; لا قيادة من غير إقناع | مجلة المجتمع

العنوان لا قيادة من غير إقناع

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 01-يناير-2011

مشاهدات 60

نشر في العدد 1933

نشر في الصفحة 52

السبت 01-يناير-2011

كثير من الناس يعتقدون أن الإدارة الناجحة هي التي تستخدم سلطاتها لإلزام وإكراه الأفراد على تنفذ الأوامر والقرارات، ولا شك أن هذا الأسلوب هو أسلوب العاجز الضعيف.
إن المدير الناجح هو الذي يسعى لتبرير جميع قراراته وأوامره وإقناع المنفذين بأهميتها وضرورة تنفيذها ذلك لأن القناعة تؤدي إلى الحماسة والإخلاص في التنفيذ، بينما عدم الاقتناع بقضية أو قرار ما يؤدي إلى مشكلات وعوائق لا حصر لها ولذا وجب العمل على إقناع الأفراد ضمانًا لحسن العمل وجودة وإتقان التنفيذ.
الناس ليسوا آلات لا تفكر، بل هم بشر ينبغي احترام عقولهم والعمل على إقناعهم بأهمية الأمر قبل مطالبتهم بالتنفيذ ولقد أثبتت التجارب أن الأسلوب الدكتاتوري التسلطي من أفشل الأساليب القيادية، كما أنه لا يليق بكرامة البشر وكبريائهم. إن الأفراد يمجون القرارات والأوامر العسكرية التي فيها أسمع وأطع، ونفذ ثم ناقش، إذ إن الأسلوب الحضاري المناسب الصحيح هو ناقش ثم نفذ. 
كم من المقررات المصيرية اتخذت ونجحت بسبب اقتناع الأفراد بها فقدموا من أجلها التضحيات الكبيرة، ومن الأمثلة على ذلك ما روي عن هيوستن - أحد القادة الأمريكيين - حيث كان صاحب حجة، وإقناع، وكان يقف أمام الكونجرس الأمريكي ويخطب خطبًا بليغة لا يستعمل فيها كلمة مرتين، فيسحر ألباب الرجال.

وفي عام ١٨٣٠م كان قد نجح لتوه في تسكين ثائرة الهنود الحمر، وجلبهم إلى توقيع إتفاقية مع الحكومة، فإستدعاه الرئيس الأمريكي آنذاك وقال له: إن تكساس تتبع المكسيك، ومستقبل أمريكا متعلق بها، ولا بد من ضمها إلى الولايات المتحدة وأريدها منك، فقال هيوستن: نعم، أنا لها زودني بمال ورجال، فقال الرئيس لوكان عندي مال ورجال ما دعوتك، بل تذهب منفردًا وبلا دولار واحد، وأبعث معك حارسًا حتى تعبر نهر المسيسبي ثم يعود. 
قبل هيوستن المهمة، وودعه الحارس على ضفة النهر، واندفع هيوستن نحو تكساس، فلما دخل أول مدينة بها فتح له مكتبًا للمحاماة، فكان المدعي في المحكمة يخرج متهمًا، والمتهم بريئًا لبلاغته وقوة لسانه، حتى إنبهر به الناس فلاذوا به فتلاعب بمفاهيمهم وأخيلتهم وغرس فيهم معنى ضرورة الإستقلال، وأنشأ حركة قوية أتمت الإستقلال، ثم غرس معنى وجوب الإنضمام إلى الولايات المتحدة، فإنضمت طواعية بالقناعات التي غرسها هيوستن.
جاء هيوستن بعد سنوات قليلة إلى الرئيس الأمريكي وسلمه مفتاح تكساس، إذ لم تطلق رصاصة أمريكية واحدة ولم يصرف دولارًا واحدًا، فشكره الرئيس الأمريكي، وخلد عمله بإطلاق إسمه على مدينة هيوستن التي هي الآن من أهم مدن أمريكا وعاصمة النفط فيها.

وكذلك توجد العديد من النماذج التي ضربت مثلًا ساميًا في القدرة على الإقناع منها، أن بعض الزنادقة جاؤوا إلى الإمام أبي حنيفة (يرحمه الله)، فشككوا في وجود الله تعالى، فقال لهم الإمام أبو حنيفة: دعوني فإني مفكر في أمر أخبرت عنه قالوا: وما هو؟ قال: أخبرت أن سفينة في البحر موقرة، تسير وتخترق الأمواج دون قائد أو حارس فقالوا: من يقول هذا! لا يقول هذا إلا مجنون، فقال أبو حنيفة إذا كانت السفينة لا تستطيع أن تسير دون حارس أو قائد.. فما بالكم بهذه السماوات وهذا الكون أيسير دون حارس أو قائد؟! فإقتنع الزنادقة بكلام أبي حنيفة، وقالوا: صدقت، نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

ويروى أنه كان بالكوفة رجل مسلم يزعم أن عثمان بن عفان كان يهوديًا، ولم يستطع العلماء إقناعه، فأتاه أبو حنيفة فقال له: أتيتك خاطبًا، قال: لمن؟ قال: لإبنتك رجل شريف، غني بالمال حافظ للكتاب، سخي، يقوم الليل، كثير البكاء من خوف الله تعالى فقال: في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة فقال أبو حنيفة: إلا أن فيه خصلة، قال وما هي؟ قال: إنه يهودي، قال: سبحان الله أتأمرني أن أزوج إبنتي من يهودي؟ قال: ألا تفعل؟ قال: لا، قال: النبي صلى الله عليه وسلم قد زوج إبنته من يهودي - يشير إلى كلام الرجل عن عثمان - فقال الرجل بعد أن عرف خطأه وإقتنع أن عثمان مسلم وليس يهوديا: أستغفر الله إني تائب إلى الله عز وجل. 
ورغم أهمية، الإقناع، ودعوتنا إلى عدم اللجوء إلى الإكراه، إلا أنه من الحكمة أحيانًا أستخدام أسلوب الإكراه، فعندما تتحقق المصلحة في أمر لا يقتنع به بعض المنفذين، ويكون لدى المسؤولين علم يقيني أو يغلب فيه الظن أن المصلحة في تحقيقه هنا يمكن للمسؤول، وفي حدود ضيقة، أن يلزم الآخرين برأيه وإن خالف آراء المنفذين.
نؤكد هنا أن الإكراه ليس هو المنهج السليم الذي يحسن أن يتخذه المسؤولون، وإنما هو آخر الدواء، إذ لا يستخدم إلا في حالات محدودة ضيقة.

الرابط المختصر :