العنوان لا بد من أسس علمية ومعايير موضوعية للحكم على الأشخاص
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1997
مشاهدات 68
نشر في العدد 1277
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 25-نوفمبر-1997
هل هناك أسس علمية ومعايير موضوعية نحكم بها على الأشخاص، أم أن الحكم عليهم متروك للانطباعات الشخصية، ومدى الصلة التي تربطهم بغيرهم؟
إن الأسس العلمية والمعايير الموضوعية التي توضع لاختيار الأشخاص غالبًا ما تؤدي إلى وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فيكون مردود فعله على الدعوة والحركة جيدًا، أو على الأقل مقبولًا يخلو من القصور ويبرأ من الأغراض، بخلاف ما إذا تم اختيار الأشخاص بناء على الانطباعات الذاتية، فإنها كثيرًا ما تصيب الدعوة والحركة بالفتور الذي قد يصل في بعض الفترات إلى الجمود ومن هنا تأتي خطورة التمسك بالانطباعات في اختيار الشخصيات ومعرفة أقدار الرجال والانتفاع بهم ودفعهم لتحمل المسؤولية شيئًا فشيئًا.
وهذا ما دأبت عليه الحركة الإسلامية في معظم أوقاتها فقد كانت تحاول جاهدة - أن تستفيد بكل الطاقات المتاحة فأتاحت لكل فرد أن يبذل فيها ولها ما يستطيع دون فرض من أحد أو إلزام اللهم إلا شعوره بواجبه نحو دينه ونحو دعوته، وهذا ليس جديدًا على الدعوة، فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبذلون للدعوة كل بقدر استطاعته، فمنهم من كان يتصدق بماله كله، ومنهم من كان يتصدق ببعضه، وإن كان قليلًا، والمهم أن الدعوة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم استفادت من كل الجهود التي كان يبذلها كل فرد بقدر استطاعته، وكان ذلك بناء على معرفة تامة بأقدار الرجال ومدى إمكاناتهم، ووضع كل واحد في مكانه المناسب، فمنهم من يندب لقيادة الجيوش، ومنهم من يندب لجمع الصدقات ومنهم من يندب لكتابة الوحي، ومنهم......ومنهم.....
ولم يكن ينظر لأحدهم بناء على خطأ صدر منه فيما سبق، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم له حين أخطأ حاطب ابن أبي بلتعة، فأرسل كتابًا لأهل مكة يبلغهم فيه بخبر «الفتح» الذي يُعد له الرسول صلى الله عليه وسلم، وجيء بالصحابي حاطب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الصحابة يتميزون غيظًا من فعلته حتى طلب عمر السماح له بضرب عنقه، ووصفه بالنفاق ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عفا عنه بعد أن أعلن الصحابي سبب فعلته وحسن نيته، وإن كان قد أخطأ التصرف نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سابق جهاده، وحسن بلائه في الدعوة، وقال:
«لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
فكان جهاده الماضي بلسمًا يُمسح به جرح اليوم فيبرأ ويزول كل أثر لهذا الخطأ، رغم عظمته وكبير ضرره بالإسلام والمسلمين لو نجح.
وهكذا ينبغي على الحركة ألا تقف - عند الحكم على الأشخاص - عند بعض الأوقات فلا ينبغي تركيز النظر على بعض الأخطاء لدى الأشخاص في الحاضر، بل قد يكون من جهاد الماضي وتحمل المشاق فيه، ما يغطي على أخطاء اليوم ما لم يكن هناك إصرار عليها، وقد يكون في جهاد اليوم وتحمل أعباء الدعوة والحركة ما يغطي على أخطاء سابقة وقع فيها بعض الناس.
فالحكم على الأشخاص لا ينبغي النظر إليه في مرحلة واحدة - حاضرة كانت أم ماضية - بل ينبغي النظر إليه في ضوء مراحل العمر المختلفة ومدى قدرتها على العمل من أجل الدعوة.
مع إدراك أن الناس بشر يخطئون «وخير الخطائين التوابون»، فمن أخطأ خطأ ثم تاب تجاوزنا -عند الحكم عليه- عن خطئه، وراعينا عمله وجهده وأقلنا عثرته ومددنا له يدًا ليكون لنا عونًا، وليكون لنا سندًا، من غير أن يؤثر ذلك في حكمنا عليه.
لقد نظر بعض أهل المدينة إلى الجيش العائد من مؤتة على أنهم فرار، فروا من المعركة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إليهم على أنهم كرار إن شاء الله، فلم يؤثر ذلك الانسحاب من المعركة في حقيقة الحكم عليهم، ولم يمنعهم أحد بعد ذلك من المشاركة في القتال، ولم يقف هذا الانسحاب بقيادة خالد بن الوليد حائلًا دون أن يظل خالد قائدًا لجيوش المسلمين فترة ليست بالقصيرة في عمر الفتوح والفاتحين.
فأين نحن من هذه الأسس والمفاهيم؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل