العنوان كيف يواجه المسلم أجواء الحرب وتداعياتها؟
الكاتب علاء سعد حسن
تاريخ النشر السبت 05-أبريل-2003
مشاهدات 73
نشر في العدد 1545
نشر في الصفحة 38
السبت 05-أبريل-2003
وقعت الحرب، وقد قادت إلى ذلك مجموعة من العوامل والأسباب التي يعرفها الساسة جيداً، ويشاركون في صنعها بشكل أو بآخر، غير أن ما يهمنا هنا هو: كيف يواجه الفرد المسلم على المستوى الفردي والأسري وعلى صعيده الاجتماعي المحدود آثار تلك الأجواء المشحونة بروائح البارود وأصوات الانفجارات وصور الدمار، بعدما أدى دوره الاجتماعي والسياسي الرافض للحرب، والمناوئ للاعتداء على الأمة، المعارض لتركيعها؟ هناك ولا شك مجموعة من العوامل تساعد على التخفيف من الآثار النفسية والفكرية السلبية لتلك الأجواء القاتمة، والخروج من هذه الأزمة وتلك الفتنة، أعمق إيماناً وأقوى يقيناً وأكثر قوة، ومن أهم هذه العوامل:
أولاً: اللجوء إلى الله تعالى أشد اللجوء: فمن غيره سبحانه يكشف الغم ويرفع البلاء ويزيل الهم؟. إنه وحده ولي ذلك والقادر عليه، ولا شك أن تلك الأجواء المتوترة والخطوب المدلهمة والأخطار المحدقة تدفعنا دفعاً للجوء إليه والاحتماء بحماه والتوكل عليه والإنابة الصادقة إليه والتزام بابه ومن مظاهر هذا اللجوء:
أ - التوبة النصوح والأوبة الصادقة.. والتوبة الحقيقية لها معنى أعمق من مجرد تلفظ اللسان بالاستغفار، وإن كان الاستغفار في حد ذاته مطلوباً من المسلم في كل وقت ،وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم والليلة مائة مرة، فمن معاني التوبة طلب الاستشفاء من مرض المعاصي العضال وداء الذنوب الفتاك وأمراض القلوب والنفوس والجوارح، فأول عمل الطبيب منع الأسباب المؤدية للمرض قبل وصف الدواء.. إذ ما فائدة الدواء مع بقاء أصل الداء وسبب البلاء!.. فمن أراد التوبة النصوح فعليه بترك المعاصي أولاً ثم الاستغفار على ما قد كان منها.. والتوبة الصادقة والندم على ما فات هو أول طريق اللجوء إلى الله تعالى.
ب - كثرة العبادة تحقيقاً للعبودية المطلقة لله تعالى، فأداء الفرائض على وقتها والاستزادة من النوافل، وصوم التطوع والصدقة.. كلها من موجبات حب الله لعبده، إذ يصبح العبد ربانياً يرى بنور الله ويسمع بالله ويمشي بالله «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه...» الحديث.
ج - ذكر الله ذكراً كثيراً متواصلاً، فذكر الله حياة للقلوب، وبذكر الله تطمئن النفوس الخائفة وتسكن القلوب الواجفة ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد:28)، والذكر من أهم وسائل الثبات في المحن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا للَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال:45)، وذكر الله تعالى ومناجاته والتعلق بأسمائه الحسنى يزيد يقين القلب بأنه لا يحدث في ملك الله إلا ما قدر الله.
د - تذكر الموت.. الذي هو عاقبة كل حي ومال كل مخلوق، وهو قريب منا في كل لحظة سواء في وقت الحرب أو السلم.. ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (الجمعة:8)، غير أنه في هذه الأجواء المضطربة يقترب الموت أكثر فيستشعره الإنسان في كيانه، فقد يحدث الموت سريعاً بسبب صاروخ أو قنبلة أو طائرة، أو انفجار وذكر الموت موعظة للنفوس وترقيق للقلوب، ومن أراد واعظاً فالموت يكفيه.
هـ - الإلحاح على الله تعالى بالدعاء. والدعاء الحقيقي الخالص لله وحده، دعاء المضطرين الأذلاء ﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ (النمل: ٦٢)، والأمة كلها في حاجة ماسة إلى الدعاء.. الدعاء بالحفظ والدعاء بالنصر والدعاء بالتمكين والدعاء بالعزة لدين الله وعباد الله ومن الأدعية المأثورة حينما تدلهم الخطوب: «اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بين أيديهم سالمين اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم اللهم اكفنا شرورهم بما شئت، اللهم يا منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب.. اللهم اهزمهم وزلزلهم. اللهم یا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك» .. فهل يهتز سكون الليل وأوقات السحر بدعوات المخلصين المخبتين المضطرين الراجين؟
حضارة الأمم تقاس برقيها الأخلاقي وإقامة العدل والمساواة والحرية
الله وحده قادر على أن يكشف الغم ويزيل الهم ويرفع البلاء، النصر والهزيمة والتمكين والاستبدال والاستخلاف والاستضعاف بيد الله وحده.
ثانياً: تجنب الإشاعات والأكاذيب سماعاً وتأثرأ ونقلا وترديداً.. إن الإشاعات والأكاذيب من أخطر الأمور التي تواجه أي مجتمع في مثل هذه الأجواء والظروف، والإشاعة تزيد الاضطراب وقد تتسبب في حدوث فجوات عميقة غائرة في جسد المجتمع، ولخطر الإشاعة حذرنا المولى عز وجل منها وأمرنا بالتثبت والتبين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ (الحجرات:٦) والإشاعة المغرضة وسيلة النفاق والمنافقين، ولذا يقول سبحانه ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ (الأحزاب: 60).. والكلمة في الإسلام أمانة كبرى ومسؤولية سواء كانت هذه الكلمة منطوقة أو مكتوبة أو في أي صورة من صورها .. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (إبراهيم:24) .. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ (إبراهيم:٢٦)، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار يوم القيامة إلا حصائد السنتهم؟!.. والكلمة الطيبة قد ترفع صاحبها إلى الجنة، والكلمة الخبيثة قد تهوي بصاحبها . وهو لا يلقي لها بالاً - في النار سبعين خريفاً... ولذا كان على الفرد المسلم والمجتمع المسلم أن يتوقف ويتثبت من كل خبر أو قول، وأن يثق في علمائه وأصحاب الرأي القويم في المجتمع، فلا يسارع فيهم بترديد التقول الكاذب عليهم ويتأول لهم الأسباب والعلل، فإنه وإن كان مقدراً علينا أن نصطلي مادياً بنيران مثل هذه الحروب فلا أقل من أن ننتصر عليها معنوياً ونفسياً واجتماعياً، ونخرج منها أصلب عوداً وأقوى بناء.
ثالثاً: عدم الانبهار بقوة العدو أو الانهيار النفسي أمام قوته.. فإن حضارة الأمم لا تقاس فقط بالقوة المادية والاقتصادية ، ولكنها تقاس كذلك برقيها الأخلاقي ونظمها الاجتماعية وإقامة العدل والمساواة والحرية فيها واحترام حقوق الإنسان.. الإنسان ذاته لا قيمة ثروته المادية ولا جنسه وعرقه.. ولقد انتصرت دول وسادت العالم حيناً من الدهر لكنها كانت أمماً منهزمة داخلياً ممزقة اجتماعياً خاوية روحياً، فسرعان ما غزتها قيم المجتمع المهزوم فأسلم التتار وهم المنتصرون على أيدي المسلمين، وهم الأمة المنهزمة عسكرياً في موازين القوى المادية.. انهزم المسلمون يومها مادياً، لكن لم تنهزم قيمهم ولا مبادئهم، ولم تنهزم روحهم ولا إيمانهم، فنجحوا في دعوة الغزاة المعتدين فدخلوا في دين الله أفواجاً، وتحولت هزيمة الأمة إلى نصر، وها نحن نرى اليوم الآلة العسكرية إلى جانب العدو، ومعها مقومات الحضارة المادية من علم وتقنية واقتصاد وإعلام، غير أننا ندرك في وضوح وجلاء أن المقومات المادية للحضارة هي تراث بشري له صفة العموم، وقد تؤول هذه العلوم إلينا أو إلى غيرنا يوماً بشيء من الجد والاجتهاد والصبر والمثابرة، غير أن المقومات القيمية للحضارة في تراث خاص تنهض به الأمم صاحبة الرسالات وريثة الأنبياء وحفيدة الراشدين في تاريخ البشرية، ونحن نملك هذه الخصوصية، وإذا فنحن نملك الجانب الأهم في الحضارة، غير أننا نحتاج إلى جهد جهيد وعمل دؤوب وسعي متواصل لتثبيت دعائم هذه المقومات، ثم الانطلاق في تحصيل المتاح والممكن من المقومات المادية ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: ١٤٠).
رابعاً: اليقين الكامل بأن الأمر كله لله ... لقد علم الله تعالى الأمة ذلك عندما عاشت أجواء حرب عالمية أو شبه عالمية بين الدولتين الكبريين آنذاك الروم والفرس.. فعقب الله تعالى على هذه الأحداث : ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ (الروم:4-5) فالنصر والهزيمة والتمكين والاستبدال والاستخلاف والاستضعاف بيد الله وحده ليس لأحد من البشر ولو كان عظيماً أو طاغية من الأمر شيئاً. فالمصرف المتصرف وحده هو الله تعالى وما يحدث على مسرح الأحداث إنما هو ستار لقدرة الله العزيز القدير ما يحدث ما هو إلا ظاهر من الحياة الدنيا ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم:7).
خامساً: الثقة المطلقة بان النصر والعزة للإسلام.. فالعزة في ميزان الله تعالى عزة مبادئ وقيم لا عزة جماعات وشعوب، فهزيمة الأمة الحقيقية عندما تتخلى عن قيمها وتبتعد عن مبادئها. فالتي تنتصر هي القيم لا الأشخاص، ولذا أصاب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وفيهم رسول ا صلى الله عليه وسلم مصيبة أحد، والله تبارك وتعالي يعلمهم ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ (آل عمران :١٦٥)، ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (آل عمران: ١٥٢)...
فالحق لا يحابي أحداً، ونحن لا نؤمن بأننا شعب الله المختار ولا نؤمن بالخيرية المطلقة بين الأمم، ولكننا نؤمن بالخيرية المقيدة المتوقفة على شرط الله تبارك وتعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (ال عمران:۱۱۰)
وعندما تتحقق شروط الخيرية تتحقق الخيرية لا محالة، وعندها يكون النصر وتكون العزة وهذا هو موعود الله ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ (التوبة : ۱۱۱).
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل