; المجتمع الأسري.. عدد 1829 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري.. عدد 1829

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 29-نوفمبر-2008

مشاهدات 63

نشر في العدد 1829

نشر في الصفحة 52

السبت 29-نوفمبر-2008

كيف.. ولماذا نتقبل ذاتنا؟

تقبُّل الذات يعني فهمَ النَّفس بقوتها، وضعفها.. والمُضِيُّ قُدُمًا في إصلاحها، وتطويرها

تيسير الزايد 

يقال: «إذا توقفنا يومًا عن حبِّ أنفسنا فسيصبح العالم مكانًا مخيفًا بالنسبة لنا»، فيا ترى كيف نحب أنفسنا؟ وما نوع هذا الحب؟ هذا ما سنحاول أن نتوصل للإجابة عنه في رحلتنا الاستكشافية التي سنقوم بها اليوم داخل أنفسنا، ربما تكون هذه الرحلة هي الأهم في حياتنا، ونحقق قول الله تعالى: ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 21)

لنقرأ ماذا كتب صاحب الظلال عن هذه الآية: «كلُّ فردٍ من هذا الجنس عالم وحده ومرآةٌ ينعكس من خلالها هذا الوجود كله في صورةٍ خاصَّةً لا تتكرَّر أبدًا على مدى الدهور».

ويستطرد قائلًا: «كثيرٌ من عجائب الجنس البشري مكشوفةً للبصر تراها العيون، وما تراه العيون من عجائبه يُشير إلى المغيب المكنون.

وهذه العجائب لا يحصرها كتاب، فالمعلوم المكشوف منها يحتاج تفصيله إلى المجلدات، والمجهول منها ما يزال أكثر من المعلوم، والقرآن لا يحصيها ولا يحصرها، ولكنَّه يلمس القلب هذه اللمسة ليستيقظ هذا المتحف الإلهي المعروض للأبصار والبصائر».

ويتابع: «إنَّ القرآن بمثل هذه اللمسة يخلق الإنسان خلقًا جديدًا، بحس جديد، ويمتعه بحياة جديدة، ويهبه متاعًا لا نظير له في كل ما يتصوره في الأرض من متاعٍ».

هل أدركنا الآن قيمة ما نملك؟

أليس من واجبنا على الأقل أن نتقبل هذه النفس ونشعر بالراحة ونحن معها تقبلًا يدفعنا للسمو بها وتزكيتها؟!

تقبُّل الذات يعني مدى تفهُّمنا لأنفسنا بنقاط ضعفها، وقوتها، بصوابها، وبخطئها، وتقديرنا لذاتنا، وشعورنا بتفردنا بما خصنا الله به.. وهذا التقبُّل لا يعني الوقوف عند ما نحن عليه، ولكنَّه تقبُّلٌ يساعدنا على المضي قدمًا في تطوير هذه النفس. 

هناك من يضخِّم أخطاءه، ويجلد نفسه عقابًا لأشياء حدثتْ له خارج نطاق سيطرته أو يطلب منها أن تقوم بأعمال أكثر من طاقتها، ويركز على العيوب، ويغفل النظر عن الصورة الأكبر لنفسه التي حباه الله بها، ونتيجة ذلك إحباطٌ، وتقهقرٌ للخلف، وعدم إنجاز.

ولكن لتعلم أنَّ تقبلك لذاتك هو الخطوة الأولى التي يمكن أن تخطوها لتبدأ ممارسة الثقة بالنفس، والرضا، والسعادة هو بداية الطريق للتصحيح، فأنتَ عندما تنظر إلى نفسك بلا خوف تعرف قصورها وتنميه، وتعرف مميزاتها فتستغلها.

وتقدير الذات لا يعني الأنانية وحبّ الذات، بل إنَّ تقديرنا لذاتنا يجعلنا محبين للآخرين متعاونين معهم.

وتقدير الذات لا يعني أيضًا التعالي على البشر، فالتعالي هو تقدير النفس والعمل بصورة أكبر مما تقوم بها مع الآخرين، وما يوازي التعالي في الأثر السلبي هو الحط من قيمة النفس، والمطلوب هو التوازن بين هذا وذاك، فكما جعل الله العقاب جعل الثواب، وكما جعل الخوف جعل الرجاء.

ويبقى السؤال: كيف أتقبل ذاتي؟

وخطوات تقبل الذات تتمثل في:

  • حرر نفسك من تراكمات الماضي:

سواء ما قمت به من خطأ، أو ما حدث لك ولم يكن بيدك تجنبه، وتحرير النفس يكون بالتوبة وبالمسامحة ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الفرقان: 70)

  • لا تدع التاريخ والأشخاص يتدخلون في علاقتك بنفسك: فكل ما عليك فعله هو أن تتفهمها وتتقبلها لتمضي قدمًا معها للطريق نحو الأفضل.
  • لا تركِّز على نقاط ضعفك فقط، بل قدر أيضًا نقاط قوتك، فأنتَ كائنٌ معقَّدُ التركيب، ومخلوقٌ بإبداعٍ كبيرٍ، فقط اكتشف سر إبداعك، ومن ثَمَّ ضع نفسك في قدرها الصحيح.
  • كُن دائمًا في حالة عملٍ مستمرٍ: فإنَّك لن تصل للكمال أبدًا، فاعرفْ قدراتك وارسم أهدافك، واستمتع بما تصل إليه من إنجاز.
  • حاول دائمًا أن تنقد نفسك من أجل أن تصلح أخطاءك، وليس من أجل تعذيب ذاتك، فهناك فرقٌ بين النقد الإيجابي، والنقد السلبي.
  • سامِح نفسك، وسامِح الآخرين، ولكن هذا لا يعني أن تكون عرضةً للأخطاء المستقبلية.
  • لا تقيِّم ذاتك، بل قيِّم تصرفاتك وأفعالك: فمثلًا لا تقل: «أنا إنسان سيئ، بل أنا إنسان تصرفت بسوء»، وأيضًا لا تقل: «أنا إنسان جيِّد، بل قل أنا إنسان تصرفت تصرفًا جيدًا، وأنجزت إنجازًا جيدًا».
  • لا تقم بالعمل لمجرد إثبات نفسك، بل لأنك تحب ما تقوم به وتشعر بالراحة عندما تنجزه.
  • تخلَّص من المشاعر الكاذبة التي تدعوك لأن تكون شخصًا آخر، أو بحجمٍ آخر أو بمظهرٍ آخر، تقبل نفسك الآن كما هي، وراقب ما سيأتي من مفاجآت في الأيام المقبلة إذا تقبلت نفسك بصدق.

وقد اتفق المختصون في التنمية البشرية على أنَّ تقبُّل الذات شعورٌ مكتَسَبٌ من تجارب الإنسان في الحياة، وطريقة ردة فعله تجاه التحديات والمشكلات في حياته، ويبدأ التدرب عليه من الطفولة، ولهذا كان من الأفضل التعامل مع الأطفال بحبٍّ، وتشجيعهم، وتكليفهم بمهامٍ يستطيعون إنجازها، فتكسبهم الثقة في أنفسهم؛ كما أنَّ احترام الطفل والاستماع له، وإحاطته بأصدقاءٍ محبيين كلها عواملَ تساعد على إكسابه احترامًا لذاته.

  • رفع مستوى الشجاعة من أُولى خطوات العلاج لنقص تقدير الذات لدى الشخص ليرى عيوبه، ويعمل على حلها، ورفع مستوى الشجاعة يكون بالحديث الإيجابي مع النفس.. كأن تقول: «أنا أحترم ذاتي وأقدرها، وهي تستحق كل الخير، ويجب أن أضعها في مكان لائق بها». فجهل الإنسان بنفسه وعدم معرفته بقدراته يجعله يقيم ذاته تقييمًا خاطئًا، فإما أن يعطيها أكثر مما تستحق فيثقل كاهلها، وإما أن يحط من قيمتها فيسقط بها.
  • لا تعتمد على الآخرين في تقدير ذاتك، فإنَّ تقدير الذات يجب أن ينبع من داخلك، وليس من مصدر خارجي.
  • قاوم الرسائل السلبية التي تصلك من داخل نفسك، كأن تقول لك: إنَّك إنسانٌ سيئٌ لا فائدةَ منك، أو إنّك غير قادرٍ على مواجة مشكلاتك.

لماذا أتقبَّل ذاتي؟

  • عندما تتقبل ذاتك فأنتَ تضعها في موقع أفضل يمكنك من تطويرها، لأنك حين تتقبل ذاتك تراها بوضوحٍ، وتعرف ما الذي تحتاجه من أجل النهوض.
  • تقبُّل الذات، وتقديرها سياجٌ لها يحميها من الشهوات، فلكي تحتفظ باحترامها تحفظها من الوقوع في المحظور، ولا تهنها بعمل المنكرات، ألم تجادل هند بنت عتبة النبي ﷺ في زنى الحرة، وتقل في تعجب: «أو تزني الحرة؟» نعم.. كيف تزني من تحترم نفسها وتقدر ذاتها؟
  • تقدير الذات هو المفتاح لكلِّ أنواع النجاح، فمهما تعلم الإنسان طرق النجاح وتطوير الذات، وكان تقديره لذاته ضعيفًا فلن يأخذ بأي من تلك الطرق للنجاح، فهو يرى نفسه غير مستحق لذلك النجاح.
  • الأشخاص المحترمون لذاتهم تجدهم سريعي الاندماج في أي مكان ولديهم القدرة على مواجهة التحدي، وبما أنَّهم أكثر مقدرة على التحكم في حياتهم، فهم أكثر إنتاجية، وأكثر سعادةً، ورضا، ليس بالضرورة أن يعتقدوا بأنَّهم الأفضل، ولكنهم متفائلون وواقعيون مع أنفسهم وأقوياء في مواجهة عثرات النفس.

ماذا يحدث إذا لم أتقبل ذاتي؟

تخيل ماذا يحدث إذا فقدت تقديرك لذاتك واحتقرتها؟

  • ستدفع بالتأكيد الثمن عمليًا في كل حقل تعمل به، فأنتَ سترى دائمًا من حولك أفضل منك، وينجزون أكثر منك، وبالتالي ستدمر ما لديك من قدرات وتقلل من شأن طاقاتك إلى درجة ممكن أن تصل فيها للقلق والاكتئاب، والوحدة، والغضب، وأحيانًا في الرغبة بالثأر.
  • الذين يزدرون أنفسهم يبحثون عن الأخطاء، ولا يرون إلا السلبيات، ويفرحون لأخطاء الآخرين ومشكلاتهم.
  • الذين لا يقدِّرون ذواتهم لهم صفات معينة تميزهم عن غيرهم، مثل: الشعور بالذنب، الاعتذار المستمر، الاعتقاد بعدم استحقاق مكانة معينة، يميلون لسحب رأيهم خوفًا من السخرية عدم الشعور بالكفاءة، الانطوائية.
  • الإحساس بتدني قيمة الذات يجعل الإنسان يصل إلى ما هو أسوأ من اليأس والإحباط، وهو الوقوع في الزلل.

كلُّ هذه المكتسبات من تقبل النفس وتقديرها.. ألا تجعلنا نقف متمعنين في قول الله تعالى:

﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 21)

«اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكِّها أنتَ خير من زكاها، أنتَ وليُّها ومولاها».. آمين آمین. 


خريف العمر ظاهرة «العنوسة».. أسبابٌ وحلول

«العنوسة» ظاهرةٌ استحلفت في المجتمعات الشرقية رغم الموروث الديني والثقافي الذي يحد منها

الغلاء العالمي المسؤول الأول عن ارتفاع النسبة لعجز الرجل عن توفير مقومات الأسرة

مع كل حربٍ جديدة تشهدها البشرية تنتشر الظاهرة لما تخلفه من عواقب اقتصادية واجتماعية

«الزواج العرفي» و«المسيار» و«المتعة» من إفرازات العنوسة التي تقوض الأسرة وتفقد المجتمع المشاعر والعواطف

تخفيض المهور ودعم الحكومة لتكاليف الزواج وتسليط الضوء على الظاهرة إعلاميًا.. حلول للمشكلة

لافا خالد

حينما يتجاوز الرجل الثلاثينيات من عمره، ويدخل الأربعينيات، نقول عنه: لقد أصبح إنسانًا ناضجًا وراشدًا، ونصفه بأنَّه في ربيع العمر، أما حينما تجتاز المرأة عتبة الثلاثينيات من عمرها نقول: لقد دخلتْ خريف العمر، وفاتها القطار!!

في تناقضٍ آخر لمنظومة أفكارنا، ونظرتنا للأشياء؛ نحدد للمرأة قطارًا يتجاوزها في عمر معين؛ لتصبح على قارعة الطريق، لا تجد في الحياة مشاركة أو تفاعلًا، بل تتحول إلى مشاهدة وحدث، ويقال عنها الكثير، وتبقى محط استفهامات وتساؤلات ونظرات الجميع.. أما الرجل، فإنَّه القطار الذي يتجاوز كل القوانين بما فيها البيولوجية!

كلنا نعي أن «العنوسة» كانتْ ولا تزال ظاهرةً اجتماعيةً، ولكنها تحولت إلى أزمة مستفحلة في مجتمعاتنا الشرقية، رغم الكم الهائل من الموروث الديني والثقافي، الذي يعمل على منع ظهور هذه الظاهرة، ولكن ثمَّة عاداتٍ، وعقلية متخلفة، وشروطًا شكلية كثيرة دخلت على الخط، فغيرت مسارات كثيرة نحو الاتجاه المعاكس ونتساءل: هل من عمرٍ زمنيٍّ معين حتى يقال: إنَّ المرأة أصبحتْ عانسًا؟ ثمَّ ما العنوسة أساسًا؟ وما أسبابها؟ وما نتائجها الإنسانية على صعيد الفرد؟ وما تأثيرها بالتالي على عموم المجتمع؟

يُقال عادةً عن الفتاة التي تتأخر في السن دون زواج: إنها «عانس»، وعمومًا لا يمكن تحديد سنٍ معينة لمرحلة العنوسة، وذلك لاختلافها باختلاف المجتمعات، وحسب تكوينها الثقافي، وعاداتها وتقاليدها؛ غير أنَّ هناك شبه إجماعٍ على اعتبار سن الـ ٣٥ وما بعدها سنًا للعنوسة؛ حيث تعيش الفتاة ظلال الحياة وظلَّها، ناهيك عن تأثيراتها على الحالة النفسية، والاجتماعية التي بدتْ أكثر من تأثيراتٍ ظاهرة، وسلبية في السنوات الأخيرة، وذلك على خلفية أسبابٍ وعواملَ كثيرةً.

العامل الاقتصادي

أمَّا أهم أسباب انتشار ظاهرة العنوسة في مجتمعاتنا -ومنها البيئة السورية- فهو العامل الاقتصادي، حيث يعد هذا العامل ركنًا أساسيًا في أية علاقة إنسانية، إن لم نقل إنه المحدد الأهم في شبكة العلاقات، بين الأفراد والأمم، فالعامل الاقتصادي يؤثر في قرار الرجل من ناحية قدرته على تحمل مصاريف المهور العالية، والقدرة على بناء عائلة، وإنجاب الأطفال...

إنَّ ارتفاع الأسعار على الصعيد العالمي، وخاصَّةً في مجتمعاتنا، وبالتحديد أسعار الأراضي والبيوت والإيجارات والأثاث ضاعف من تأثير الجانب الاقتصادي برفع نسبة العنوسة.

 فعلى سبيل المثال: ارتفاع سعر الإسمنت ٥٠% عام ٢٠٠٦م في «سورية» أدى إلى رفع أسعار السكن أكثر من ١٠٠% وأسعار المنازل ارتفعت في حي «المزة» بين ١٥% إلى ۲۰% أما بالنسبة لحالات العنوسة في المجتمع الكردي بـ«سورية» فيمكننا القول: إنَّها أكبر من بقية المناطق لأسباب كثيرة، إضافةً للعوامل المشتركة على الصعيد العام، ومنها: المعاناة الإنسانية الناتجة عن مصادرة الهوية الوطنية لعدد كبير من النساء والرجال الأكراد في سورية «مشكلة المجردين من الجنسية بموجب الإحصاء الاستثنائي الذي طبق على الكرد، وجرَّد الآلاف من الجنسية السورية بين عشيةٍ، وضُحاها !».

وماذا عن العالم العربي؟

وبنظرةٍ خاطفةٍ إلى بعض الإحصاءات التي درستْ ظاهرة العنوسة في بعض الدول العربية يتأكد مدى تأثير الجانب الاقتصادي في انتشار الظاهرة، فنسبتها كانتْ في العراق ٨٥% ممن بلغن سن الزواج، وتجاوزن عمر ٣٥ سنة.

وتقول الدراسات: إنَّ ٥٠% من الشباب السوري عزاب، و٦٠٪ من الفتيات السوريات عازبات، أما «مصر» فيبلغ عدد العوانس بها ٦.٥ ملايين، ممن تجاوز أعمارهن ٣٥ عامًا وثلث سكان «الجزائر» عوانس وعزاب ممن بلغوا سن الزواج وتجاوزوها، ونسبة العزاب ٢٠% في كل من «السودان»، و«الصومال» وفي «الأردن» النسبة 5%.

لا شكَّ أنَّ العامل الاقتصادي عامل مؤثرٌ في انتشار الظاهرة، ولكنَّه لا يمثل العامل الوحيد، فعلى سبيل المثال فإنَّ دول الخليج لا تعاني نسبيًا من المشكلة الاقتصادية، ولكن لغة الأرقام تؤكِّد انتشار الظاهرة بها، حيث بلغتْ نسبة العنوسة في «الإمارات» ٦٨% وفي «السعودية»، و«قطر» 26%.

حروبٌ وصراعات

وتؤكِّد الإحصاءات أنَّ عدد المواليد وخصوصًا الذكور يرتفع مع كل حرب تشهدها البشرية، وذلك في عملية طبيعية لحفظ التوازن الطبيعي للسكان، وبالذات في مجال التوازن الجنسي، وكذلك يرافق كل حرب انتشار كبير لظاهرة العنوسة، وخلق أشكالٍ جديدةٍ لها، فالحرب هي أم الأزمات، وبخاصَّة الاقتصادية، وتبعد الشباب عن المجتمع إلى ساحات غير إنسانية تمارَس فيها عمليات القتل المجاني، الذي يؤدي إلى خلق «الأرامل» وهي أشكال جديدة لـ «العنوسة».

ويمكن اعتبار الحرب -لكونها امتدادًا عنيفًا للسياسة- عاملًا مركبًا في خلق الظاهرة، والأكثر وضوحًا في ملاحظتها، فعلى سبيل المثال ونتيجة للحروب التي شهدها «العراق» وشنِّها زمن نظام الرئيس الراحل «صدام حسين» انتشرتْ العنوسة لتبلغ ٨٥% ممن بلغن سن الزواج وتجاوزن عمر ٣٥ سنة.

العامل الاجتماعي: كما يمكن اعتبار العامل الاجتماعي أحد الأسباب المؤثرة في شيوع الظاهرة؛ فعلى سبيل المثال فإنَّ ظاهرة قيام الأسرة المصرية بتجهيز البنت للزواج، وعدم قدرة العائلة على المصاريف، يمثِّل أحد أسباب انتشار العنوسة في «مصر». وانتشار ظاهرة عدم تزويج البنت الصغرى قبل الكبرى في المجتمعات العربية هو شكلٌ آخر من أشكال المحددات الاجتماعية.

ويمكن اعتبار انتشار التعليم، وإكمال المرأة لمستويات عُليا من التعليم أحد أسباب تأخر زواجها، والغريب أنَّ ارتفاع مستوى المرأة علميًا ومهنيًا يؤثر في تأخر زواجها في مجتمعاتنا!!

إنَّ الصراعات القومية، والقبلية، والعائلية تمثل أشكالًا أخرى لانتشار الظاهرة، فعلى سبيل المثال: حالات الزواج بين القوميات، والديانات، والمذاهب المختلفة في الوطن العربي تمثل حالاتٍ قليلة -أشرنا إلى جانب منها.. وهو زواج أبناء الطوائف في دراسة سابقة -وهو سببٌ يؤدي إلى انتشار ظاهرة العنوسة أيضًا، إضافةً إلى الغياب شبه الكامل لزواج أبناء القوميات المختلفة.

آثار التأخر والعزوف: إنَّ تأخُّر سن الزواج، والعزوف عنه يخلق أنواعًا أخرى من الزواج غير معترفٍ بها رسميًا مثل: «الزواج العرفي» و«زواج المتعة»، و«زواج المسيار»، وهذه الأنواع تقوض الأسرة، وتفتح بوابة المشكلات، إضافة إلى أنَّ تأخُّر سن الزواج، والعزوف عنه يفقد المجتمع الإحساس بالمشاعر والعواطف، ويصبح الفرد فيه كالآلة التي تتحول فيها نبضات القلب إلى مضخة تدفع بالدورة الدموية ليس أكثر، وتسهم الظاهرة في تغيير التركيبة السكانية للمجتمع، وخلق فجوة بين الأجيال، فيصبح المجتمع مكونًا من أطفال وكهول، أو من شباب دون أطفال، ثم كهول  دون شباب. 

وثمة تأثيراتٌ نفسيةٌ على المرأة، وكذلك الرجل، وما يخلفه على السلوك والقرارات والاختيارات من جهة، وكذلك تأثيراتها الاقتصادية، وخفض معدلات إنتاجية الفرد في المجتمع من جهةٍ أخرى.

حلولٌ ومقترحات

بما أنَّ الظاهرة هي نتاج شبكةٍ معقدةٍ، ومتداخلةٍ، ومركبةٍ لجملة عوامل، فإنَّ حلها لن يكون إلا بمعالجة تلك الأسباب وبالأخص الجوانب الاقتصادية «كتقليل الفوارق الطبقية، وتوفير العمل، من خلال حل مشكلة البطالة، وحل مشكلة التضخم، وتحجيم الارتفاع الجنوني للأسعار».

ولأنَّ الحلول الجذرية تبدو بعيدة التحقق، وبخاصة في مجتمعاتنا، فإن هنالك عدة مقترحات عملية يمكن أن تحدَّ من الظاهرة وهي:

  1. خفض المهور: إنَّ ارتفاع المهور يمثل المشكلة الأولى التي تواجه الشاب حينما يفكر في الزواج، ويمكن للجهات المسؤولة أن تسن القوانين التي تحدد أو تحد من ارتفاعها، وإنَّ قيام أي إجراءٍ بهذا الاتجاه يصب في تطبيق الأحاديث النبوية التي نهتْ عن المغالاة في المهور؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة».
  2. قيام الحكومة بجملة إجراءات تشجيعية للمتزوجين. وعلى سبيل المثال، يمكن وضع قروض سهلة وتفضيلية للمتزوجين، وكذلك المساهمة في جعل الأولوية للمتزوجين في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية.
  3. إنشاء صندوق للزواج، ودعم الدولة المادي لحفلات الزواج الجماعية:  ..مؤخرًا بادرت بعض الفعاليات الاجتماعية إلى هذا النوع من الزواج لتخفيف الأعباء عن الشباب، وبالتالي فتح الباب أمام المساهمات التي تدفع الشباب للزواج، وتقلل نسبة العنوسة.
  4. قيام وسائل الإعلام بدورها: من خلال تسليط الضوء على المشكلة، ووضع الحلول العملية لها، ونشر ثقافة الزواج، وأهميته لتوفير الكثير من الاحتياجات الفطرية للنفس السوية، بشكلٍ سويٍ يتوافق مع القيم الدينية، والأخلاقية، والأعراف السِّليمة.
  5. تقديم الرعاية النفسية والاجتماعية للعانس: خاصَّةً إذا تعرضتْ لمشكلات ماديةٍ، أو نفسيةٍ، أو اجتماعية، مع مراعاة مشاعرها، خاصَّة وأنّ مجتمعاتنا تعاني كثيرًا من حساسية ظرف الفتاة التي تأخرتْ في الزواج، والوضع أصعب بالنسبة لها، حينما تكون دونما مورد مادي مستقل، يقيها شر الأسئلة الكثيرة التي تؤثر على نفسيتها، ومزاجها، وحياتها عمومًا.

الرسائل الإيجابية في تربية الطفل

من أهم المراحل التي تتشكل فيها شخصية الطفل مرحلة ما قبل المدرسة، ففي هذه المرحلة يكون هناك مؤثران قويان، ألا وهما الوالدان اللذان يستطيعان أن يضعا اللبنة الأساسية في تكوين شخصية الطفل، وقد وضح لنا الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القاعدة وقال: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» «أخرجه البخاري».

وهناك أساليبٌ عديدة تساعد على برمجة الطفل وهي:

  1. إشعاره بذاته

يُخطئ كثير من الآباء والأمهات في عدم السماع لأحاديث الطفل. والواجب الجلوس مع الطفل، والحديث معه، والاستماع له مع تصحيح بعض معلوماته؛ فهذا يشعر الطفل بذاته، وأنَّه مهمٌ عند والديه، فبالتالي يحاول أن يتحدث، أو يتصرف بالذي يرضي والديه حتى يتقرب إليهما أكثر.. وهنا يستطيع الوالدان برمجة الطفل وتعليمه كل ما يريان أنّه في صالحه.

  1. الرسائل الإيجابية

هي عبارةٌ عن كلماتٍ مكررةٍ يختزنها العقل الباطن، ومع الأيام تنعكس إلى سلوكٍ. ولكي نبرمج الطفل على سلوك معينٍ من خلال تقنية الرسائل الإيجابية ينبغي مراعاة ما يلي:

أ- أن تكون الرسالة واضحةً ومحددةً: أي أن توضح هل هي الشجاعة، الصدق، الذكاء... إلخ. كأن تقول له: «أنت قوي، أو أنت صادق، أو أنت ذكي...».

ب-  أن تكون الرسالة إيجابية: أي لا تبدأ بنفي، مثل أن تقول: لا أريدك أن تكون كاذبًا، والصحيح أريدك أن تكون صادقًا.

جـ- يجب أن يصاحب الرسالة إحساسٌ قوي.

د- يجب أن تكرر الرسالة عدة مراتٍ حتى تبرمج.

  1. القصة قبل النوم:

يقول علم البرمجة اللغوية العصبية: إنَّ أفضل وقتٍ يكون فيها العقل الباطن متهيئًا للبرمجة هو ما بين حالة اليقظة، واستسلام الشخص للنوم، في هذه الحالة نستطيع برمجة الطفل من خلال القصة التي نذكر فيها ما نريد أن نوصله للطفل.

المصدر: «منتديات حوارات»

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1287

83

الثلاثاء 10-فبراير-1998

جنوب شرق آسيا: المجتمع (1287)

نشر في العدد 2192

921

السبت 01-يونيو-2024

لعدوهم قاهرون!

نشر في العدد 655

66

الثلاثاء 24-يناير-1984

خواطر حول مؤتمر القمة الإسلامي