب أن نفهمهم القضية على أنَّها عبادة وعقيدة، وليس على أنها مكافأة مؤقتة ولا نشوة فوز آنية، سرعان ما تضيع حلاوتها ولذتها، بل اللذة الحقيقية في أن يشعر أنه يتعبد لله بتحصيل العلم والتميز والتفوق، وأن يستشعر مكانة العلماء، فمنهم ورثة الأنبياء، «وأن الناس موتى وأهل العلم أحيا»..

 بل إن العلم من الثلاثة التي تبقى بعد موت الإنسان كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»..

 يجب أن نعلم أولادنا قدر العلماء، ليسارعوا إلى أن يتبوأوا هذه المكانة السامقة، لقد عقد ابن القيم مقارنة بين العلم والمال من الأهمية بمكان أن يستوعبها أولادنا المبهورون بالمادة والمظهر في عصر المادة، فقد فضل ابن القيم العلم على المال في عدة وجود أهمها:

 1 - أن العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الملوك والأغنياء.

 ٢- أن العلم يحرس صاحبه، وصاحب المال يحرس ماله.

3- أن العلم يزداد بالبذل والعطاء، والمال تذهبه النفقات عدا الصدقة.

 ٤ - أن العلم يرافق صاحبه حتى في قبره، والمال يفارقه بعد موته إلا ما كان من

 صدقة جارية.

5-  أن العلم يحكم على المال، فالعلم حاكم، والمال محكوم عليه.

 ٦- أن المال يحصل للبر والفاجر والمسلم والكافر، أما العلم النافع فلا يحصل إلا

 للمؤمن.

7- أن العالم يحتاج إليه الملوك ومن دونهم، وصاحب المال يحتاج إليه أهل العدم والفاقة والحاجة.

8- أن صاحب المال قد يصبح معدمًا فقيرًا بين عشية أو ضحاها، والعلم لا يخشى عليه الفناء إلا بتفريط صاحبه.

9- أن المال يدعو الإنسان للدنيا، والعلم يدعوه لعبادة ربه.

 ١٠- أن المال قد يكون سببًا في هلاك صاحبه، فكم اختطف من الأغنياء بسبب مالهم !! أما العلم ففيه حياة لصاحبه حتى بعد موته.

 ۱۱ - سعادة العلم دائمة، وسعادة المال زائلة.

 ١٢ - أن العالِم قدره وقيمته في ذاته، أما الغني فقيمته في ماله.

 ١٣- أن الغني يدعو الناس بماله إلى الدنيا، والعالِم يدعو الناس بعلمه إلى الآخرة.

 وأختم بقصة أوجهها إلى أبنائي وبناتي الطلاب والطالبات عسى أن يدركوا فضل العلم على صاحبه في الدنيا والآخرة.

 صاحب القصة هو أبو يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله «لما توفي والد أبي يوسف وهو صغير كانت أمه ترسله ليعمل خادمًا عند قصار، فكان يترك القصار ويذهب إلى حلقة العلم عند أبي حنيفة، فلما كثر هربه أخذته أمه بيده وذهبت إلى أبي حنيفة -وكان يهتم به لحرصه على العلم ونباهته، فقالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب ليجد شيئًا يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: قري يا رعناء ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق، فانصرفت وقالت له: أنت يا شيخ قد خرفت وذهب عقلك!

... فأكمل أبو يوسف حضوره مجلس العلم. يقول أبو يوسف: ثم لزمت أبا حنيفة، وكان يتعهدني بماله، فنفعني الله بالعلم ورفعني حتى تقلدت القضاء، وكنت أجالس هارون الرشيد، وأكل معه فالوذجًا بدهن الفستق، فضحكت فقال لي: مم ضحكت؟ فقلت: خيرًا، فألح علي، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك، وقال: لعمري إنَّه العلم ليرفع وينفع دينًا ودنيا، وترحَّم على أبي حنيفة، وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل