; كيف.. ولماذا أغلق مصطفى كمال المحافل الماسونية في تركيا؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف.. ولماذا أغلق مصطفى كمال المحافل الماسونية في تركيا؟

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004

مشاهدات 60

نشر في العدد 1587

نشر في الصفحة 40

السبت 31-يناير-2004

أنصار مصطفي كمال: الشعور القومي ومصلحة البلد دفعاه لاتخاذ القرار.

خصومه: لا يوجد حاكم دكتاتوري يرضى بوجود أية منظمة تعمل خارج أوامره وسيطرته وتوجيهه. 

في مقالة سابقة في هذه المجلة تكلمنا عن الماسونية في تركيا وعن تاريخها باختصار، وأشرنا في حينه إلى قيام مصطفى كمال «أول رئيس للجمهورية التركية» بإغلاق هذه المحافل. وفي هذه المقالة سنتناول قصة هذا الإغلاق بإيجاز. 

قام مصطفى كمال في عام ١٩٣٥م - أي قبل وفاته بثلاث سنوات- بإغلاق جميع المحافل الماسونية التي كانت منتشرة في البلاد، ولا سيما في المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير وأطنة  التي كانت علنية منذ مجيء جمعية «الاتحاد والترقي» إلى الحكم، لأن هذه الجمعية «الاتحاد والترقي» تربت وتغذت في المحافل الماسونية، واستعانت بقوتها وبتأثيرها في ترتيب انقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني الذي لم يقبل عروض أبي الصهيونية «تيودور هرتزل» السخية مقابل السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين. وعندما جاءت هذه الجمعية إلى السلطة بدأت برد الدين للماسونية، فسمحت لها بجميع أنواع النشاط، وبفتح فروع لها في جميع أرجاء الدولة العثمانية.

وقد سجل بعض المؤرخين الأتراك قصة قيام مصطفى كمال بإغلاق هذه المحافل، كما أشار الجنرال التركي جواد رفعت أتيلخان رحمه الله «الذي كتب ما يقارب خمسين كتابًا حول الماسونية والخطر اليهودي والدونمة» إلى هذه القضية في كتابه «أيها التركي!... اعرف عدوك».([1])

وحسب رأي هذا الجنرال فقد كان مصطفى كمال يكره فئتين ولا يطيقهما: الأولى فئة الدونمة «وهم فئة من اليهود تظاهروا في القرن السابع عشر بالإسلام، ولكنهم بقوا يمارسون طقوسهم اليهودية سرًا»، والفئة الثانية هي فئة الماسونيين.

 في أحد أيام عام ١٩٣٥ استدعى مصطفى كمال وزير العدل محمود أسعد بوزكورت، وأعطاه كتابًا حول الماسونية وتشكيلاتها وطقوسها ودرجاتها ونشاطها، وقال له: «اقرأ هذا الكتاب جيدًا.. ثم أعط المعلومات الموجودة فيه إلى المسؤول عن مجموعة النواب في المجلس، واطلب منهم القيام بهجوم عنيف على الماسونية، ثم بتقديم طلب إلى المجلس لإغلاق محافلها... قم بهذا الأمر وستكون لك حصة كبيرة من شرف مثل هذا المسعى الحميدة».

أعلن وزير العدل في أول اجتماع للمجلس بعد مقابلته لرئيس الجمهورية أن لديه اقتراحًا يريد طرحه على المجلس، وطلب من كاتب المجلس قراءة الاقتراح الذي كان قد كتبه وسلمه إليه، كانت خلاصة ما سجله في الاقتراح ما يأتي: «لقد قمنا بإغلاق جميع التكايا والطرق الصوفية التي كان أجدادنا ينتسبون إليها، وليست الماسونية إلا طريقة يهودية أتت إلينا من الخارج، فجذورها في الخارج، وهي تأخذ أوامرها منه، ولا ندري ما الحكمة من وجودها في بلدنا، أرى أن يقوم النواب بتقديم اقتراح إلى المجلس لإغلاق هذه المحافل».

 بعد انتهاء قراءة الاقتراح طلب وزير العدل السماح له بإلقاء كلمة لتوضيح اقتراحه فأذن له، توجه إلى منصة الخطابة وألقى كلمة وجيزة وجميلة حول هذا الاقتراح، هنا سرى الخوف والهلع في صفوف الماسونيين الموجودين في المجلس النيابي، وعلى رأسهم شكري قايا الناطق باسم الماسونيين، فبادر بطلب لإلقاء كلمة فسمح له، ولم يستطع تبرير وجود المحافل الماسونية، بل قام بتكرار ما يقوله الماسونيون على الدوام وهو أن الماسونية مؤسسة خيرية تقوم بمد يد المساعدة إلى المحتاجين والمعوزين!. هنا تعالى صياح النواب في المجلس قائلين له: «كلا... هذا غير صحيح... أین أعمالكم الخيرية؟ ... أنت كذاب... انزل من المنصة». اضطر إلى ترك المنصة وسط صيحات الغضب والاستنكار.

 قام محمود أسعد وتحدث مرة أخرى في المجلس النيابي، وقدم براهين قاطعة على أن الماسونية مؤسسة سرية تأخذ أوامرها من الخارج، ولها ارتباطات وغايات مشبوهة.

وبدأ تحرك الماسونيين

ولكن الماسونيين في المجلس النيابي لم ييأسوا، صحيح أنهم فوجئوا بهذا الأمر ولم يكونوا يتوقعونه؛ إلا أنهم لم يلقوا السلاح بسرعة، فقام ثلاثة منهم، وهم شكري قايا وكاظم أوزالب ومظهر كرمن، بمراجعة السكرتير العام للمجلس النيابي رجب بكر، والتفوا حوله يتوسلون إليه أن يفعل شيئًا ما، أو أن يسعى على الأقل لتأخير إصدار قرار الإغلاق.. كان الجو مكهربًا جدًا، وكانت صيحات النواب تتعالى: «يجب سد هذه المحافل.. يجب سدها جميعًا، وفي أقرب فرصة...»

 كان رجب بكر يريد أن يساعد من راجعه من الماسونيين، ولكنه كان يخشى هذا الغضب العارم الذي اجتاح نواب المجلس، فلم يجد أمامه سوى القيام بمناورة لكسب الوقت، لأنه لم يكن يعرف موقف مصطفى كمال من هذا الأمر، ولا يدري أنه هو الذي أوعز بهذا المنع، وإلا لما تجرأ أبدًا على القيام بمحاولة أي تأخير.

 طلب رجب بكر من رئيس المجلس إذنًا بالكلام فأذن له، فقام ووجه خطابه إلى أعضاء المجلس: «إخواني النواب!... إن ما نبحثه اليوم أمر مهم جدًا، وقضية يجب تمحيصها جيدًا، وليس من الحكمة التسرع بإصدار قرار حوله، لذا أرى أن نأخذ رأي رئيس الدولة الغازي مصطفى كمال، وسنجتمع بعد أسبوع ونطرح الموضوع أمامكم مرة ثانية لكي تروا رأيكم».

 لم يعترض النواب على هذا الاقتراح، بل قالوا: «لا بأس.... سنقوم بسد المحافل الماسونية بعد أسبوع... لا بأس من تأخير أسبوع واحد». بعد أسبوع حضر رجب بكر إلى المجلس... كان قد عرف أصل الموضوع، وعلم أن رئيس الجمهورية هو الذي يقف وراء هذا الطلب، فكيف يستطيع الوقوف موقف المعارض؟ كان عليه الإسراع في تبرئة ساحته، لذا توجه رأسًا إلى المنصة وخاطب النواب قائلًا: «إخواني النواب!... لا ماسونية بعد اليوم في تركيا.. سنقوم بسد جميع المحافل الماسونية في تركيا... لقد أردت تقديم هذه البشرى لكم»... ما إن سمع النواب هذه البشرى حتى ارتج البرلمان بهتافات الفرح، وبأصوات التصفيق، وبصيحات: «الموت لأذناب اليهود... الموت لخدامهم».

 بعد انقضاض الاجتماع في المجلس النيابي التركي اجتمع الماسونيون، وتشاوروا فيما بينهم حول هذه المصيبة التي توشك أن تحل بهم، باحثين عن مخرج وحل، كانوا يعلمون أن الأمر كله بيد رئيس الجمهورية وليس بيد المجلس النيابي، فهو وحده الآمر الناهي، وكلمته هي الكلمة النافذة، لذا قرروا زيارته لعله يستجيب لرجائهم ويمنع إغلاق المحافل الماسونية، ولكن كان عليهم ألا يذهبوا خالي الوفاض، بل يجب تقديم نوع من الرشوة إليه، وفكروا مليًّا في نوعية العرض الذي يستحسن تقديمه، واتفقوا أن يقوموا بعرض منصب «المشرق الأعظم»، فهذا هو آخر ما يطمح إليه أي ماسوني، وهو عرض لم يقدم إلا لعدد محدود من الملوك ورؤساء الدول في السابق. ثم قرروا أن يقوم الطبيب الخاص لرئيس الجمهورية وهو ميم كمال - الذي كان من كبار الماسونيين- بترتيب هذه الزيارة وأخذ الموعد من رئيس الجمهورية.

طبيب مصطفي كمال يرتب اللقاء

قام ميم كمال بأخذ موعد لهم لزيارة رئيس الجمهورية، وفي الموعد المحدد كانوا ماثلين أمامه. بدأ ميم كمال بالحديث لأنه كان أقربهم إلى قلب مصطفى كمال فقال: «يا مولاي!... كما تعلمون فنحن جميعًا في معيتكم، ونعمل تحت رايتكم، ولكن إن أصبحت في الوقت نفسه رئيسًا لنا نحن الماسونيين وقبلت منصب «المشرق الأعظم» فسندور حولكم كما تدور الفراشات حول النور». تفرس فيهم مصطفى كمال برهة ثم قال:

  • أريد أولًا أن أسألكم سؤالًا معينًا. 

  • تفضلوا يا مولانا.. كلنا آذان مصغية.

  •  إلى أي محفل ماسوني في أوروبا أنتم مرتبطون؟.. وما اسم رئيسكم ومسؤولكم؟  - يا سيدي نحن مرتبطون بمحفل «جنيف».. أما اسم رئيسنا فهو جناب حضرة باركا میشون. 

ما إن سمع مصطفى كمال بهذا الاسم اليهودي حتى ثارت ثائرته وقال وهو يكاد ينفجر غضبًا:

  •  هيا اخرجوا من هنا.. هيا.. اذهبوا إلى جهنم اخرجوا يا خدام اليهود... لقد أعطاني شعبي لقب «الغازي».... هل أصبح بعد الآن من خدام اليهود مثلكم؟... إن لم تقوموا حتى صباح يوم غد بغلق جميع المحافل الماسونية في تركيا فسأقدمكم للمحكمة العسكرية، وسأقوم بشنقكم جميعًا.

بهت الماسونيون، وتجمدوا برهة في أماكنهم؛ لأنهم لم يكونوا يتوقعون مثل هذا الغضب.. وما إن رجعوا إلى أنفسهم حتى أسرعوا بالخروج من عنده وقد تملكهم الرعب والفزع، لم يكن أمامهم متسع من الوقت.. يجب الاتصال على عجل بجميع المدن التي توجد فيها فروع المحافل الماسونية.... كانوا على علم أنهم على مقربة من أعواد المشانق، لذا أسرعوا بإرسال البرقيات العاجلة، واتصلوا بالهواتف مع رؤساء فروع إسطنبول وإزمير وأنقرة وأطنة، وأبلغوهم أن عليهم الإسراع بغلق هذه المحافل وإرسال برقيات عاجلة إلى أنقرة تتضمن أخبار سد جميع هذه المحافل.

في صباح اليوم التالي، وقبل أن يكمل رئيس الجمهورية تناول فطوره كانت برقيات وقرارات إغلاق جميع المحافل الماسونية موضوعة فوق منضدته.

هكذا تم سد المحافل الماسونية في عام 1935م. 

ولكن بعد عشرة أعوام من مجيء عصمت إينونو إلى رئاسة الجمهورية التركية- بعد وفاة مصطفى كمال في عام ١٩٣٨م- أي في ١٩٤٨م قدم الماسونيون طلبًا إليه لإعادة فتح تلك المحافل من جديد، ولم يجدوا صعوبة في إصدار قرار جمهوري بالسماح للمحافل الماسونية بالعودة إلى نشاطها السابق، لأن عصمت إينونو لم يكن يرى بأسًا من نشاط الماسونيين.

بعد انتخابات ١٩٥٠ التي هزم فيها حزب الشعب الجمهوري (حزب عصمت إينونو) هزيمة ساحقة، وبعد مجيء الحزب الديمقراطي إلى الحكم تحت قيادة جلال بايار رئيسًا للجمهورية، وعدنان مندريس رئيسًا للوزراء جرت محاولة أخرى لغلق المحافل الماسونية. وجاءت هذه المحاولة كاقتراح من أحد نواب الحزب الديمقراطي وهو أحمد كوركان.

لم يكتب النجاح لهذه المحاولة لسبب واحد وبسيط وهو أن رئيس الجمهورية جلال بايار كان من كبار الماسونيين وهم الذين صنعوا منه شخصًا يتبوأ منصب رئاسة الجمهورية فهل يمكن أن ينسى جميل الماسونيين له؟ لذا نراه يحاول بكل وسيلة الضغط على النواب للحيلولة دون إصدار قرار من المجلس النيابي بحل المحافل الماسونية، حتى إنه حضر الجلسات الثلاث التي عقدها المجلس النيابي لبحث هذا الاقتراح، وتابع تطورات الموقف وبذل كل ما في وسعه، وحال فعلًا دون إصدار مثل هذا القرار، حيث تم رفض اقتراح أحمد كوركان، ومن ذلك التاريخ والماسونية حرة ورسمية في تركيا ولها مجلتها الناطقة باسمها، ولها منتسبون لهم مناصب رفيعة في الدولة وفي الجيش، وآخرون معروفون ومشهورون في عالم التجارة والاقتصاد وفي الجامعات،وفي وسائل الإعلام.

 ولا يزال هناك نقاش يجري أكثره في السر حول: ما السبب الذي دفع مصطفى كمال إلى إغلاق تلك المحافل؟ يقول أنصاره ومحبوه إن الشعور القومي ومصلحة البلد هما ما دفعه لاتخاذ مثل هذا القرار، أما خصومه فيقولون: لا يوجد حاكم دكتاتوري يرضى بوجود أية منظمة تعمل خارج أوامره وخارج سيطرته وتوجيهه، وأن هذا كان هو الدافع وراء اتخاذه هذه الخطوة.

 

[1]) ) ص 78 وما بعدها

الرابط المختصر :