العنوان كيف يتشكل الوعي الجماعي لدى الطفل؟
الكاتب إيمان محمود
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1998
مشاهدات 90
نشر في العدد 1303
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 09-يونيو-1998
- مكونات الجمال عند الطفل: اللون والضوء والصوت والحركة والإيقاع.
قدمت الدراسات الحديثة النفسية والاجتماعية والتربوية مناهج وأدوات وتجارب وطرقًا تساعد على تنشئة الطفل تنشئة سليمة وجيدة، إلا أن مسألة تنمية الوعي الجمالي عند الطفل قد غابت عن اهتمامات كثير من الباحثين على الرغم من أنها لا تقل أهمية عن الوعي العلمي أو الاجتماعي أو النفسي أو البيئي.
فالوعي الجماعي عند الطفل- كما تقول الدكتورة وفاء إبراهيم- أستاذ مساعد علم الجمال بكلية البنات جامعة عين شمس- «يمثل الخلفية التي تتحرك عليها زوايا الأنشطة المعرفية الأخرى للطفل، كما أنه أقرب إلى الطاقة التي تدفع وتحرك وتحرض ملكات الطفل المختلفة».
وتتناول المؤلفة في دراسة لها فكرة علم الجمال وعلاقته ببعض أنشطة الطفل الإدراكية والحسية ومظاهر هذا الوعي الجمالي وفاعليته في حياة الطفل.
وتتساءل أولًا: هل يدرك الطفل الجمال؟
وتجيب: جانب الإدراك من الجوانب المهمة التي يرتقي من خلالها الطفل معرفيًا؛ حيث يكون الطفل قادرًا على إدراك الموضوعات وبعض خصائصها كاللون والصلابة والشكل وحركة الأشياء، ومن ثم فإن الطفل يرتكز على أسس جمالية منذ لحظة ميلاده واتصاله بالعالم، لأن حاسة إبصاره حاسة مستكشفة لكيفيات ما حوله مثل اللون والضوء كما أن حاسة السمع تسهم بشكل كبير في اتصاله بالعالم، حيث يلتفت إلى مصدر صوت إيقاعي أو ينام على أصوات الهدهدة.
وتُعرف د. وفاء- الوعي الجمالي بأنه القدرة على التذوق أو الشعور أو الانتباه إلى القيمة الجمالية أو الكيفية الجمالية التي توجد في شيء ما، سواء كان طبيعيًا أو عاديًا أو عملًا فنيًا، ومن ثم فإن وعي الطفل بقيم الأشياء، من حيث اللون والشكل والصوت والحجم يعد وعيًا جماليًا.
القيمة الجمالية تجعل الطفل يميز بين الجميل والقبيح في الطبيعة وفي الأعمال الفنية، والطفل يدركها ضمنيًا دون قدرة على التصريح بذلك، إذ إنه يدرك ويصنف ويميز، وتحدد لديه الأشياء من خلال قيمتها الجمالية أي ألوانها الصارخة الحارة أو أشكالها المتألقة أو حركتها المثيرة أو صوتها.
وتثير الدراسة تساؤلًا مهمًا: هل القيمة الجمالية ذاتية أم موضوعية؟ إنها على الأرجح- من وجهة نظر الباحثة- ذاتية لأن الطفل في هذا العمر لا يقوى على الإدراك التفاعلي الذي يستطيع من خلاله تحديد خصائص موضوعية في الشيء.
ومن هنا فإن وعي الطفل يقف عند حدود الجميل، وبخاصة في المرحلة الأولى، وذلك بحكم تكوينه الضعيف، فهو يتصل بالعالم وهو يخشى الأشياء الضخمة، لذلك فإن وعيه الجمالي يتأسس على الجميل وليس على الجليل الذي يحتاج الوعي به إلى قدرات شعورية وعقلية تستوعب الضخامة والأشكال المخيفة.
الحس القرآني:
وتوضح المؤلفة أن هناك الكثير من الآيات القرآنية التي تثير الحس الجمالي لدى الطفل. وتعبر عن أن الجمال في تنظيم الكون وتصميمه مقصود، وليس شيئًا بلا معنى مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَد زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بِمَصابيحَ﴾ (الملك: ٥) وكذلك الآيات التي تكشف بعض خصائص الجمال مثل التوازن والتناسق والترابط بين أشياء الكون مثل:
﴿الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلقِ الرَّحمنِ مِن تَفاوُتٍ فَارجِعِ البَصَرَ هَل تَرى مِن فُطورٍ﴾ (الملك: ٣)، وقوله تعالى: ﴿أَلَم تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخرَجنا بِهِ ثَمَراتٍ مُختَلِفًا أَلوانُها وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بيضٌ وَحُمرٌ مُختَلِفٌ أَلوانُها وَغَرابيبُ سودٌ﴾ (فاطر: ٢٧).
وتطالب الدراسة الأم أن تدعم الوعي الجمالي الذي يصل بالطفل إلى الحقيقة وبخاصة في فترة أسئلته الحائرة عن خالق الكون من هو، تستطيع الأم بأن تنتهز هذه الفرصة فتعدد بعض أسماء الله عز وجل مثل المصور البديع العدل، ثم تشرح له طبيعة كل صفة، وتبدأ بالعدل أي إقامة الله عز وجل التوازن في الكون والمصور الذي خلق المخلوقات في صياغات فنية ذات ألوان بهيجة وأشكال متنوعة، والبديع هو خالق الجمال، وكل هذا يعني أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق كتلًا متناثرة مبعثرة من حجارة ونبات وأشجار وإنسان وجبال وبحار، بل جعل كل هذا عناصر في الشكل الذي يضم هذا الكون الجميل الذي نراه متوازنًا ومتناسبًا ومتجانسًا.
كما تطالب الدراسة بضرورة إرجاء شرح الآيات القرآنية التي تصور مشاهد يوم القيامة أو قيام الساعة، لأنها تصور الجليل، فالبدء بالجميل ثم التمهيد للجليل يؤدي إلى توازن المعنيين عند الطفل.
وينسحب الشيء نفسه على استخدام التراث الشعبي، حيث لا يجب أن تحكي الأم للأطفال حكايات الجن والعفاريت والغيلان بقصد تخويفهم لكن يمكن تكييف هذه الحكايات لإبراز قيم أخرى مثل الشجاعة والوفاء.
وخلاصة القول إن المعطيات التي يدركها الطفل وليدًا ويتشربها فيما بعد من أسرته ومدرسته ومجتمعه، هي التي تصله بالعالم، وتمكنه من فهمه.. وتحصر الدراسة مكونات الجمال عند الطفل في خمس كيفيات جمالية تربطه بالعالم، وهي: اللون والضوء والصوت والحركة والإيقاع، فاللون الفاقع يلفت انتباه الطفل، ويجعله يشعر بالمتعة والسرور، وكذلك الضوء بواسطة لعبة أو مصباح وأيضًا الحركة كالأرجوحة والصوت.
منهج الوعي الجمالي:
ويمكن للأم اكتشاف نمو الوعي الجمالي لدى الطفل حينما يقوم الأخير مثلًا بالضغط على زر بالصدفة، وفجأة يضاء المصباح، ونجده يهلل ويثير هذا الموقف بهجته، وحينما يختفي في أي مكان يختاره غريزيًا تملؤه الغبطة، وأمه تبحث عنه، هذه الخبرة الجمالية تتضح من خلال فاعلية الطفل في العالم وقدرته على التشكيل، وأيضًا التأثير والإدهاش.
واختتمت د. وفاء دراستها بتساؤل مهم: هل المقصود بتنمية الوعي الجمالي لدى الطفل أن يصبح كل طفل فنانًا؟ وأجابت بالنفي لأن الإبداع الفني يحتاج إلى موهبة، إلا أن تنمية الوعي الجمالي كطاقة والعمل على فاعليته مع بقية الملكات، يعمل على تنشئة مواطن مبدع في مجال تخصصه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل