; كيف ننتصر؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف ننتصر؟

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1987

مشاهدات 81

نشر في العدد 801

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 20-يناير-1987

  • إن الجهل بالخطوات المؤدية للنصر وإن أحرز نصرًا سريعًا فإنه لا يؤدي أبدًا إلى الاستخلاف والتمكين.
  • القضية العددية وإن كانت مهمة وهي جزء من إعداد العدة التي أمرنا الله ببذلها ولكنها ليست كل شيء.

إن غرس صفة «الثقة بالنصر» في نفوس الدعاة بتحديد معنى النصر، ومقوماته لا تغني عن معرفة «كيفية النصر» إذ إن الجهل بالخطوات المؤدية للنصر وان أحرز نصرًا سريعًا فإنه لا يؤدي أبدا إلى الاستخلاف والتمكين، وربما أدى إلى نتائج وخيمة يرجع ضررها على الدعوة والدعاة، فلابد من معرفة هذه الخطوات والتي في مقدمتها التوكل على الله ثم إعداد العدة، وبذل الأسباب وبعد الانتهاء من البناء الداخلي وقبل الالتحام مع الخصوم لابد من معرفة دقيقة للجاهلية، فإذا ما رأينا الهرج والزينة والانتفاخ الضخم لبناء الجاهلية فلا يكون هذا سببًا في غرس الوهن المضعف للمسير والمجاهدة، بل يجب الاستشعار بالعلو وإذا ما وقع البلاء بعد الاحتكاك فلا مناص من الثبات الذي يزلزل أركان الباطل ويحيله كالهباء المنثور.

الخطوة الأولى: التوكل على الله

عرف الشيخ محمد بن علان التوكل في شرحه «دليل الفالحين» بأنه «اعتمادك على مولاك ورجوعك إليه، وخروجك عن صولك وقوتك وانطراحك بين يديه»(1).

أنواع التوكل

وجميع أنواع التوكل تنقسم إلى قسمين: توكل في أمور الآخرة وتوكل في أمور الدنيا، وخيرها ما كان للآخرة، ويوضح هذه الأقسام الإمام ابن القيم فيقول «فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان، ونصرة دينه وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه. وفي محابه وتنفيذ أوامره. ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، خارجًا عن الناس، ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه. من رزق أو عافية، أو نصر على عدو أو زوجة أو ولد، ونحو ذلك. فأفضل التوكل: التوكل في الواجب- أعني واجب الحق، وواجب الخلق، وواجب النفس- وأوسعه وأنفعه التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية أو في دفع مفسدة دينية، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله، ودفع فساد المفسدين في الأرض»(2) والانتصار الذي نعنيه هو انتصار دین الله وبالتالي فإن التوكل الذي نريده هو توكل الأنبياء في إقامة دين الله، وهو الاعتماد والثقة بقدرة المولى- عز وجل- بالنصرة، وعدم الاعتماد فقط على بذل الأسباب، وإعداد العدة.

درس من الهجرة

فالرسول- صلى الله عليه وسلم- ما ترك سببًا من الأسباب التي تخطر على بال بشر إلا وقام به عند الهجرة.

فقد ترك عليًّا- رضي الله عنه- ينام في مكانه، وأعد الراحلة، واستأجر دليلًا يدله على الطريق، واتجه جنوبًا بدل أن يتجه شمالًا جهة المدينة تعمية على الأعداء. وجعل عامر بن فهيرة يعفي بغنمه على الأثر. واختبأ في غار ثور، وهو في أعلى جبل ثور والوصول إليه شاق جدًّا، وكلف ابن أبي بكر بجلب الأخبار من مكة، وكلف ابنة أبي بكر- أسماء بجلب الطعام لهما وهما في الغار.

ومع بذل كل هذه الأسباب فإن الأعداء وصلوا إلى فتحة الغار ولولا إرادة الله لاقتحموه، الأمر الذي جعل الصديق- رضي الله عنه- يقول «يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما»(3) وهذا يدل على أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- لم يعتمد على الأسباب فحسب بل كان معتمدًا على الله منذ أول لحظة خرج بها من بيته بين صفوف المتحلقين على البيت حتى في تلك اللحظات الحرجة في الغار، وهو لا يغيب عن باله التوكل على الله والثقة بنصره.

الخطوة الثانية: إعداد العدة وبذل الأسباب

فالعدة جزء من الأسباب التي يجب أن نبذلها، والعدة لا تعني فقط السلاح، بل تعني أمورًا أكثر من ذلك، وكذلك الأسباب لا تعني شيئًا بذاته بل تعني بذل كل أمر يؤدي أو يساعد على النصر ويكشف الإمام البنا هذه الأسباب بقوله للمتعجلين للنصر، وهم لم يكملوا بعد بذل أسباب النصر «وفي الوقت الذي يكون فيه منكم معشر الإخوان المسلمين- ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحيًّا بالإيمان والعقيدة وفكريًّا بالعلم والثقافة وجسميًّا بالتدريب والرياضة في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لحج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء وأغزو بكم كل عنيد جبار فإني فاعل إن شاء الله»(4).

قلة تغلب الكثرة

يقول تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (البقرة:249).

القضية العددية وإن كانت مهمة، وهي جزء من إعداد العدة التي أمرنا الله ببذلها لتحقيق سنته في النصر، ولكنها ليست كل شيء، كما أنها لیست الأهم من بين الأسباب المعدة، خاصة إذا استنفذت فئة الحق كل ما لديها من طاقة وبذلت كل ما أمرت به من أسباب فما كان المسلمون في معظم حروبهم أصحاب كثرة عددية بقدر ما لديهم من كثرة إيمانية قد اتصلت بصاحب الأسباب مع بذلها لكل ما تستطيع من أسباب فقد كانوا في بدر ما يقارب الثلاثمائة بينما كان عدوهم يقارب الألف، وكانوا في أحد سبعمائة، وعدوهم ثلاثة آلاف، وفي الخندق كانوا ثلاثة آلاف وعدوهم عشرة آلاف، وفي حروب الردة كانوا اثني عشر ألفًا وعدوهم أربعين ألفًا، وفي اليرموك كانوا أربعين ألفًا بينما بلغ عدوهم مائتين وأربعين ألفًا.

وهكذا في معظم المعارك، تكون النسبة ما بين ١ إلى ٣ أو ١ إلى ٦ وما كانوا يتعمدون تقليل عددهم ولكن كان ذلك كل ما استطاعوا تجميعه آنذاك فعوضهم الله بعدما بذلوا ما أمروا به من أسباب بالملائكة لتكمل النقص العددي فقد قال تعالى: في معركة بدر ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (الأنفال:9) فأصبح عددهم ألفا وثلاثمائة ولم يترك هذه القلة مع تلك الكثرة بإمداد الملائكة فقط، بل أعطاهم الراحة الجسدية الضرورية للقتال. فقال في ذلك ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ (الأنفال:11) وزاد في نصرة الفئة القليلة على الكثيرة بأنه زلزل قلوب معسكر الباطل مع كثرتهم، وذلك بقوله ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ(آل عمران:151) ثم يقللهم في عيون أعدائهم ويقلل عدد أعدائهم في أعينهم وهذا عامل نفسي مهم في الانتصار لا يملكون الإعداد له لولا مؤازرة الله لهم. فيقول تعالى ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (الأنفال:44).

انتصار ظاهره هزيمة

وقد لا تكون الفئة المؤمنة القليلة هي المنتصرة دائمًا لذلك قال تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ ولم يقل «كل فئة قليلة» كما حدث في معركة أحد ومعركة مؤتة، ومن ثم لابد من وجود أسباب لهزيمة الفئة المؤمنة القليلة، وقد تكون القضية العددية هي أحد الأسباب، كما كان في معركة مؤتة، إذ كان عدد المسلمين نحو ثلاثة آلاف بينما عدد الروم ومن تبعهم مائتا ألف أي ما يقارب ١ إلى ٦٦ وهذه بلا شك نسبة تفوق العقل البشري. ومع أهمية القضية العددية التي كان يدركها بعض الصحابة الذين اقترحوا إرسال كتاب للرسول- صلى الله عليه وسلم- ليمدهم بالرجال إلا أنهم بذات الوقت كانوا يعتقدون اعتقادًا جازمًا بأن النصر لا يتعلق بالعدد، متى ما بذلوا كل ما بوسعهم من طاقة وسبب؛ لهذا قال لهم عبدالله بن رواحة وكان أحد أمرائهم: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة، فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة(5).

ومع هذه الكثرة في جيش العدو إلا أن بعض الروايات لا تعد ما حدث في مؤتة هزيمة للمسلمين، بل تعده فتحًا ونصرًا.. يقول الكاتب الإسلامي شوقي أبو خليل: «لقد استطاع خالد بن الوليد تحقيق انسحاب مدروس منظم، مع حماية دقيقة لمؤخرة الجيش وإلا لانقلب الانسحاب إلى هزيمة منكرة، وخسائر كبيرة وكارثة محتملة فالارتداد المأمون أصعب من النصر في بعض المآزق لأن النصر ميسور مع اجتماع العدة، واحتمال الشدة فيه، ولكن الارتداد المأمون غير ميسور لكل من يريده وهو في أضعف الموقفين، إلا أن تكون له- القائد- خبرة القيادة تكافئ الرجحان في قوة العدو الذي يرتد بين يديه»(6).

وعلى هذا تصدق القاعدة «بأن الفئة المؤمنة إذا ما بذلت ما بوسعها من الأسباب فالنصر حليفها بإذن الله» ولا تبقى المسألة العددية عائقًا يحول دون النصر، وهذا ما استيقنه أتباع طالوت القلة، عندما واجهوا عدوهم الذي يفوقهم بالعدد، فقالوا قولتهم ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وكذلك قالها ابن رواحة وصحبه في مؤتة فنصرهم بإذنه.

يقول سيد- رحمه الله: فهذه هي القاعدة في حس الذين يوقنون أنهم ملاقو الله، القاعدة أن تكون الفئة المؤمنة قليلة لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار. ولكنها تكون الغالبة لأنها تتصل بمصدر القوى ولأنها تمثل القوة الغالبة. قوة الله الغالبة على أمره القاهر فوق عباده، محطم الجبارين ومخزي الظالمين وقاهر المتكبرين(7).

النصر السريع

إن بذل هذه الأسباب المتعددة مع ما فيها من عناء، وبذل الدعاة لكل ما لديهم من طاقة مع توكلهم على الله لهي من أكبر الأسباب المؤدية للنصر.

إن النصر السريع الذي يريد البعض الحصول عليه دونما بذل للأسباب التي قد تطيل الطريق لا يمكن أن يبقى طويلًا إن حدث، لأنه مخالف لسنة الله بقول سيد- رحمه الله: «والنصر السريع الذي لا يكلف عناء، والذي يتنزل هينًا لينًا على القاعدين المستريحين يعطل تلك الطاقات عن الظهور، لأنه لا يحفزها ولا يدعوها وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه. أولًا؛ لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة، وثانيًا؛ لأن الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به، ولم تشحذ طاقاتهم وتحشر لكسبه، فهي لا تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه»[8].

 ___________________

1- دليل الفاتحين ١/٢٥٦

2- تهذيب مدارج السالكين ٣٣٦،٣٣٧

3- متفق عليه- اللؤلؤ والمرجان- ١٥٤٠

4- الرسائل ص ۱۲۸- ط- المؤسسة الإسلامية.

5- البداية والنهاية ٤/٢٤٣

6- غزوة مؤتة- شوقي خليل- ص ۱۱۲

7- الظلال ١/٢٦٩

8- الظلال ٤/٢٤٢٦

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

127

الثلاثاء 16-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 14

نشر في العدد 31

123

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

لعقلك وقلبك (31)

نشر في العدد 367

120

الثلاثاء 20-سبتمبر-1977

الأسرة (367)