العنوان كيف يحوز الداعية فقه الدعوة؟ (۳) ... القابلية الفطرية
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر السبت 29-يوليو-2006
مشاهدات 61
نشر في العدد 1712
نشر في الصفحة 66
السبت 29-يوليو-2006
كلما كان المنهج أصيلًا، أي مُرجعًا إلى أصوله الأولى، منضبطًا بما قاله فقهاء السلف، أمنت عليه من التحريف والتأويل البعيد الشاذ، وأمنت عليه من أن تتلاعب به الأهواء وشهوات الافتتان أو شهوات الاغتراب، وشهوات أخرى نعلمها وإن كانت من صفات أهل الجاهلية إلا أن المسلم قد لا يبرأ منها، وقد قال الرسول الكريم -عليه أفضل الصلاة والسلام- لبعض الصحابة، إنك امرؤ فيك جاهلية، وهو من قدماء الصحابة ولم تُقل الغبراء ولم تظل الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر رضي الله عنه، ومع ذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك امرؤ فيك جاهلية»
فوجود شعبة من شعب الجاهلية بالمؤمن أمر ليس بالمستغرب، وهذه المسألة شعبة منها الأهواء والشهوات في التأويل البعيد، واصطناع الرأي تكلفًا لمصادمة آراء أخرى وللتدليل على وجهة نظر يظنها صحيحة عنده، هذه المسألة ليست نادرة الحدوث، فالضابط لها والرد القوي لها أن تحتكم إلى عدل، وليس هناك أعدل من السلف.
والقرآن ناطق بمثل هذه المعاني في فضل أهل السبق أهل السابقة لهم ما ليس لغيرهم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (الحشر: 10)... فأشار بهذه الإيماءة البسيطة إلى هذا الأدب الجم الذي يجب أن يتحلى به اللاحق، وأن يكون كامل الاحترام للسابق، ومن هنا كلما اكتشفنا كمية أكبر من فقه الدعوة التراثي كان عملنا هذا أكثر أصالة، واستفدنا منه أكثر وأكثر.
فهذه الغايات الثلاث هي أهم الغايات التي نرجوها من الدروس والدورات التربوية.
ولنا كلام في الشروط التي ينبغي أن تتواجد في الأخ حتى يستفيد من هذا الكلام، واقتراح طريقة لتكوين فقهاء الدعوة.
يعني كيف يكون الداعية فقيهًا في أمر الدعوة؟
وهذا السؤال قد تختلف عنه الإجابات، ولكن في ظني أن هناك عدة وسائل أساسية في هذا الباب تتكامل، بعضها يسند البعض الآخر لتكوين الفقيه نذكر منها:
أولًا: القابلية الفطرية
التي تدل فراستنا على توافرها فيه وهذه القضية -أيها الإخوة- من أهم القضايا التي لا يمكن تجاوزها بتاتًا.
الله سبحانه وتعالى خلق البشر متفاوتين في مقادير الذكاء، فسبحان من قسم الحظوظ، كما أن هناك في بصر العين من هو حاد البصر كزرقاء اليمامة، وهناك من هو أعشى لا يبصر القريب منه ممن حوله.
فكذلك هناك في أهل العقول من هو حاد الذكاء كأنه يطلع على الغيب في بعض الأمور وليس هو الغيب، لكن من فرط ذكائه إستطاع أن يكشف الحجب، وهناك من تتصارع الأحداث وتتناطح الأمور بين يديه وهو ساه لاه بفكره عنها لا يستطيع أن يكتشف ما فيها من الدلائل.
الفراسة أو التجربة تقول: إن التمييز واجب إبتداءً، فنحن لا نأخذ في هذه الدعوة إلا أشداء الرجال، الذكي، الألمعي، الصبور، الشجاع، صاحب الشخصية القوية، الكريم؛ لأن كل هذه الصفات الطبيعية - وهي من خلق الله سبحانه وتعالى وليست من صناعتك أنت بالتربية - مطلوبة لمن يتصدى لعمل كبير وضخم ألا ترى أن قائد الجيش لا يأخذ معه الأعرج، ولا يأخذ معه الجبان، ولا يأخذ معه من لا يعلم فن الحرب، وإنما يأخذ معه أشداء الرجال؟ فكذلك نحن.
لسنا جماعة المسلمين حتى نقول: من دخل دارنا فهو مسلم، ومن كان خارجها فهو كافر، ولذلك نحرص على الضعفاء، ونحرص على الجميع.. نقول: حتى لا نسلبهم وصف الإيمان، كلا لسنا إلا جماعة من المسلمين انتدبنا أنفسنا لخدمة المسلمين في أمر مهم لا يستطيعونه. نريد أن نتعلم الفن الذي نوصلهم به إلى العز و ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8)، عزة المؤمن بارتفاع كلمته وبسط سلطانه في هذه الأرض وليس السلطان الجاهلي.
من هنا نقول: إن فقه الدعوة أيضًا -في جانب كبير منه- هو موهبة من الله سبحانه وتعالى لا يمكن اصطناعها وإنما يمكن أن تكتشف أولوياتها في بعض من جمعت من الشباب، فتنتخبهم للسماع الأكثر وتدربهم، وهناك من تراه -مع جودة إيمانه- غير قابل لمثل هذا الكلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل