العنوان المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة لـ «المجتمع»: لا بد من قيام نظام إسلامي عالمي لمواجهة النظام العالمي الجديد
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996
مشاهدات 102
نشر في العدد 1208
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 16-يوليو-1996
* حينما تتم أية انتخابات نزيهة في العالم الإسلامي، عندئذ سوف ترى الإسلام الحل المقبول والمعقول لدى الجماهير.
* «الشرق أوسطية» مصطلح استخباراتي غربي، أرخ له «جورج كريك» وهو نابع من ادعاء أن الحضارة الغربية هي مركز العالم
المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة، أحد المفكرين الذين تفتح الفكرة لهم ذراعيها.
صدر له حتى الآن مائة وسبعة كتب، ويمكننا القول إنه قد غطى ساحة الفكر الإسلامي كلها، وساهم بالقدح المعلى في رسم معالم المنهج الإسلامي في فلسفته وأصوله وتشابكاته مع قضايا الواقع وطموحات المستقبل.
وهو واحد من أشهر المناظرين على الساحة الآن، ولا يستطيع علماني -أيًا كان- أن يواجهه في أية قضية، فالنتيجة معروفة مقدما، ذلك لأنه يتميز بقدرة فذة على مخاطبة عقول الفرقاء، بالحجة والدليل، كما يملك الرؤية المستقبلية الواضحة المعالم وسط هذا التشابك المربك على الساحة الإسلامية.
ونظرًا للمخادعات والمناورات التي بدأت تملأ الساحة أخيرًا، كالتنوير، والشرق أوسطية، وغيرها، وبدأت عمليات «السحب»، و«المسخ» لتاريخنا على طريقة الإسقاط الذي يمارسه البعض بلصوصية عجيبة، ولغير هذا من القضايا الملحة كان لنا معه هذا اللقاء،
* الحملات المحمومة الآن لعمليات علمنة الإسلام، ما حقيقتها؟ وما غايتها؟ وإلى أي مدى يمكن أن تلعب دورها في التشويه الفكري للأجيال فيما بعد؟
نعم هي حملات محمومة، بل ومأجورة، فخيط العمالة والخيانة واضح جدًّا بين كل عمليات العلمنة، وبين الخيانة العظمى للأمة.
غاية هؤلاء هو هدم ونزع القداسة عن الدين والنظر إليه باعتباره شانًا فرديًا وأمرًا خاصًا، ونفي المرجعية عنه، والقول بتاريخية النص المقدس، أو بعبارة أوضح جعل الإسلام «نصرانية غربية».
وإليك الحقائق التالية:
عام ۱۹۲۳م عقدت معاهدة «لوزان» بين تركيا والحلفاء، وهي المعاهدة التي مكنت وضع تركيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وكانت عمليات التسوية قد تمت بين الدول الاستعمارية لنهش التركة الإسلامية من دولة الخلافة، وذلك في عام ۱۹۱٦م بمقتضى اتفاقية «سايكس بيكو».
وفي هذا الجو الأسود خرج بلفور بوعده المشؤوم لإنشاء وطن قومي لليهود عام ۱۹۱۷م، وبعد لوزان بعام أي في عام ١٩٢٤م سقطت دولة الخلافة، وطوي رمز الجامعة الإسلامية لأول مرة في تاريخ المسلمين.
وصحيح أن دولة الخلافة كان بها من الأمراض ما لا ينكره أحد، لكن «إزالة الرمز» وتحطيم الوعاء كان كارثة عظمى بكل المقاييس. وكان مطلوبًا بعد إلغاء الخلافة عام ١٩٢٤م فك الارتباط بين الدين والدولة، وبين «الحكومة» و«الشريعة»، وكان مطلوبًا استدعاء بعض الأُجراء ليلعبوا هذا الدور ويطعنوا أمتهم من الخلف.
نحن نملك أسس النهضة ونملك البرامج الإسلامية للخلاص ولا بد من الصعود والهبوط في خط سير الحضارات
وعلى الفور خرج كتاب على عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» عام ١٩٢٥م، والذي يحاول فيه إثبات أن الإسلام مجرد رسالة روحية لا علاقة لها ببناء الدولة أو نظام الحكم، ثم في العام التالي مباشرة أي عام ١٩٢٦م أصدر طه حسين «في الشعر الجاهلي»، محاولًا نزع «القدسية» عن القرآن الكريم، وتعامل معه كما يتعامل الباحث الملتزم بالشك الديكارتي مع «نص بشري»، ثم تبعه بكتاب «مستقبل الثقافة في مصر»، وإن كان كل منهما قد رجع عن أرائه فيما بعد -وهذا مجال يطول شرحه- إلا أن المقصود أن علمنة الإسلام قد بدأت تنمو في معطف استعماري غربي صليبي حاقد، وما محاولات الجيل الأول من هؤلاء العلمانيين من أمثال سلامة موسى وأحمد لطفي السيد، ومدارس «المقطم»، و«الهلال»، و«الأهرام»، والمقتطف، ثم مرورًا بحقبة «مركسة»، الإسلام ومحاولات حسين مروة والطيب تزيني، ومحمود إسماعيل، ومحمد خلف الله ومحمود أمين العالم وغيرهم.
ثم أخيرًا المحاولات الاستخباراتية الفجة المأجورة بما يسمى العلمانيون الجدد، وهم الآن «يتترسون» في بعض الجيوب الثقافية كهيئة الكتاب ووزارة الثقافة، ومجموعات «إبداع» و«القاهرة»، وغيرها.
ولقد تلقف الغرب الليبرالي والحكومات التابعة له هذه الفلول الماركسية -بعد السقوط المزري لمشروعها- فهذه الفلول قد غدت «مؤتمنة»، بعد سقوط مشروعها كحال «الطواشي والخصيان» في سراي الحكم.
ولم يبق من مشروعها البائد إلا الفكر المادي الذي يمكن توظيفه ضد الإسلام ومشروعه في النهضة والتغيير، وهكذا «وظف» الماركسيون. و«وظفت» ماركسيتهم وماديتهم وتجربتهم في الجدل، وعمق عدائهم للدين، وُظف كل ذلك في المواجهة التي يصعدها الغرب الليبرالي والحكومات التابعة له ضد الإسلام واليقظة الإسلامية المعاصرة، ولكن لا مجال للتخوف، فهذه كلها أدوار مفضوحة، وفاشلة.
التراجع الحضاري، من أين وإلى أين؟
التراجع الحضاري المخيف في مقدرات أمتنا الإسلامية متى وأين بدأ؟ وإلى أين في ظل التسارع الحضاري الرهيب؟
لقد بدأ هذا التراجع يظهر جليًا مع الحملات الصليبية الغربية بما حملته معها من المحق الحضاري للآخرين، ومن قبل ذلك بدأ يتسلل إلى فكرنا ذلك الوافد «الغنوصي الباطني»، الذي يبغي إزاحة فكرية الأمة من الميدان، لكن الأمة في ذلك الحين لم تكن في مرحلة الاستضعاف أو التردي الذي نحياه الآن، ومن ثم كانت تملك مرجعيتها، ولديها عافية التمييز الحضاري وتملك حق الخيار والموازنة.
ثم جاءنا الوافد الغربي الذي نعايشه منذ قرنين من الزمان، في ركاب الغزوات الاستعمارية، بما تملكه من آلة عسكرية جبارة، وما تتغياه من تأييد وتأبيد النهب الاقتصادي، والسلب الحضاري والفكري ومن أسف أنها جاءت إلى عالمنا الإسلامي إبان حقبة التراجع والاستضعاف التي كرستها عسكرة الدولة في حقبة المماليك وعصور الدويلات، فغمت في العيون كل عوامل الاختيار والانتقاء، وبدأت مرحلة الهزيمة الفكرية، وخرجت علينا «المسوخ»، والذبول الفكرية من أصحاب مدارس «التفرنج»، و«الانسلاخ»، و«العلمنة»، و«المركسة»، من المهزومين والعملاء والخونة لدينهم وأمتهم وحضارتهم.
ولكن رحمة الله قد أسعفت هذه الأمة بظهور مدرسة الإحياء والتجديد، التي ردت الأمة إلى ذاتها، ونفخت فيها من روح الإسلام وبصيرتها بأبعاد المأزق الذي وقعت فيه، وساعدتها على الإفاقة من هذا الرقاد الطويل، وأصبح الآن أن «الإسلام هو الحل » المعقول والمقبول من الأمة، وأنه المعوّل الأساسي للنهوض الحي الذي يبوئها مكانتها الطبيعية بين الأمم والحضارات.
* لكن الصوت العلماني في هذه الأيام قد ارتفع بشدة، بل وسلمت له كل المقاليد الفكرية والثقافية تقريبًا، وعلى مستويات التربية والتعليم والإعلام والتثقيف، بل وحتى على مستوى الدعوة الإسلامية ذاتها؟
نعم، كل هذا صحيح وهم -أي العلمانيون- يرفعون شعارهم واضحًا تحت عنوان «المواجهة»، ولكن هذا الفزع العلماني ما كان ليوجد لولا أن هناك إحياء إسلاميًا على كافة المستويات، يتم بعمق واضطراد والعقبى له إن شاء الله، وأنا أتحدى أن تجرى أية انتخابات شبه نزيهة في أي قطاع من قطاعات الشعب عندئذ ستجد الخيار الإسلامي هو الخيار الوحيد أمام الشعوب مهما كانت عوامل التعمية، وحجب الحقيقة.
نعم، كل هذه عراقيل، فقد عبثوا بالمناهج الدراسية، والمقدرات الفكرية والرسالة الإعلامية والسياسية، لكن هذا كله قد أتى بعد أن أشرقت فكرة الإحياء، ومن هنا فإن هذا الخداع المفاهيمي، من التنوير والتبوير وخلافه، لن يعوق مشروع النهضة الإسلامية أبدًا، مهما كانت عوامل التعطيل والإعاقة.
وهم الآن لا يعرفون ماذا يصنعون..
لقد انعقد مؤتمر القاهرة الدولي للكتاب سنة ۱۹۹۰ تحت شعار «مائة عام من التنوير» واحتفلوا بمرور مائة عام على صدور مجلة «الهلال» تحت عنوان «مائة عام من التنوير».
وأصدرت وزارة الثقافة هذه السلسلة الشائهة في حوالي مائة كتاب تحت عنوان «المواجهة-التنوير»، ويريدون أن يستغلوا العام القادم بمرور مائتي عام على الحملة الفرنسية على مصر عام ۱۷۹۸م بزيادة مائة عام عما سبق، كل هذا من عوامل الإذكاء للصحوة الإسلامية، وبعد أن كانوا يتبجحون بذلك منذ خمس سنوات، أصبحوا ينسحبون أمامنا من كل ساحات المواجهة والحوار، ولجئوا أخيرًا إلى «التحريض» و«الدسائس». وهذا سلاح الفاشلين، فالأمة قد بدأت ترتيب بيتها الحضاري ولن تعود ثانية إلى الوراء، حتى إن صراحة ووضوح العدوان من «الآخر الثقافي» تستدعي في أمتنا كل عوامل «الرشد»، و«الحصانة» الحضارية لصياغة هذه الأمة من جديد.
* البعض يكاد يستولي عليه اليأس من هذا التطويق والتضييق على العمل الإسلامي، في ظل تعاون عالمي على إلصاق صفة الإرهاب به - وهو منها براء - فما هي رؤيتكم وبماذا تنصحون؟
هذا الإكراه الاستخباراتي العالمي المقصود منه هو عين ما أشرت إليه من استيلاء عوامل اليأس والقنوط على العاملين للإسلام وأبدأ ذلك لم ولن يكون. فهي إحدى مراحل التمحيص والابتلاء. فتدرج هذه المصطلحات من التطرف إلى الإرهاب ومن قبل كان «التشدد»، ما هي إلا دليل على تنامي العمل الإسلامي. وقد قرأت في العام الماضي ما نشرته جريدة «هاتسوفيه» الإسرائيلية في 1995/5/22م تحت عنوان «لماذا سورية؟»، تقول الجريدة بعد استعراض قوة سورية العسكرية بالتفصيل: «إلا أننا نحتاج إلى سورية من الداخل، كي يمكننا مواجهة الأصولية الإسلامية، والتصدي لها داخل سورية، إننا لا نحتاج إلى سورية لكي نعقد معها سلامًا لمجرد السلام، ولكننا في حاجة إليها لكي نمنع سقوط الشرق الأوسط في أحضان الأصولية الإسلامية».
وقريب من ذلك تصريحات وأعمال حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية خاصة بعد حرب الخليج عام ۱۹۹۰م. ولكن هذا النظام العالمي الجديد، لابد أن يقابله نظام إسلامي عالمي جديد يستفيد من المتغيرات الجارية على الساحة العالمية وما أكثرها، ثم استبدال هذا اليأس بالصبر وهو أوسع وأرجى.
تنمية «الدولة»، وتقليص «الأمة»:
* هناك البعض من المثقفين أيضًا يتباكون على مشروع محمد علي باشا الذي ظهر مع بدايات القرن التاسع عشر الميلادي، كنموذج للتحديث والاستقلال والنهضة، وبناء الدولة الحديثة بمصر، ذات القوة والخصوصية والمشروع النهضوي المتميز، ما رأيكم؟
نعم، كان مشروع محمد علي باشا مشروعًا تجديديًا كبيرًا، لكن يؤخذ عليه أوَّل ما يؤخذ أنه قد حذا فيه حذو الدول الغربية الحديثة وأنه استعان فيه بالخبراء الفرنسيين- خاصة أتباع سان سيمون- والَّذين أصبح أتباعهم يمثلون سرطانًا خبيثًا في سدة الحكم حتى يومنا هذا.
- مشروع «محمد علي» بمصر.. هو مشروع تغريبي لإضعاف الدولة الإسلامية آنذاك.. وتقليص دور الإسلام في البناء الحضاري للأمة.
ثم إن هذه التجربة التي قام بها محمد علي في التحديث والتجديد لها سلبياتها القاتلة في عدم التوازن بين الأمة الشعب، والدولة «النظام»، فقد قام محمد علي وخلفاؤه بالتقليص الذي يصل إلى حد الإلغاء لدور الأمة الشعب والتعظيم والتضخيم الدور الدولة، «النظام»، وقد أحدث هذا خللًا كبيرًا وخطيرًا، فبعد أن كان علماء الشرع ومعهم قادة التنظيمات والروابط والنقابات الحرفية، هم ممثلو الأمة، وأولو أمرها.. وهم ملجؤها في الشدائد وقادتها في الثورات.. أو بمعنى أوضح هم السلطة الحقيقية في الرضى والغضب، والعزل والتولية للأمراء والولاة.. شرع محمد علي في إحلال الدولة، محل هذه القيادات الشعبية الفاعلة، ثم اعتدى على الأوقاف الإسلامية عدوانا أثيمًا.. حيث استولى على أراضي الأوقاف الخيرية والتي كانت تبلغ في ذلك الحين ٦٠ ألف فدان أي أكثر من خمس الأراضي المصرية في ذلك الوقت.. وعندما اعترض العلماء على ذلك وما سوف يسببه هذا العمل الجائر من خراب المساجد، قال محمد علي: إنه هو الذي سيتولى الإنفاق على المساجد.. وكان هذا مقدمة لما نسميه تأميم المساجد، وهو ما نعاني منه الآن.. حيث فتحت هذه التصرفات في فتح باب سيطرة الدولة على الفكر الديني، وقام بإفقاده الاستقلال الذي وقفت خلفه ومولته الأمة من خلال مؤسسة الأوقاف الخيرية.
والرجل ومشروعه.. كما قال الإمام محمد عبده رحمه الله: «كان تاجرًا زارعًا، وجنديًا باسلًا، ومستبدًا ماهرًا.. لكنه كان لمصر قاهرًا.. ولحياتها الحقيقية معدمًا».
وبالتالي فإن مشروع محمد علي كان يعاني من أزمة هيكلة.. وأزمة ثقة .. لكنه مع ذلك كان يتميز بقدر كبير من الطموح.
* وكيف يمكن تعظيم دور الأمة، في مقابلة دور الدولة في المشروع الحضاري الإسلامي المنشود؟
مع سيطرة دول العسكر، التي حكمت في كثير من بلاد الإسلام، في النصف الثاني من القرن العشرين قد شددت من قبضة الدولة على كل شيء... بل أصبحت تقف في مواجهة الأمة.. ولكن يجب أن يزداد إلحاحنا على دور المؤسسات الأهلية والطوعية والشعبية.. والتركيز على أسس النهوض والبعث الحضاري عبر ميادين الدعوة والإغاثة والفكر والعلم والجهاد والتعليم ومنابر الفكر والثقافة والإعلام والآداب والفنون وإشاعة كل أجواء العدل الاجتماعي، وإحياء مفاهيم الإسلام الخاصة بالجماعة والحريات والضبط الاجتماعي... هذه هي روافد البعث الحضاري.. وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح، لأن الأمة هي صانعة الحضارة.. ولا تستطيع عصا الحاكم أن توقف هذه الصناعة أبدًا.
* والثقافة الشرق أوسطية.. ما رأيكم بها وخاصة في ظل الثنائية المحزنة بين عمل الآلة الإعلامية الجبارة للآخر الثقافي وبين أزمتنا الثقافية الداخلية؟
أولًا: نحن لا نعاني من أزمة ثقافية بهذه الحدة، ولا بهذا الشكل.. فإن خيوط التبعية الفكرية منذ ألقى نابليون بونابرت بخيوطها إلى المعلم يعقوب، وتلاميذه من بعده، وهم يمثلون تيار العمالة الحضارية ويدعون إلى استقلال مصر عن هويتها ومرجعيتها الإسلامية.. بل والمنطقة بأسرها.. هذا التيار الذي تمثل في عملاء نابليون.. وعملاء الإنجليز.. ومدارس «الأهرام» و«المقتطف» و«الهلال» و«الكاتب المصري»، من أمثال سليم تقلا وفارس نمر، ويعقوب صروف، وجورجي زيدان وشاهين مكاريوس، وشبلي شميل، وغيرهم، ومن قبل إتباع سان سيمون والمدرسة المعادية للمرجعية الدينية أيام محمد علي.. وبعد ذلك مدرسة طه حسين، وسلامة موسى، وعلي عبد الرازق، ثم المعاصرون من أمثال عصفور والعشماوي، وأبو زيد وغالي شكري، وأبناء لويس عوض.. هذا الطابور الخامس، حكم التاريخ والعقل بهزيمته وانحازت الأمة إلى الخيار الإسلامي في الإصلاح والتجديد الذي مثله الطهطاوي، والأفغاني ومحمد عبده، ورشيد رضا، وحسن البناء الذي أستدعى الأمة معه إلى ميدان الدفاع عن الإسلام، وعن مشروع النهضة والتغيير، فأنتقل الخيار الإسلامي من الصفوة إلى الأمة.. والآن.. هذا هو الخيار الوحيد للأمة، وعلى كل المستويات والمتمثل في أن الإسلام هو الحل.
وثانياً: ليس هناك ثقافة شرق أوسطية، فمصطلح الشرق الأوسط، هو مصطلح جغرافي، وليس مصطلحًا فكريًا يمكن أن يمثل هوية أو ثقافة ما.. وهو مصطلح استعماري، نشأ في منتصف الأربعينيات على يد المخابرات الإنجليزية وكانت هناك محاضرات تلقى على ضباط المخابرات البريطانية الذين يعملون في منطقة الشرق الأوسط، ثم جمعت هذه المحاضرات الاستخباراتية تحت عنوان موجز تاريخ الشرق الأوسط، وصاحبه أسمه جورج كيرك... ويؤكد استعمارية هذا المصطلح أنه نابع من دعوى الحضارة الغربية أنها هي المركز للعالم.. قسموا بلادنا بحسب موقع بلادنا من هذا المركز الأوروبي، فهناك الشرق الأدنى والشرق الأقصى، والشرق الأوسط بالنسبة لأوروبا، والجغرافيا ليست لها هوية.. إنها مساحة من الأرض ذات تضاريس طبيعية.
أما الهوية الثقافية، فإنها تنبع من العقائد والمذاهب والفلسفات، فهناك ثقافة إسلامية منبعها العقيدة الإسلامية، وهناك ثقافة عربية تكتب باللغة واللسان العربي، وهناك ثقافات إيطالية وفرنسية وانجليزية.. وهكذا...
بل إنني أرى أن مشروع الشرق أوسطية مطلوب به تفريغ المنطقة من الهوية المتميزة بالإسلام، ومن الثقافة الإسلامية.. ومن اللسان العربي المبين.. ومن المرجعية الإسلامية العليا..
فليس هناك أبدًا ثقافة "شرق أوسطية"، ولكن لنسمي الأشياء بمسمياتها، هناك مشروعات صهيونية وتغريبية، وهناك عمالات وعمولات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل