; لا دخان بدون نار في أحداث الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان لا دخان بدون نار في أحداث الجزائر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1988

مشاهدات 66

نشر في العدد 887

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 18-أكتوبر-1988

إن الأدخنة المتصاعدة في مدن الجزائر الكبيرة والضحايا العديدين على الساحة الجزائرية والفوضى الإدارية والاجتماعية، والسطو المتعمد على الممتلكات الخاصة والعامة، ومفاجأة الرأي العام المحلي والعالمي لم يكن ذلك وليد صدفة أو نتيجة طبخة سريعة صنعتها أيد مجهولة، وإنما كان هذا الأمر يُدَبَّر منذ فترة ليست بالقصيرة، وكانت القيادة السياسية في البلاد تتريث وتتأتى لتُجري العملية الجراحية بعد تخدير كلِّي أو جزئي، وجاء تصريح القيادة السياسية ليعلن بصراحة مرة وصارمة؛ بأن العناصر الخبيثة المندسة في أجهزة الحكم تسعى لزرع البلبلة والفوضى والإثراء على حساب الشعب، فكان هذا التصريح علامة على رفض هذه العناصر هذا الأسلوب التصفوي لها وإدانتها علنًا أمام الجماهير، فما كان منها إلا أن بدأت تثير الاضطرابات العلنية على ساحة الجماهير بعد الفوضى الإدارية على مستوى القرارات واستفادت منها تحقيقًا للمصالح الشخصية والمآرب الذاتية ووجدت هذه الحالة الهستيرية تجاوبًا مع أطراف صراع أخرى حاولت الإذاعات والصحف الأجنبية أن تجعل من دعاة اللغة العربية والفكرة الإسلامية وراء إثارة القلاقل، كما فعلت وتفعل في بلاد أخرى لتأليب السلطة على الدعوة الإسلامية وصرف الأنظار عن صانعي الأحداث الحقيقيين خدمة للصراع ومستهدفة إدانة الطرف الإسلامي وأفكاره وتسليط الأضواء عليه لحاجة في نفسها لا تخفى على ذوي الألباب من رجال السلطة أو رجال الدعوة وصانعي الأحداث والأيادي الخفية من وراء البحر وذوي الأحقاد الصليبية الذين عز عليهم فراق الجزائر والخروج منها مدحورين.

هذا وأن خيوط إثارة الشغب منها ما هو جَلِي وواضح، ومنها ما تتحكم فيه السريَّة التامة

 والمؤامرات الدولية الخفيَّة وأن أهم صانعي الاضطرابات من حيث وجودهم في الساحة يمثلون:

1- العناصر الخبيثة على حد تعبير قيادة السلطة في الجزائر أخيرًا والموالية موالاة تامَّة للقُوى الخارجية المبثوثة في مختلف أجهزة السلطة الساعية باستمرار إلى زعزعة الاستقرار عن طريق صناعة القرارات المشبوهة والمثيرة والداعية إلى الفوضى الاجتماعية بالضرورة مما أدَّى من خلال التخطيط الفوضوي إلى فقدان المواد الغذائية الأساسية وانعدام الأدوية ودواليب العجلات، والتي أصبح الحصول عليها بشق الأنفس من خلال الأسواق السوداء وبالأسعار الخيالية التي لا تتحملها جيوب الطبقات المتوسطة والدنيا.

2- أدعياء الاشتراكية الذين لم يحسنوا قيادة السفينة، فاستولوا على أقوات الشعب وأرضه ومكتسباته وأثروا ثراء قارون.

3- أتباع الثقافة الفرنسية، والمبشرون بقيمها، والساعون لتكريسها في المجتمع الجزائري العربي المسلم.

4- دعاة تمزيق الوحدة الوطنية من غلاة البربرية الانفصالية الذين يحاولون دغدغة العنصر البربري عبر الأوتار العرقية التي تفصلهم عن الإسلام والعرب، هذا العنصر الذي ما فتئ يعلن للملأ أنه مسلم العقيدة، عربي اللسان، وأنه مؤسس حضارة إسلامية عبر التاريخ الإسلامي وهو الذي لا يرضى بغير الإسلام بديلا.

5- الرافضون للاتحاد الليبي الجزائري والداعون إلى الانفصال عن كل ما هو عربي.

6- اللاهثون وراء لقمة العيش التي أصبحت عسيرة المنال تنوء بكاهل الطبقات الفقيرة.

وهناك عناصر أخرى أحزنها ما آلت إليه سُمعة الجزائر وجهادها من تدهور في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

أما أسباب الاضطرابات المباشرة فهي: 

1- التوجه الجديد والجاد نحو اللغة العربية والثقافة الإسلامية مما أثار حفيظة المتفرنسين وعملاء القوى الخارجية بصورة عامة والذي من مظاهره:

أ- إنشاء الجامعة الإسلامية والمعاهد العليا لتخريج الإطار الديني الذي افتقدته الجزائر «التي سعت لبناء الهيكل الاقتصادي» في فترة ما سمي ببناء الهياكل الاقتصادية.

ب- إنشاء شُعَب العلوم الإسلامية في التعليم الثانوي على غِرار العلوم الأخرى.

جـ- التعريب الكامل للتعليم الابتدائي والثانوي والذي أوشك أن يكون مُعرَّبًا تمامًا في مطلع الموسم الدراسي القادم 88/ 1989.

د- صدور قرار شجاع بتمويل ثانوية ديكارت التي تضم أبناء علية القوم وكبرائهم وأبناء السلك الدبلوماسي، هذه الثانوية التي ظلت في عهد الاستقلال قلعة من قلاع الثقافة الفرنسية، ومعملًا يصنع أجيالًا ممسوخة ومنحرفة، ووكرًا يأوي إليه المتفرنسين، وحربة مرشوقة في صدر الشعب الجزائري العربي المسلم.

2- التوجه الاقتصادي الجديد والمتمثل في:

أ- استقلالية المؤسسات العامة التي كانت تعتمد على الدعم الحكومي الذي كان طوقَ نجاتِها من الانهيار هذه الاستقلالية:

- فرضت الاعتماد على النفس.

- حرمت المشرفين عليها ومُسيِّريها من وسائل الإثراء غير المشروع، وألقَى القرار عليهم تبعات إخفاق تلك المؤسسات وحملهم مسؤولية النهوض بها.

- ألغت قرارات صارمة من عهد بومدين تتعلق بالثورة الزراعية التي أفرغت السوق من المواد ورفعت الأسعار، وقل العرض واشتد الطلب، وأذلت أعناق الرجال، فكان قرار الاستقلالية مستهدفًا كشف هذه الفئة الانتفاعية من ذوي الأطماع الخاصة والإثراء الفاحش والمحرم.

ب- توزيع الأراضي على العاملين في الأرض لخروج من أزمة الثورة الزراعية والقيام باستصلاح أراضٍ جديدة والانتفاع بها ونفع الناس منها دونما اعتماد على الدعم الحكومي الذي كان يصرف منه جزء كبير على مسائر الزراعة من أموال البترول والغاز أيام عز الدولار، الأمر الذي حرم هؤلاء المسيرين وصانعي القرار في أجهزة الحكم من المكاسب الشخصية التي بلغت حد الاستيلاء على الأراضي من خلال صياغة قوانين أدت إلى إفقار الفلاح وحرمانه من فائدة عرقه وارتفاع أسعار الحاجات الأساسية للمواطن وفقدان كثير منها «غذاء ودواء وكساء» وأصبح سعر الكيلو من اللحم 20 دولار والكيلو من البطاطس 1,5 دولار والكيلو من الفلفل الحلو 3- 4 دولار وكيلو العنب 4 دولار أمَّا المريض فيضطر لشراء الدواء من السوق الموازية وبأسعار خيالية أما المضطر للعملية الجراحية فإن أهله مضطرون لشراء خيط العملية الجراحية من السوق الموازية لانعدام ذلك من المستشفيات أما سكان الريف فهم في حاجة إلى «قارورات» الغاز المنعدمة وإلى وسائل التدفئة في فصل الشتاء القارس والمازوت منعدم أو يتم الحصول عليه بعد انتظار يدوم الساعات أو الأيام.

د- انتشار البطالة في صفوف الشباب الذي تبلغ نسبته في الجزائر 70% دون الثلاثين سنة، وهو بذلك يمثل مجتمعًا فتيًّا شابًّا، وقوة يمكن أن تفعل المستحيل إذا ما أحكم توجيهها وكان من ثمرات البطالة:

- انعدام السيولة النقدية لديه.

- تَفَشِّي الفقر والحاجة في صفوف الشباب الذي يحمل الآمال وينشد المستقبل الباسم والعيش الرغيد.

- كثرة المضاربات.

- انتشار الجرائم ووسائل العنف والجنس والكحوليات والمخدرات وروح التذمُّر والرغبة في التمرُّد مما سيجعل على المشاغبين والعناصر المخرِّبة أن تستغله وتستثير عواطفه لتحريكه نحو أغراض خاصة ومصالح ذاتية، ومع هذه السلبيات والمؤامرات كلها فإن اللجوء إلى التخريب وتمزيق الوحدة الوطنية وتدمير الوطن من الداخل وزعزعة الاستقلال الذي ما جاء إلا عبر الدماء الغزار والأرواح الكثيرة والزنازين وأنواع الاضطهاد والتعذيب، فإن اللجوء لمثل هذه الأساليب مما يعطي مبرِّرًا لفرنسا وعملائها للتدخل المشكوف حماية ووصاية ومحاولة للرجوع مرة أخرى.

ولهذا فإن أنصار الكرامة الإنسانية وأنصار التعريب والثقافة الإسلامية ليشجبون عمليات التخريب والسطو، ويكشفون حقيقة المؤامرة التي تلتقي في الظلام متحالفة مع قوى الشيطان لضرب الشعب وتمزيق وحدته وتدمير مكتسباته، وإبعاده عن الخط الفكري الإسلامي ووحدته العربية وتوجهاته  نحو تحقيق الأمن والاستقرار والديمقراطية وتوفير الحاجات وزرع الطمأنينة والسير على موجة العصر الفطرية التي ترفض الاستبداد بالرأي والنظرة الواحدة للأشياء، وإن السرعة نحو الحوار السياسي والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي والعودة الصحيحة للإسلام كفيلة بأن تُقَلِّص من ظل الأحداث وتزيل أوراق الضغط من أي متآمر على الشعب الجزائري الكريم الذي يرفض الصالحون فيه أن يتحول من قتال كان بينه وبين الاستعمار الفرنسي الكافر الحاقد إلى قتال بين المجاهد وأخيه المجاهد، أو بين الجندي وأخيه الشعبي، كما يشجب الصالحون فيه محاولة وسائل الإعلام المكشوفة التي تحاول أن تُنحي باللائمة على الطرف الإسلامي الذي تكال له الضربات في بلاد كثيرة بغية إثارته، واتهامه بشتَّى النعوت المنفردة منه كما تشجب محاولة تأليب القوى الحاكمة عليه تحت دعاوَى كثيرة وبناء على ادعاءات ومزاعم لا تخفَى على الجميع وقد شاهد العالم أن جُمعة الجامعة الجزائرية 1982 كانت خالية تماتًا من مظاهر الإفساد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل