العنوان كيف يفهم المسلمون التغيير؟
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1987
مشاهدات 81
نشر في العدد 835
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 22-سبتمبر-1987
- التغيير سنة من سنن الله في الكون، وهو نتيجه تفاعل الجماعات والأفراد مع بعضها بعضًا.
قال الأستاذ أحمد بهاء الدين في محاضرته التي ألقاها بفندق شيراتون «الدوحة» بعنوان «نحن في عالم متغير»: إن الستار الحديدي في الاتحاد السوفييتي وسور الصين لم يستطيعا أن يمنعا تطلع الشعبين السوفييتي والصيني إلى الاستمتاع بمنتجات الحضارة التي يتمتع بها السكان في دول الغرب، ولذلك فنحن نرى بداية الانفتاح في موسكو وبكين، من هذا يتبين أن الشيوعية لا تستطيع أن تلبي حاجات البشر، وأن الدول الشيوعية- على الرغم من التقدم التقني فيها- فهي متخلفة عن الغرب، وكلا النظامين في الغرب والشرق نظامين ماديين، يسعيان في زعمهما إلى سعادة البشر في هذه الدنيا، والذي حصل هو العكس، فالذين انجرفوا في الماديات ملكتهم هذه الماديات، وجعلتهم يلهثون في هذه الحياة، لا اطمئنان، ولا استقرار نفسي عند الإنسان، ونحن نعرف أننا سنكون ضحية لهذه المتغيرات، إذا لم تعمق فيها الروحية التي تستدعينا أن نتحكم في عواطفنا وشهواتنا، وبالتالي نسخر منتوجات الحضارة لمصلحتنا، فنتحكم فيها، ولا نجعلها تتحكم فينا كما يحدث الآن في الغرب والشرق.
ونحن نؤمن أن التغيير من سنن الله في الكون، وهو نتيجة تفاعل الجماعات والأفراد مع بعضها بعضًا، ونؤمن أننا جزء من هذا العالم المتغير، وأننا نقع تحت طائلة الثورات التي ذكرها الأستاذ أحمد بهاء الدين في محاضرته، ثورة الاتصالات، وثورة العلم، وثورة الآمال، ولكننا نستطيع أن نحمي أنفسنا من سلبيات هذه الثورات، ومن سلبيات المنجزات العلمية، إذا حرصنا على أن نقيم توازنًا بين المادة والروح، وإسلامنا- بحمد الله- فيه هذا التوازن، فهو إذ يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: ١٤)، وهو إذ ينفر من مغريات الدنيا يقول أيضًا: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة:29)، ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (طه:81).
لن تجد في المجتمع الإسلامي تلك المرأة التي فوجئ المارة وهي واقفة في إحدى شرفات أعلى طابق في إحدى الفنادق الكبرى، في إحدى المدن الأمريكية، وهي تصرخ بأعلى صوتها، وحولها أطفالها السبعة، ثم أخذت تلقي بأطفالها من هذا الارتفاع الواحد تلو الآخر، ثم قذفت بنفسها بعدهم، وماتت هي وأطفالها، ووجدوا في حجرتها في الفندق ورقة مكتوبة أنها قتلت نفسها وأطفالها؛ لأن زوجها تركها وذهب مع فتاة أخرى يحبها.
إن الانحراف والخروج له علاقة وثيقة بالتقدم التكنولوجي السريع، والمخترعات المستحدثة لها آثار عكسية على القيم والأخلاق والتقاليد ليس في ذلك شك، ولكن هل نستسلم للواقع، ونقول: إن الانحرافات أمور لا بد منها؟
إن أصحاب المذاهب الفكرية عندنا يریدون أن نذوب في الحضارة الغربية، ولا ندفع عن أنفسنا هجمتها، بحجة أننا لا نستطيع ذلك، ولا تقوى على مقاومة التيار، نأخذ الحضارة بحلوها ومرها، وما يحمد فيها ويعاب؛ لنلحق بركب الحضارة، وأصحاب هذه المذاهب قد سيطروا على مجتمعاتنا، وذهبوا يتنافسون على المكاسب الخاصة، وتفشت في مجتمعاتهم الرشوة والفساد والروتين، وبدلا من أن يلحقوا بركب الحضارة، انشغلوا بإضعاف مجتمعاتهم، وتفتيتها بالصراعات والحروب، واستوردوا ما تنتجه أمريكا وروسيا من السلاح لإرهاب شعوبهم، وللقتال فيما بينهم.
إن الأخذ بأسباب الحضارة غير الفكر الفلسفي، وهؤلاء أخذوا الفكر الفلسفي، ولم يأخذوا الحضارة، وإن أخذوا فمن قشورها كسفور المرأة وعملها، والتوسع في المسارح والمراقص ودور السينما، وعقد الندوات والمؤتمرات التي فيها السب والشتم للمعارضين، ويقولون: إنهم سيحققون العدالة الاجتماعية، وسيقدمون البلاد في الصناعة والزراعة والعلوم، مع أن الواقع أن البلاد تتأخر، والفقر يزداد، والديون تتكاثر فتدهورت الحالة.
وما نراه اليوم في مجتمعاتنا هو نتيجة لتلك الأفكار، نسأل الله ان يلهمنا الرشد والسداد.