; لابد أن يلتقي المفكرون على عروبة القرآن وفكر الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان لابد أن يلتقي المفكرون على عروبة القرآن وفكر الإسلام

الكاتب الأستاذ يوسف العظم

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1989

مشاهدات 68

نشر في العدد 928

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 15-أغسطس-1989


  • أنا إنسان مسلم عربي أردني من مدينة معان.. فأين التناقض بين هذه السلسلة المتداخلة الحلقات؟
  • إذا سَخَرت علاقة التراب والطين من علاقة العقيدة والدين فعلاقة التراب والطين هي الخاسرة!

«ما لنا وللدعوة إلى الإسلام؟.. أو ليست تفرق صف الأمة وتمزق كلمتها وتشتت وحدتها؟ أو ليست الوحدة على أساس الإسلام معناها إيذاء مشاعر «المسيحيين» والنَيِل منهم وإذاقتهم صنوف البلاء وألوان العذاب؟». 

بهذه النغمة الطائفية البغيضة وهذه التساؤلات المغرضة يفتتح أدعياء مكافحة الطائفية المأجورون ويبدأ أبواق الوحدة الزائفة المتهالكة معزوفة الحديث عن الوحدة

ولسنا بالمتنصلين من أن دعوتنا الموحدة تقوم أول ما تقوم على الإسلام بمفهومه الواعي وعقيدته الصحيحة وفكره السليم كما أراده الله للناس كافة، لا الإسلام الذي تعلمه «المنهزمون» أو أوحي إليهم عبر دوائر الاستخبارات الأجنبية والمدارس التبشيرية وكُتب المستشرقين التي تقطر سمًّا وتفيض حقدًا وكراهية.. 

ولو كانت «أبواق عدونا» الذين يستنشقون هواء ديار الإسلام ويستظلون سماءها يخضعون الأمور التي يعالجون والشعارات التي يحملون للحوار الفكري الهادف لاستطاعت أمتنا أن تجتث من نفوسهم جهالة الجاهلين أو غرض الموتورين ولكنهم يقيمون الشعار ويطبقون الرأي بالإرهاب الفكري المسلح حين يشبون على مواقع السُلطة بعد استشارة أكثر من جهة أجنبية واعتماد أكثر من سفير!

ومن هنا يبدو الحديث عن الوحدة التي يزعمون مضحكًا لا يستحق الالتفات ولا يحظى بالتقدير.. ومن هنا ننطلق في حديثنا الهادف عن وحدتنا التي لا نرتضي بغيرها بديلًا ولا نرضى بسواها شعارًا ووسيلة وغاية نتناول فيه أُسس الوحدة التي تقوم عليها وحدة الأمة المسلمة والأقليات التي تعيش في ديار الإسلام دينية كانت أو قومية، والدعوات التي ينادى بها في صفوف المسلمين طائفية جاحدة أو شعوبية حاقدة لنخلص في النهاية بأسلوب موضوعي وعرض علمي إلى أن أية وحدة في ديار الإسلام لا تقوم على العقيدة الإسلامية والمفاهيم القرآنية ولا تتخذ من حضارة التوحيد رسالة تحملها للعالم، وحدة في بنيتها الداء الذي يمزقها قبل أن تقوم، والعلة التي تجتثها من الجذور إن كان لها جذور.. ولو تغنت بها كل حناجر المأجورين.. ورددت شعاراتها كل إذاعات المسعورين.

أُسس الوحدة:

لقد دعا الإسلام إلى الوحدة على أُسس بينة وقواعد راسخة لا يتسرب إليها الضعف ولا يتسلل إلى بنيتها التفسخ والانحلال:

الأول: وحدة الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (الصمد 3-4)..

فانتزع الخلاف الذي يمكن أن يقوم بين أبناء الأمة حول طبيعة الإله، كالذي قام بين المسيحيين عبر العصور حول طبيعتي الإله البشرية والإلهية كما يزعمون، فالمسلمون جميعًا لهم إله واحد خالق قادر مالك، ليس كمثله شيء و«خلقه وعبيده» يستوون أمامه، لا فضل لأحد منهم على سواه إلا بالتقوى والعلم والعمل الصالح.

والثاني: وحدة الاتجاه نحو كعبة واحدة يتجهون إليها في صلاتهم حيثما كانوا من كل أطراف الكون وجوانب المعمورة مما يحقق بينهم وحدة الهدف ويعودهم وحدة التوجه الخالص الذي لا تشتته أهداف جانبية ولا تتنازعه غايات دنيوية، ما دام الجميع يسعون إلى رب الأرباب ويتجهون إلى بيته العتيق في طُهر وصفاء وجهاد دائم لا ينقطع .

 

والثالث: وحدة الكتاب الذي يقوم عليه التشريع وتنبع منه الأحكام في مختلف شؤون الحياة التعبدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والعسكرية مما يحقق وحدة الفكر ووحدة الثقافة.. وهي من الأُسس الهامة التي لا يقوم لأمة بغيرها قائمة، ذلك أن قيام ثقافات عدة وأفكار متطاحنة في بنية الأمة الواحدة إنما يزرع التفكك والانحلال في صفوفها ويمكن للثقافة الوافدة أن تهيمن وأن تفرض سُلطان أصحابها من الغالبين.. ومن هنا كان للأمة المسلمة ثقافة واحدة عبر القرون في عصور الوحدة يؤثرون في غيرهم ويتأثرون ويأخذون ويعطون بفكر مستنير وعقلية متفتحة تأخذ وتعطي ولكن في حدود شريعة الله وضمن إطار المفاهيم الإسلامية القائمة على وحدانية الله وحاكمية الخالق وأخوة المؤمنين

والرابع: وحدة اللغة التي أنزل الله بها القرآن الكريم وحث نبيه الناس على تعلمها والتكلم بها لمعرفة أحكام الإسلام وتفهم تشريعاته وهي الوسيلة الحيوية الفعالة لتوحيد الفكر ونشر الثقافة، وللإسلام عليها فضل لا ينكره إلا المكابر الكنود، فقد حفظها القرآن وصانها الإسلام، ونشرتها بين الأمم دعوة التوحيد حتى صارت اللغة الشريفة واللسان الكريم لكل الأمة الإسلامية على امتداد رفعتها واتساع ديارها ولولا مؤامرة الاستعمار الإنجليزي في الهند والفرنسي في أفريقيا والهولندي في إندونيسيا لما وجد مع العربية في شبه القارة الهندية والشرق الأقصى ومعظم أفريقيا لغة أخرى تضارعها انتشارًا وتفوقها تمكنًا على الألسن وفي النفوس..

الخامس: وحدة الآمال والآلام التي تجعل من المسلمين أمة واحدة يحس الواحد منهم بإحساس الآخر في السراء والضراء، فوطدها الإسلام على أُسس من المفاهيم النيرة والمشاعر الخيرة التي جعلت الأمة المسلمة عبر عصور الوحدة والازدهار كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وصنعت للعقيدة الواحدة والأمة الواحدة جيشًا واحدًا يقاتل في سبيل الله لا تتعدد غاياته ولا تكثر مطامعه كأنه البنيان المرصوص﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ (الصف:4).

ولو استعرضنا مجال الآمال والآلام عبر تاريخنا الطويل لما وجدنا المشاركة الوجدانية الخالصة والوحدة العملية الحقة إلا في مواقع بدر واليرموك والقادسية وحطين وعين جالوت وغيرها من مواقع العطاء والبناء تتجه إلى الله وتمد يد الخلاص للإنسان المعذب في كل بقاع الأرض، تحرك فيه نظرته الخيرة وتستثير فيه إنسانيته

والسادس: وحدة القيم والمُثل والتقاليد والعادات وهو أمر لا سبيل إلى إنكاره في أمة توحدت عقيدتها ولسانها وفكرها وثقافتها وآمالها وآلامها.. أن يقوم بينها وحدة في القيم والمُثل والتقاليد والعادات.. ومن هنا يدرك المطلعون على حياة شعوب الأمة المسلمة كيف ذابت عادات الجاهلية في ديار العرب وتلاشت عادات الوثنية في شبه القارة الهندية والملايو وإندونيسيا والفلبين وإفريقيا وغيرها بمجرد أن آمنت شعوب تلك البلاد بالإسلام الذي ينشر بينهم مفاهيم صلة الرحم وحق الجار والحشمة والوقار ونبذ المنكرات وأكل الطيبات ويعلمهم أعراف الأسرة وآداب المعاملات وما إلى ذلك، حتى إنك لا تشعر بغربة أو تنافر حين يضمك جمع من المسلمين الواعين ولو كانوا من أقطار شتى لأن الإسلام وحد قيمهم وتقاليدهم وِفق أحكام القرآن ومفاهيم السُنة.

لقد شكا لي من أعرفه: بأنه سافر يومًا إلى بلد أهله مسلمون متدينون فأحس نحوهم بعاطفة طيبة، ولكنه مع ذلك أحس بغربة بينهم.. 

قلت له: طبيعي أن يحس إنجليزي بغربة بين هؤلاء المؤمنين

قال: ويحك ولكني عربي مسلم؟

قلت: لا تعجل.. ألم تعش فترة من عمرك في بلاد الإنجليز؟

قال: بلى

قلت: ألم تأكل مما يأكلون وتشرب مما يشربون وتلبس مما يلبسون؟

قال: هكذا فرضت علي الحياة.. 

ولم أعلق على تبريره ولكني سألته: ألم تحمل الفكر والثقافة التي يحملون؟

قال: بلى

قلت: وهل تصوم رمضان.. وتؤدي الصلاة؟ 

قال: وقد أخذته العِزة بالإثم شأن المنهزمين الذين يجادلون: هذه أمور شخصية تقوم على العلاقة بين الفرد وربه!

قلت: فما بقي من إسلامك وقد هجرت دينك وتخليت عن قيمك وصببت نفسك في قالب من عادات الغرب وتقاليدهم؟

وتريد ألا تشعر بغربة بين قوم مؤمنين يقيمون الصلاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر! إن شعورك نحو القوم المسلمين الذين زرتهم بعاطفة طيبة كما ذكرت مرده إلى فطرتك الأصيلة ونشأتك الأولى وشعورك بالغربة بينهم مرده إلى الدخيل من العادات والمستورد من القيم والتقاليد التي استقرت في نفسك وجرت في دمك وصارت جزءًا من حياتك اليومية وأسلوبك المعاشي الوافد

 

وبعد.. فأية أمة تقوم وحدتها على مثل هذه الدعائم المتينة والأسس الراسخة ولا تكون أمة قائدة رائدة تتسلم زمام القيادة الفكرية والسياسية وتؤدي دورًا حضاريًّا واضح المعالم في جنبات الكون وفي مجالات الحياة الإنسانية كافة؟

ومن الواضح الذي لا يغيب عن القلب البصير والعقل المستنير الدعوة المبثوثة في ثنايا القرآن المؤمنين باعتبارهم أمة واحدة وجماعة متكاملة متماسكة، لا مجموعة من الأفراد لا يربطهم رباط ولا يؤلف بين قلوبهم ميثاق

إن المتتبع لآيات الكتاب يجدها جميعًا ودون استثناء قد وردت بصيغة الجمع لا المفرد، وهذه الأمة لا طبقة فيها دون طبقة أو فئة من الناس دون الأخرى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ (التحريم: 6

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: ١٨٣). 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  (الصف: 10-11).

وهكذا يمضي الخطاب في الكتاب على هذا النسق في مخاطبة الأمة لا الأفراد في شتى مجالات النشاط التي تشمل السلوك والعبادة والقيادة ليقرر وحدة الأمة وتماسكها في الهدف والسلوك والعمل.. ومن هنا كان النداء الذي يحرك في المسلمين- لو وعوا کتابهم- كل التطلعات النفسية والخطوات العملية لتحقيق الوحدة التي تحفظ كيانهم وتصون وجودهم وتصنع أمجادهم وترفع مكانتهم بين الناس

﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (الأنبياء: 92)

ومن هنا كان الإصرار والتحديد الذي بيّنه رب العزة ردًّا على كل المزاعم والأباطيل بأن أية وحدة لا يضع الرحمن أسسها ولا يبارك خطواتها ولا يوثق رباطها وحدة زائلة لا محالة، منهارة قبل أن تقوم لها قائمة ولو اتفق من أجلها وعلى طريقها المعوج كل ثروات الأرض.

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (الأنفال: 63)

 

 طه حسين يعود إلى الحق

ولعل هذا المعنى القويم والمفهوم السليم هو الذي عاد إليه الدكتور طه حسين بعد أن بدأ حياته متمردًا على الدين ليعرف طريقه إلى الشهرة والمجد على صفحات صحف كان يصدرها الغرب في مصر بحروف عربية مهمتها نشر الفساد والإلحاد.. لعل هذا المفهوم من الوحدة الإسلامية المتينة الذي بينته الآية هو الذي عناه عميد الأدب العربي في کتاب له صدر قبل رحيله بسنوات قليلة حيث يتحدث حديث مفكر متزن وحكيم مجرب مل الشهرة وسخر من الغرور الذي وقع فيه من بعده آخرون- قبل أن يعرفوا الطريق إلى الله- ثم عادوا عن ذلك بعد أن عرفوا الطريق إلى الله:

وإذا كانت هناك الآن وحدة إسلامية عامة أو شيء يشبه هذه الوحدة فبفضل القرآن وجدت وبفضل القرآن ستبقى مهما تختلف الظروف وتدلهم الخطوب. وإذا كانت هناك وحدة يحاول العرب أن يعودوا إليها ويقيموا عليهم أمرهم في الحياة الجديدة كما قامت عليها حياتهم القديمة. فالقرآن هو أساس هذه الوحدة الجديدة كما كان أساسًا للوحدة القديمة» «مرآة الإسلام لطه حسين». 

أليست هذه الوحدة هي التي قال فيها الرسول- صلوات الله عليه: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» متفق عليه.

أليست هذه الوحدة هي التي أشار إليها النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- في صورة مشرفة لتحمل المسؤولية والمشاركة في البِر والتقوى والوقوف في وجه كل ممزق للشمل مفرق للجماعة مدمر لمجهودها الباني وعملها المبرور ومسؤوليتها المتماسكة.

«مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا» رواه البخاري.

أليست هذه الوحدة هي التي حركت في المعتصم نخوته وسیرت جيشه بعقيدة المؤمنين ومروءة المجاهدين الذين لا يقبلون لامرأة تدين دين الحق من أبناء الأمة الواحدة أن تذوق الهوان ولو كانت بعيدة عن مستقر الخلافة في أقصى المعمورة؟ أليست هذه الأسس هي التي قال من منطلقها عمر: لو عثرت بغلة في العراق لكنت مسؤولًا عنها بين يدي الله يوم القيامة؟

أليست هذه المرتكزات «الوحدوية» الأصيلة هي التي كانت تجمع الأبيض والأسود والأحمر في جيش «عقائدي» واحد قبل أن يعبث «المنهزمون» مفهوم «العقائد» ويلوث «المضبوعون» كل مبادئ الأرض؟

أليست هذه الوحدة هي التي حققها الجادون الذين لا يعرفون عبثًا.. أولئك الذين استجابوا لقول الله- جل وعلا:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (آل عمران: 103).

ولكي تكون الوحدة هادفة غير هزيلة، جادة غير عابثة، ذات رسالة لا ذات تجبر واستعلاء، تدعو الناس إلى الخير وتقيم علاقاتهم على أُسس متينة آمرة بالمعروف والعمل المبرور، ناهية عن المنكر وفاسد المنهج والثمرات فقد جاء قول الحق تبارك وتعالى:

﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران: 104)

ومن آمن بوحدة على غير هذه الأُسس من الاعتصام بحبل الله ومن أجل غير هذه الأهداف الداعية إلى الخير والبِر والرحمة تفرقت به السبل واستقر في مهانة وعذاب في الحياتين دنيا وآخرة

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105).

مغالطة مفضوحة:

ومن الطريف العجيب في دنيا العرب اليوم. وكل دنيا العرب- حين يتخلون عن الإسلام- طرائف وعجائب أن يقف فريق من المتنطعين الذين يحرفون الكلام عن موضعه ليزعموا أن «العرب» لا «المسلمين» هم المقصودون يقول الله جلت قدرته:

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (آل عمران:110).

وهم بذلك يقعون في مغالطات كثيرة بعضها يأخذ بخناق بعض: للآية تتمة لا بد أن تتلى وتثبت:

﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران:110).

فهل أصحاب حرب البسوس وداحس والغبراء وحماة ذوات الرايات من البغايا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله؟.. أم هم المؤمنون الصادقون والمجاهدون الأبرار الذين عناهم رب العِزة بأمره وأكرمهم بتوجيهه حين يقول

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا (آل عمران: 103).

أليست هذه الآية- وقد تقدمت الآية المشار إليها ببضع آيات- واضحة الدلالة تشير إلى طرازين من الخلق ونموذجين من الناس: الذين كانوا أعداء وهم العرب قبل الإسلام في ظلمات الجاهلية واحتراب القبائل واستعلاء الطغاة، والذين ألف الله بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانًا.. وهم الذين حملوا الإسلام ورفعوا لواءه وجاهدوا في الله حق جهاده؟

ولكنه بلاء الأمة في «المنهزمين» الذين لا يعرفون من الإسلام إلا «الشبهات» ولا يحسنون من العربية إلا «الرطانة» ولا يؤمنون بعقيدة غير «الضلال» يجادلون في الحق ويرفعون لواء الباطل ويغرقون يومًا بعد يوم في وحل المذلة والمهانة!.. وإذا كان العرب هم المعنيون بقول الله﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (آل عمران:110). فمن بدهي القول والفهم أن المعني به هم حملة الإسلام الداعون إلى الله.. ومع ذلك ينبري الذين لا يؤمنون بالإسلام عقيدة ولا يرتضونه نظامًا فيزعمون أن العرب في ضلالهم هم وحدهم المعنيون بالخطاب.. ألا ساء ما يحكمون

إن المسلمين في كل أقطار الأرض ليقرون للعرب بحمل رسالة الإسلام ويعترفون لهم بالأستاذية يوم حملوا تلك الرسالة ونشروها في جنبات العالم الفسيح وقدر الله للدنيا أن تؤمن على أيديهم.. بل إن المسلمين اليوم حيثما كانوا ليعجبون كيف يتخلى الشعب القائد عن مكانته ويتنحى الرواد عن مواقع الريادة وهم يدعون العرب أن يأخذوا مكانتهم الأولى في القيادة والريادة على أُسس من الهدى والعلم واليقين.

ولكن بعض «عرب اليوم» يرفضون أن يكونوا قادة أمة وحملة رسالة ويصرون إلا أن يكونوا ساسة محترفين، ومفكرين منحرفين وما على مسلمي العالم إلا أن يقبلوا خاضعين يطرقون عليهم الأبواب ويقبلون الأعتاب تقديرًا لحملة الرسالة من الأجداد ولو تخلى عنها الأحفاد وتنكروا لكل معطياتها الحضارية التي أثمرت قيمها في رحاب الإسلام أسمى وأكرم الثمرات!

 

الرابط المختصر :