العنوان لا حياد بين الإسلام والكفر
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1989
مشاهدات 139
نشر في العدد 900
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 17-يناير-1989
ليس في الاسلام انفصال بين الدين والدنيا، وليست هناك ازدواجية في عمل المسلم؛ فالدنيا كلها محرابه، وإذا توفرت النية الصالحة في العمل أصبح العمل كله صالحا، حتى عندما يتصل الرجل بزوجته جنسيًّا؛ ففي ذلك ثواب من الله، والزوجة كذلك تنال رضاء الله وثوابه، المهم أن تكون هناك النية بأنهما أنما عملا حلالا يقصدان به تحصين أنفسهما من الحرام، وأن يرزقا ذرية صالحة، تقوم بواجباتها في عبادة الله وعمارة الأرض، وحتى وجبات الطعام اليومية فيها ثواب من الله عندما يأكلها المسلم بنية التقوي على العمل في طاعة الله.
وليست العبادة محصورة في المسجد، بل هي عمل دائم مستمر في جنبات الحياة، والمسلم يتلقى جرعات روحية من الشعائر التي يؤديها في المسجد، ليكون اتصاله به لا ينقطع، وحائلا دون استحواذ الشيطان عليه، وتحكم الهوى فيه، وحتى لا يبتعد عن الله فينسى سلطانه ورقابته عليه، ويتخذ الله هواء، والهوى هو الذي يجعل الإنسان ينطلق في شهواته ونزواته؛ فالكارثة هي في اتباع الهوى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ (الفرقان: 43).
وحذر القرآن من اتباع الهوى وأشار إلى ما يترتب على ذلك من تعاسة للإنسان في دنياه وأخراه، في عدة آيات منها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ﴾ (القصص: 50) ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ﴾ (طه: 16)، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (الأعراف: 176).
فالذي يتبع هواه، ويقطع اتصاله بربه، ينفرط أمره وتضطرب شؤونه، وتتبدد آماله، ويعيش في فراغ؛ لذلك قال الله لرسوله: ﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًا﴾ (الكهف: 28) ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إِنّكَ إِذا مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 145).
واتباع الهوى هو الفساد بعينه، وكارثة ماحقة وإذا لم تكن الكلمة للحق، وإذا لم يكن الزمام بید الحق لحل الفساد في السموات والأرض ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ (المؤمنون: 71).
ويسول الهوى لبعض الناس بأنه يتصور أن في إمكانه الجمع بين الخير والشر، والحق والباطل والكفر والإيمان في حالات معينة، كأن يؤيد من يحادون الله ورسوله، ومن يعلنون فسقهم وفجورهم وكفرهم، فيمدهم ويكرمهم ويهيئ لهم الفرص لنشر مبادئهم وأفكارهم، ومع ذلك يريد الاحتفاظ بولائه للإسلام، ولا يرى مانعا أن يجمع بين هذا وذاك، ومثل هذا الموقف من تزيينات الشيطان واتباع الهوى ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (فاطر: 8) وبما أن مثل هذا الموقف يعتبر من النفاق الذي اتصف به المنافقون السابقون، حين أرادوا أن يكونوا بين بين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًا﴾ (النساء: 143).
فمن واجبنا أن نوضح لإخواننا الذين قد يخدعون بما يتصورون أنه موقف صحيح، أن نبين لهم أن هذا يعتبر في نظر الإسلام من النفاق إبراء للذمة ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور: 21).
فالذين يتنكرون للإسلام، ويعلنون الكفر في كتاباتهم وأشعارهم، إنما يحادون الله ورسوله، فيجب مقاطعتهم، وعدم التعاطف معهم، ومن باب أولى يجب عدم استضافتهم وإكرامهم، فهناك حزبان حزب الله وحزب الشيطان، وحزب الكفر وحزب الإيمان، ولا وسط بينهما ولا حياد بين الإسلام والكفر.
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: 19 – 22).
فالذين يحادون الله ورسوله يجب أن يكونوا في الأذلين، ويجب أن يكبتوا كما كبتهم الله، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (المجادلة: 5).
وإذا أيدهم المسلم أو قربهم، وأكرمهم فمعنى ذلك أنه لا يريد أن يكونوا في الأذلين، ولا أن يكبتوا، فيكون معاندًا لله، فيكون مثلهم، وقد قال الله في أمثال هؤلاء ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: 25 إلى 30).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل