العنوان لا حكيم إلا ذو تجربة
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1986
مشاهدات 53
نشر في العدد 772
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 24-يونيو-1986
الحكم فضل وإيتاء من الله- عز وجل- الذي ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾(البقرة:269)، وثمرة من ثمرات التجربة والمعاناة والتعلم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة» رواه البخاري في الأدب المفرد، وهي ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها، وهي نوع من العلم قل طالبوه في هذا الزمان، وشحت سلعته الغالية، فكان من حازه بين الناس محسودًا «لا حسد إلا في اثنتين.. ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها».. البخاري.
فهل لنا أن نستفيدها بالتعلم، ونعطيها كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه».. حسن.
وأن يتحلى دعاة الإسلام بالطيب من القول، والمحمود من الفعال بالقول، فبعض الدعاة وفقهم الله إلى الخير.. من دافع الحرص على الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يعتسفون الطريق، ولا يراعون التدرج والحكم في الدعوة وتعليم العلم لمن هم في أول الطريق، فتشحن أذهانهم بكبار المسائل، وأحاديث الصفات، وقضايا خلافية ينافح الناشئ عنها من دون فقه بأوليات العبادات، فضلًا عن الفقه أو الفتيا بمثل هذه المسائل الكبار، فالداعية الموفق هو الذي «يربي الناس بصغار العلم قبل كباره» كما قال ابن عباس- رضي الله عنه- أو كما قال الشاطبي في الموافقات 4/189، «من هذا يعلم أن ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة ومما يفيد علمًا بالأحكام بل، ذلك ينقسم:
فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص؛ فإنه وإن كان حقًا فقد يثير فتنة.. فيكون من تلك الجهة ممنوعًا بثه، ومن ذلك علم المتشابهات والكلام فيها، فإن الله ذم من اتبعها، فإذا ذكرت وعرضت للكلام فيها، فربما أدى ذلك إلى ما هو مستغنى عنه، وقد جاء في الحديث عن علي: «حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله»...
ومنه ألا يذكر للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهي، بل يربى بصغار العلم قبل كباره، وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها وإن كانت صحيحة في نظر الفقه، ومن ذلك سؤال العوام عن علل مسائل الفقه وحكم التشريعات، وإن كان لها علل صحيحة وحكم مستقيم، ولذلك أنكرت عائشة على من قالت: لِمَ تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ وقالت لها: أحرورية أنت؟.. وقد ضرب عمر بن الخطاب ضبيعًا وشرد به لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل، وربما أوقع خبالًا وفتنة وإن كان صحيحًا، مما يدل على أنه ليس كل علم يبث وينشر وإن كان حقًا، وقد أخبر مالك عن نفسه أن عنده أحاديث وعلمًا ما تكلم فيها ولا حدث بها، وكان يكره الكلام فيما ليس تحته عمل، وأخبر عمن تقدمه أنهم كانوا يكرهون ذلك» انتهى.