العنوان لا يا إذاعة لندن
الكاتب عطية محمد سعيد
تاريخ النشر الجمعة 01-أغسطس-1975
مشاهدات 4
نشر في العدد 261
نشر في الصفحة 19
الجمعة 01-أغسطس-1975
لا يا
إذاعة لندن (2)
- الخلافة الإسلامية ومؤامرات القضاء عليها
- مأساة باكستان صنع الإنجليز
- فكرة الجامعة العربية نبتت
في مجلس العموم البريطاني ونُقلت «شتلة جاهزة» إلى العالم العربي
- الخوف على الإسلام أم الخوف
منه؟
- مكة المكرمة وعواصم الدول
الكبرى
الخلافة
العثمانية ومؤامرات القضاء عليها:
يتفق
المؤرخون والسياسيون الغربيون على أن الخلافة العثمانية كانت أكبر قوة عسكرية
وسياسية في الشرق الأوسط ظلت تقف في وجه المطامع الاستعمارية الغربية لعدة قرون.
فقد كانت
هذه الخلافة تهيمن على معظم أقطار الشرق الأدنى ودول شرق أوروبا وتضع يدها على أهم
الطرق البرية والموانئ والمضايق الاستراتيجية في البحر المتوسط والبحر الأحمر
والخليج العربي والبحر الأسود.
وقد ظلت
لفترة طويلة صاحبة الكلمة الأولى في السياسة الدولية كما كانت جيوشها المظفرة تغزو
في كل اتجاه حيث فرضت إرادتها القوية على دول الشرق والغرب، والخريطة المرفقة توضح
أهمية السلطنة العثمانية والمركز المرموق الذي كانت تتمتع به حتى بداية القرن
العشرين، بينما كانت الدول الغربية تتحين الفرص دائمًا للانقضاض عليها وضربها ضربة
قاضية.
وعندما
بلغ التنافس بين الدول الكبرى أشده في أواخر القرن التاسع عشر حول استعمار الشعوب
العربية ودول الشرق الأوسط لم تجد هذه الدول بدًا من الاتفاق فيما بينها على تحطيم
الخصم التقليدي- الخلافة العثمانية- حتى يتحقق لهم بلوغ ما يرمون إليه من التوسع
الاستعماري في بلدان الشرق الأوسط وإفريقيا.
وقد نشطت
الدول الكبرى لهذا الغرض فأخذت تعقد المؤتمرات وتبرم الاتفاقيات فيما بينها لتنفيذ
مخططاتها لضرب الخلافة ومحاصرتها اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا حتى يتم الإجهاز
عليها.
وكان من
أخطر هذه الأسلحة تغذية نشاط العسكريين والطلاب الذين يتلقون تدريبهم في أوروبا
بالمبادئ المناهضة للعقيدة الإسلامية كالقومية الطورانية التركية والقومية
العربية، ونبذ فكرة الخلافة والانسلاخ عن الدين الإسلامي وتقليد النظم الأوروبية
في شؤون الحياة المختلفة.
وأخذت
هذه المخططات تعمل عملها في كيان الخلافة العثمانية الذي أثخنته الجراح حتى كانت
الضربة القاضية في أعقاب الحرب العالمية الأولى التي انتصر فيها الحلفاء على
ألمانيا المتحالفة مع السلطان العثماني، وكانت النتيجة سقوط جميع ممتلكات الخلافة
في أيدي الحلفاء الذين تقاسموها فيما بينهم في اتفاقات جائرة كانت دوافعها الحقد
الدفين على الإسلام والخلافة العثمانية.
وأسدل
الستار على الخلافة في عام 1924 عندما ألغى القوميون الأتراك منصب الخلافة، فانطوت
بذلك راية كانت تخفق لها قلوب المسلمين في الشرق والغرب.
وقد أثار
إلغاؤها ردة فعل عنيفة في العالم الإسلامي تردد صداها في تركيا والعالم العربي
والهند وسومطرة وكل أجزاء الوطن الإسلامي.. وقد رثاها أمير الشعراء أحمد شوقي
فقال:
ضجت
عليك مآذن ومنابر وبكت
عليك ممالك ونواحي
الهند
والهة ومصر حزينة تبكي
عليك بدمع سحاح
والشامُ
تسأل والعراقُ وفارس أَمحا
عن الأرض الخلافة ماحِ
حَسَبٌ
أَتَى طول الليالي دونه قد
طاح بين عشية وصباحِ
وعلاقة
فُصمت عُرى أسبابها كانت
أَبرّ علائق الأرواح
هتكوا
بأيديهم ملاذ فخارهم موشية
بمواهب الفتاح
وقال
في قصيدة أخرى:
قل
للخلافة قول باكٍ مُشفقِ بالأمس
لما أذنت بدلوك
خلعوك
من سلطانهم فسليهمو أَمِنَ
القلوبِ ومُلكها خلعوكِ
الجامعة
العربية:
لقد
أصبت الحقيقة يا ديفيد متشل عندما وصفت الجامعة العربية بأنها لا تعتبر نفسها
جامعة دول إسلامية، وأنها ليس من المفروض فيها أن تقحم نفسها في أي مشروع لإنشاء
دولة إسلامية شاملة.
ولعلك
لولا خافة أن تنكشف الأوراق وتفتضح حقيقة الجامعة العربية أمام العرب والمسلمين
لصرحت بأكثر من هذا ولقلت: إنها المفروض فيها أن تحارب قيام أي دولة إسلامية في أي
جزء من أجزاء الوطن العربي وأن تبذل الأموال والمساعدات لأي دولة تتجرأ على تعطيل
شريعة الإسلام وتقوم بشنق علمائه وزجهم إذا دعا الأمر كما فعلت مع حكومتين
شيوعيتين في الوطن العربي بعد أن قامت كل منهما بالواجب!
إنك
يا مستر متشل تعلم جيدًا نشأة الجامعة العربية وظروف نشأتها والأغراض التي أنشئت
من أجلها فأنت خبير بالشؤون العربية مطلع على بواطن الأمور فيها!
ألم
تكن هذه الجامعة في أول أمرها فكرة في رأس المستر إيدن وزير خارجية بريطانيا
العظمى أسر بها إلى بعض خلصائه وأعلنها في تصريحه المشهور في 29 مايو سنة 1941
الذي قال فيه:
«كان
العالم العربي قد خطا خطوات واسعة وصار الكثير من المفكرين العرب يريدون للشعب العربي
مقدارًا أكبر من الوحدة التي يتمتع بها اليوم.
ولأجل
أن تصل هذه الشعوب إلى الوحدة المنشودة لابد أنها تنتظر الحصول على سند يسندها في
مسعاها، ويبدو لي أن الروابط الثقافية والاقتصادية أيضًا يجب أن تعزز وستمنح حكومة
صاحب الجلالة من جانبها تأييدها الكامل لأي مشروع يحظى بالتأييد التام».
إليك
الجدول المفرغ من الصورة، ويمكنك نسخه واستخدامه في برنامج Word بسهولة:
بيان
يوضح اقتسام اجزاء الخلافة العثمانية بين الدول الاستعمارية
|
بريطانيا
|
فرنسا
|
ايطاليا
|
النمسا
والمجر |
دول
مستقلة |
دول
مستقلة تحت الحماية البريطانية |
|
عدن
امارات
الخليج
قبرص
مصر
السودان
فلسطين
الاردن
العراق
|
الجزائر
تونس
سوريا
لبنان
الاسكندرونة
|
ليبيا
جزيرة
رودس
جزر
موكانيز |
البوسنه
الهرسك
|
بلغاريا
اليونان
الصرب
رومانيا
القرم
البانيا
|
الحجاز
نجد
|
ورغم
ظروف الحرب فقد تمكن وزير الخارجية البريطاني أنتوني إيدن من عمل الشيء الكثير بعد
هذا التصريح، وما إن هدأت الأحوال نسبيًا حتى أعلن الفكرة بصورة رسمية في مجلس
العموم البريطاني في يوم 24 فبراير سنة 1943 عندما سأله أحد النواب قائلًا:
«هل
تتخذ الآن تدابير لزيادة التعاون السياسي بين البلدان العربية في الشرق الأوسط قصد
إنشاء حلف عربي في النهاية؟»
«إن
الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب لتعزيز الوحدة
الاقتصادية أو الثقافية أو السياسية بينهم ولكن من الجلي أن الخطوة الأولى لتحقيق
أي مشروع يجب أن تأتي من جانب العرب أنفسهم».
واقترح
النائب العمالي «كوكس» على المستر إيدن أن يرسل إلى الشرق الأوسط أحسن رجل في
وزارة الخارجية البريطانية ليجمع ممثلي البلدان العربية لأن هذه مشكلة على جانب
عظيم من الأهمية ومن المحتمل أن تمس مستقبل فلسطين.
فأجاب
أنتوني إيدن:
«لا
أظن أن لدينا في تلك البلدان من يمثلنا خير تمثيل».
وبعد
أقل من شهر أعلن مصطفى النحاس رئيس الوزراء في مصر مشروع الجامعة العربية في
البرلمان المصري في (20 - 3 - 1943) وصدره بقوله:
«منذ
أن أعلن المستر إيدن تصريحه فكرت طويلًا ورأيت أن الطريقة المثلى التي يمكن أن توصل
إلى غاية مرضية أن تتناول هذا الموضوع لحكومات العربية الرسمية».
وهكذا
بدأت الاجتماعات وتكررت اللقاءات في القاهرة والإسكندرية بين النحاس ونوري السعيد
والرجال الذين يمثلون بريطانيا خير تمثيل، وخرجت الجامعة العربية ووضع ميثاقها وافترض
عليها فيه ما تفعله وما لا يجوز عليها «أن تقحم نفسها فيه».
وقد
وصف البروفيسور جورج لينتشوفسكي أستاذ العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا الخطوات
التي سبقت قيام الجامعة العربية ودور بريطانيا فيه فقال:
«كان
العمل البريطاني منذ سنة 1941 فصاعدًا عملًا يدل على خطة وهدف وقد تمت على أحسن
وجه مع العمل الذي يقوم به العرب أنفسهم، وكان يخدم المصالح البريطانية خدمة صالحة
في هذا العمل فريق من المختصين بالشؤون العربية».
هكذا
كانت فكرة الجامعة العربية والخطوات التي سبقت تكوينها وما أعقب ذلك حتى برزت إلى
الوجود.. ومن أجل هذه النشأة المريبة جاء ميثاقها باهتًا لا يحمل غير الشعارات فهو
لم ينص على أي مادة إيجابية لتحقيق وحدة عربية فعلية.. كما أنه لم يتضمن أي
صلاحيات عملية لحل المشاكل المعقدة التي تتطلب حزمًا وقدرة على تنفيذ القرارات..
ولهذا كانت قراراتها كلها توصيات وكفاحها احتجاجات! وعدتها كلمات!!
ولقد
أدرك العالم الإسلامي حقيقة الجامعة العربية وعرف تصورها وعجزها عن عمل أي شيء ذي
بال، ولذلك فهو لا يطلبها بما لا تستطيع أن تقحم نفسها فيه؛ لأن فاقد الشيء لا
يعطيه، غير أنه أدرك تمامًا أن خلاصها وعزتها تكمن في قيام وحدة إسلامية شاملة
تتمثل في دولة إسلامية واحدة تقف سدًا منيعًا في وجوه المستعمرين الغزاة.
المنظمات
الدولية:
لقد
وصفت يا مستر متشل مقدم السؤال الذي يخشى على العالم الإسلامي من تسلط
الاستعماريين الغربي والشيوعي بأنه جد متشائم وحاولت أن تطمئنه بعدم وجود أي أخطار
على العالم الإسلامي لوجود منظمة الأمم المتحدة والمكانة السامية التي ينعم بها
العالم الإسلامي في دول الكتلة الثالثة.
ونحن
نشكرك على هذه الطمأنينة يا شبيه بنبيل ولكننا نحب أن نقول لك إن الزمن الذي كنا
نصدق فيه أمثال هذه الوعود بالحماية قد انقضى فقد فقدنا الثقة بهذه المنظمات
الدولية كما فقدناها من قبل في وعود الشرق التي قطعتها الدول العظمى على نفسها
بحمية العرب والإسلام وكانت عاقبتها ضرب الإسلام وتشريد العرب من ديارهم لتوطين
اليهود في فلسطين.
إن
الدور الذي تقوم به اليوم منظمة الأمم المتحدة لا يختلف كثيرًا عن ذلك الذي قامت
به أختها عصبة الأمم من قبل من إهدار لكرامة العرب وتضييع لحقوقهم، وقد شهد على
ذلك بعض المنصفين من الغربيين أنفسهم ومنهم الدكتور جون- س- بادو رئيس الجامعة
الأمريكية في القاهرة- سابقًا- الذي كتب عن الضغوط التي فرضها العالم الغربي على
الأمة العربية أثناء فترة الحرب 1939- 1945 وما بعدها ثم قال:
«على
أن هذا التاريخ لم ينته بانتهاء الحرب فضغط العالم الغربي على البلاد العربية ما
زال مستمرًا سواء أكان ذلك في هيئة الأمم المتحدة أو في الصراع ضد روسيا أو في
سبيل الدفاع عن المصالح الإمبراطورية، ويجب أن لا تنسوا ونحن نقرر هذه الأمور
أهمية خلق «إسرائيل» كظاهرة من ظواهر الضغط الغربي».
باكستان
والوحدة الإسلامية
لقد
حاولت يا ديفيد متشل أن تصرف أذهان المستمعين للبرنامج (ومعظمهم من المسلمين) عن
الجامعة الإسلامية باتخاذك دولة باكستان مثالًا على فشل تجربة الوحدة الإسلامية
لأنها انتهت إلى التصدع والانشطار إلى دولتين متخاصمتين إحداهما شرقية «بنغلادش»
والأخرى غربية «باكستان».
ثم
ذكرت في كلامك أن هذا الانقسام كان متوقعًا منذ فترة طويلة جدًا.
إن
دولة باكستان -كما تعلم يا مستر متشل- قد صنعت خصيصًا لضرب الإسلام في الهند، وإن
دولة بريطانيا العظمى كانت هي السبب المباشر في هذه المأساة، ولكنك أيضًا تدرك
الأسباب التي أدت إليها وأهمها:
1. أن المسلمين قد حكموا القارة الهندية ثلاثة قرون
كاملة وأسسوا فيها دولة إسلامية واسعة وقد بقيت حتى حطمها الإنجليز بعد استعمارهم
للهند في القرن الثامن عشر بواسطة شركة الهند الشرقية (الإنجليزيّة).
2. أن المسلمين ظلوا يحملون راية الجهاد المقدس منذ أن
وطئت أقدام الإنجليز أرض الهند وكانت أشهر حروبهم ثورة 1830 وثورة 1857 وثورة 1861-
1868 مما جعل بريطانيا تتدخل بقواتها الإمبراطورية لإخماد ثورات المسلمين.
3. أن الإنجليز عمدوا إلى التقرب من الهندوس والسيخ
وإبعاد المسلمين عن السلطة وحرمانهم من التعليم والوظائف الحكومية، وفي ذلك قال اللورد
إلنيرو حاكم عام الهند سنة 1842م: «إنه لا يمكن الإغضاء عن حقيقة جَلية وهي أن
الأمة المسلمة معادِية لنا بطبيعتها. فالبرنامج الحقيقي عندنا أن نبتغي مرضاة الهنادك»
وفعلًا
اتخذت بريطانيا كل الوسائل الكفيلة بإضعاف المسلمين وتقوية السيخ والهندوس ونفذت
ذلك فعلًا في سياستها التعليمية والإدارية طيلة فترة حكمها التي استمرت أكثر من
قرنين من الزمان.
ويقول
سير ويليام هنتر في كتابه «المسلمون الهنود»:
«إن
المسلمين الهنود لهم الحق في مقاضاتنا عن الأمور الخطيرة التي ارتكبناها ضدهم
والتي لم ترتكبها حكومة من الحكومات.. إنهم يقاضوننا عن إغلاق كل حياة كريمة في
وجوه الأعلام منهم، ويقاضوننا عن نظام التعليم الذي يجعل معظم مجتمعهم في حضيض
الفاقة والبؤس»!
4. إن المسلمين كانوا دائمـًا يحلمون ببعث كيانهم
الإسلامي في الهند حتى يعيدوا للإسلام صولته فيها.
قال
ألفريد كانتويل سميث مدير معهد الدراسات الإسلامية بجامعة ماكجيل بكندا:
«وقد
بقي الحلم بدولة إسلامية هندية يراود ويثير الجمهور حتى القرن العشرين، فإن
الجماهير قد حافظت على فكرتها المثالية وهي إعادة بناء مجتمع إسلامي حقيقي عظيم في
الهند».
وكان
لمؤتمر الخلافة الإسلامية في الهند 1918 - 1924 آثار واسعة أقلقت مضاجع العالم
الغربي بأسره.
ومن
أجل هذه الأسباب التي تعلمها أنت جيدًا جاء تقسيم الهند ليؤدي إلى النتائج الآتية:
1. حصر الإسلام في زوايا ضيقة حتى لا يتمكن من السيطرة
على الهند بأكملها.
2. جعل الدولة الجديدة (باكستان) قسمين يبعد أحدهما عن
الآخر أكثر من ألف ميل وتفصل بينهما الهند المعادية.
3. فصل إقليم كشمير المتاخم لباكستان الغربية وضمه
للهند حتى لا ترجح كفة المسلمين.
4. في حالة حدوث حرب مع الهند يكون شقا باكستان قد
انفصلا تمامًا برًا وبحرًا وتكون الغلبة للهند.
5. تقسيم باكستان كان مخططًا له بواسطة اللورد
مونتباتن حاكم عام الهند ليكون قنبلة موقوتة تنفجر في يوم من الأيام فتنشطر إلى
دولتين- وقد تم ذلك فعلًا سنة 1971- ووجدت بنغلادش بدعم الهند.
6. عارض زعماء باكستان «إقبال وجناح» فكرة التقسيم أول
الأمر وطالبوا بهند موحدة تصان فيها حقوق المسلمين ولكنهم لم يجدوا أمام الإنجليز
والهندوس غير الخروج من الهند «الأم».
7. قام الهندوس والسيخ بـذبح وقتل أكثر من مليون نفس
من المسلمين بين سنتي 1947 و1948 لإرغام المسلمين على الخروج، وقد شهد مراسلو
الصحف الإنجليزية هذا الذبح وكتبوا عنه في حينها يخاطبون المنظمات الدولية وقف تلك
الحملة الجائرة على المسلمين، ويحمل بريطانيا التبعة.
المسائل
الفرعية:
فقد
ذهبت بعيدًا يا ديفيد متشل في إثارة الشبهات حول حكم الإسلام عندما قلت:
«والسؤال
عن الدولة الإسلامية الشاملة يثير عددًا من المسائل الفرعية التي لا تنتهي فلا بد
من السؤال: من ذا الذي يحكم مثل تلك الدولة الإسلامية الشاملة؟ هل يحكمها خليفة
جديد؟ فإذا وجد الخليفة، فكيف يمكن انتخابه؟
وهل
تصلح مكة من الناحية العملية الواقعية لإدارة مثل تلك الدولة الإسلامية الواحدة
المترامية الأطراف الشاسعة المساحة؟ وما هو مقدار الحكم الذاتي الذي تمنحه تلك
الدولة للولايات الإسلامية المختلفة التي تتألف منها؟ وما الوسيلة التي يمكن بها
للحكومة المركزية الإسلامية أن تضمن طاعة تلك الولايات؟ فيما لو أن إحدى تلك
الولايات قد استحوذت على ما لا يحق لها من السلطة؟ أولا يوجد خطر من ظهور رجال ذوي
طموح ويطمعون في الاستيلاء على السلطة كما حدث قديمًا في التاريخ وكما يحدث اليوم
في كل مكان.
ثم
ألا يمكن أن يظهروا داخل دولة إسلامية شاملة ليستروا مطامعهم بثوب ديني ونداءات
دينية بدل ثوب الرئاسة ونداءات السياسة؟
وقفت
طويلًا عند هذه المسائل الفرعية التي أثرتها في إجابتك وحاولت أن أفهم الدوافع
التي حدت بك إلى هذه التساؤلات، هل هي جهلك بمنهاج الحكم في الإسلام؟ أم هي شفقتك
على الإسلام من فشل تجربة الحكم؟!
أم
هي الخوف من بعث الوحدة الإسلامية التي تعمل لها دول الغرب ألف حساب؟!!
والإجابة
واضحة من دون شك، وهي أنك قد اتبعت الخطة الرسمية التي تسير عليها السياسة
البريطانية لما وراء البحار وتسخر لتنفيذها كل وسائل الإعلام بما فيها الإذاعة
والصحافة بعرض هذه الفكرة الجامعة الإسلامية والقيام بعملية غسيل مخ واسعة في
أوساط المسلمين..
أما
لو كان رائدك معرفة الحقيقة وإرشاد السائل إليها لكان الأجدر بك قبل أن تثير هذه
المسائل الفرعية التي لا تنتهي- كما تزعم- أن تطلع على ما كتب عن أصول الحكم في
الإسلام، وما أكثر ما كتب، بأقلام المسلمين وغيرهم من كبار المستشرقين أمثال
هاملتون جب ولوثروب ستودارد وجولد تسيهر وجوزيف هل وأرنولد توينبي وغيرهم لتعرف
شروط الإمامة وواجبات الإمام وكيفية اختياره ومسألة الحكم والشورى ووجوب الطاعة
وما تتمتع به الولايات من استقلال داخلي إلى غير ذلك من هذه المسائل..
الإسلام
والدولة المثالية:
إن
الإسلام يقيم دولته على الأرض وفي واقع الناس وهو يعالج القضايا والمشاكل المختلفة
علاجًا واقعيًا عمليًا، ومن ثم فالدولة الإسلامية ليست دولة أسطورية مثالية كتلك
التي كان يحلم بها أفلاطون في الجمهورية أو توماس مور في (اليوتوبيا) وإنما هي
دولة تقوم على أسس واضحة وشريعة كاملة تعالج مشاكل الناس وتسوسهم في ضوء الواقع
العملي..
ومن
هذه النقائص شهوة الحكم عند بعض الناس والرغبة في التسلط والخروج على الدولة..
وكل
هذه المسائل قد عمل لها الإسلام حسابًا وأوفاها فقهاء الإسلام حقها من البحث
وعالجها الحكام المسلمون في ضوء الشريعة الإسلامية.. ولم تكن في يوم من الأيام
عائقًا عن تطبيق الإسلام ولا سببًا لنبذ نظام الخلافة الإسلامية..
وحسب
النظام الإسلامي فخرًا أنه ليس في تاريخ البشرية نظام غيره كتب له الاستمرار في
إدارة الشؤون المختلفة في نطاق واسع جدًا لمدة تزيد عن ألف سنة..
فقد
ظلت الخلافة الإسلامية تدير شؤون العالم الإسلامي منذ وفاة الرسول صلى الله عليه
وسلم في السنة العاشرة للهجرة حتى نهاية الخلافة العثمانية في منتصف القرن الرابع
عشر الهجري رغم العواصف والزوابع التي مرت عليها في تاريخها الطويل..
صحيح
أنها تبدلت بين الأمويين والعباسيين والعثمانيين ولكن الشريعة والأحكام ظلت كما هي
لم تتغير..
صلاحية
مكة المكرمة لإدارة الدولة الإسلامية:
أما
تساؤلك عن صلاحية مكة المكرمة لحكم هذه الدولة المترامية الأطراف الشاسعة المساحة
فهو أمر يثير في النفس الكثير من علامات التعجب والشك ويجعلني أسألك بالمثل:
كيف
صلحت لندن لإدارة إمبراطورية بريطانيا العظمى التي بسطت نفوذها (في يوم من الأيام)
إلى كندا والولايات المتحدة غربًا وإلى أستراليا ونيوزيلندا شرقًا وإلى رأس الرجاء
الصالح جنوبًا؟
وكيف
تستطيع الآن العاصمتان «واشنطن وموسكو» إدارة شؤون المعسكرين الرأسمالي والشيوعي؟
إن
المكانة التي تتمتع بها مكة المكرمة في نفوس المسلمين من حيث إنها قبلة الإسلام
التي يتجه إليها المسلم في صلاته وارتباطها بموسم الحج الذي يؤمه ما يقارب
المليوني نسمة كل عام، كل ذلك يجعلها أصلح مكان لإدارة شؤون هذه الدولة الإسلامية،
ومما تجدر الإشارة إليه أن الإسلام لم يشترط بلدة بعينها لتكون مقرًا لهذه الدولة
وإنما ترك هذا الأمر للمسلمين.. وقد نقلت الخلافة في الماضي من المدينة إلى الكوفة
فدمشق فبغداد والقاهرة وإسطنبول.
●
وختامًا يا مستر متشل هذا ما أردت أن أصحح به مجموعة الأخطاء التي حواها ردكم على الأخ
بشير نايف الضفيري بشأن الدولة الإسلامية القادمة..
وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل