العنوان لا... يا شيخ!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1974
مشاهدات 118
نشر في العدد 221
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 08-أكتوبر-1974
رد على ما يثيره الشيخ علي عبد المنعم في التلفزيون
لا تبرروا انحرافات الناس باسم الدين!
عدم الالتزام لا يلغي قاعدة الالتزام!
واصلت مقدمة برنامج «دنيـا الأسرة» في التلفزيون تقديمها للشيخ علي عبد المنعم. المدرس بالجامعة. والذي يؤم المسلمين في صلاة الجمعة ويخطب فيهم خطبتها في أحد مساجد الكويت.
في أسبوعين على التوالي- الجمعة الماضية والتي سبقتها- يصدم الشيخ جمهور المسلمين، ويجرح شعورهم بالآراء الغريبة!!
في أول الأمر ظننا أن الشيخ قد وقع في خطأ غير مقصود ومن ثم انتظرنا أن يعترف الشيخ بخطئه ويعلنه على الناس.. وفاء للأمانة التي يحملها.. وللدين الذي باسمه يتحدث.. خاصة بعد حملة الاحتجاج والاستنكار التي وصلته عبر اللقاء الشخصي. والمكالمات الهاتفية.
في المرة الأولى تهاون جدًا مع مقدمة البرنامج حين حملت على الزي الشرعي الإسلامي واتهمت مرتدياته بأنهن يفعلن ذلك للفت النظر!!
وكأنها- أي مقدمة البرنامج- أتت بالشيخ لتثبت آرائها الخاصة تحت ستار شخصية الشيخ
علي عبد المنعم.
كان على الشيخ- بمقتضى الحق- أن يسارع إلى تفنيد آراء مقدمة البرنامج. أمام نفس المشاهدين الذين استمعوا وشاهدوا التهجم على اللباس الشرعي للنساء.
ولكن الأمر مضى.
في الأسبوع الماضي- مساء الجمعة بالذات- سألت مقدمة برنامج «دنيا الأسرة» الشيخ
علي عبد المنعم.. عدة أسئلة عن تعليم المرأة.. وعملها. وموقف الإسلام من ذلك.
وكان من بين الأسئلة.. سؤال عن موقف الإسلام من الاختلاط؟
ولقد دهش المشاهدون من الابتسامة الساخرة التي كانت تصاحب طرح الأسئلة.
المهم.. أن الشيخ علي عبد المنعم.. راح يفسر الاختلاط على أنه «اندماج» كامل بين شخصيتي الفتى والفتاة.. مثل اندماج اللبن في الكاكاو. وكان المستنكر من الاختلاط.. هذه الصورة فقط!
وزعم أن الاختلاط لا خطر منه على الشبان والبنات.. لأنهم جميعًا مهذبون.
ومضى يضرب الأمثال بالصحابيات اللواتي اشتركن في الجهاد وقمن بعلاج الجرحى. إلخ.
والخطر في حديث الشيخ لا يكمن في فقراته الغريبة المنكرة فحسب.. إنما يكمن الخطر كذلك في الاتجاه العام الذي يتبناه الشيخ مع بالغ الأسف.
اتجاه التبرير الديني لانحرافات الناس..
اتجاه مباركة الواقع السيء باسم الدين.
وهو اتجاه.. يتجاهل حقيقتين كبيرتين:
• أن الإسلام قد حفظت نصوصه من التشويه والغش. بمعنى أن معيار الاستقامة والانحراف لا يزال ثابتًا دقیقًا.. مضيئًا ومن هنا تصبح عملية التبرير تلك مستحيلة بالنسبة لدين الإسلام.
● الحقيقة الثانية: أن رجال الكنيسة مالأوا الناس وسايروهم وتملقوهم وداهنوهم. وبرروا انحرافاتهم وفسقهم بل مضوا أبعد من ذلك- إمعاناً في مسايرة الظروف- فشاركوا الجماهير الضالة في انحرافاتها.
رقص القساوسة مع الشباب.. وشربوا معهم الخمر.. وزينوا أبواب الكنائس بإعلانات مضيئة.. تدعو الناس.. إلى الرقص وشرب الخمر وقضاء أوقات ممتعة.. في حفلات مختلطة.
فماذا كانت النتيجة؟
تصاعد من الانحراف حتى طوى الكنائس والناس معًا. وحتى رأينا الشذوذ يباح رسميًا في بريطانيا. والزواج بين بنت وولد شقيقين يقر قانونًا في بلجيكا.. وحتى رأينا جرائم الاغتصاب الجنسي ترتفع بمعدل ٢٣% سنويًا في أمريكا.
يقولون: هناك فرق بين بيئاتنا.. وبيئاتهم.
نعم, هناك فرق.. ولكن ليس في جنس الناس، فالبشر في أي أرض هم البشر يموجون بالغرائز والنزوات.
الفرق هو الإسلام فحسب.
في ضوء ذلك نسأل: إذا حاولتم محو الفرق أي نحيتم الإسلام عن حياة الناس هنا.. ألا يصبح العرب والأوروبيون والأمريكيون سواء في اتباع الشهوات.. والسير في طريق الغي؟
بلی..
وبعد «بلي» هذه يأتي سؤال آخر هو: لماذا تتملقون غرائز الناس إذن؟ ولماذا تبررون الانحرافات باسم الدين؟ وهل تريدون أن يحدث في بلادنا ما حدث في أوروبا وأمريكا؟
▪ وزعم الشيخ بأنه استند إباحة الاختلاط على «تهذيب الشبان والشابات.. زعم باطل.
● فهذا المدح الشعري لا يليق بعالم أبدًا.. ينتظر منه الناس أن يصدع بالحق بقوة ووضوح.. والإطراء الشعري ليس أسلوبًا علميًا تعالج به القضايا الاجتماعية والأخلاقية.
إن المجتمع الفاضل هو المجتمع المهذب.
والمجتمع الإسلامي الأول كان مجتمعًا فاضلًا مهذبًا متماسكًا ذا سلوك رفيع.. ومع ذلك فهذا المجتمع نفسه كلف- مثلًا- بغض البصر.
- ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ﴾ (النور:30)
- ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. (النور:31)
فالتعلل بمسألة التهذيب؛ لترك الحبل على الغارب.. خطة لا يقول بها عاقل.. واتجاه لا يتبناه من يدرك طبيعة المجتمعات.
والقضية أعمق وأعقد من أن تعالج بكلمات مدح في برنامج تلفزيوني.
ففي دراسة لمجلس التخطيط تبين أن السبب الرئيسي في ارتفاع نسبة الجرائم الجنسية في الكويت يتمثل في الزي الفاضح الذي ترتديه النساء وفي الرحلات المختلطة.. وأنواع اللهو الغربي.. وأنماط الحياة الغريبة الدخيلة.
ولا حرج أن الاختلاط الذي يقره الشيخ إنما هو من أبرز أنماط الحياة الغربية التعسة.
▪ والمقارنة بين الصحابيات القانتات العابدات.. وبين نساء اليوم تنطوي على تفكير غير منطقي.
أولًا: لأن الصحابية قبل أن تقوم بخدمة مجتمعها أدت واجبها نحو ربها فعبدته وأسلمت له.. وأدت
واجبها نحو دينها والتزمت به.
أما الذين يطالبون الإسلام- من رجال ونساء- بأن يقر مطالبهم قبل أن يلتزموا به.. فهذا سلوك رفضه القرآن تمامًا:
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:48-50)
ثانيًا: كان اهتمام الصحابيات في القمة.. فقد انشغلن بتربية الرجال الذي وسعوا- باسم الله- رقعة الإسلام من بعد، كما انشغلـن بمتابعة حركة الجهاد. وأنباء الفتوحات.
ونوع الاهتمام يعبر عن الحالة النفسية والمستوى الفكري
فهل الحال كذلك الآن؟.
اللحية.. والتبرير أيضًا
ولكي نثبت أن «تمييع» الإسلام.. ليس خطًأ عابرًا لدى الشيخ وإنما هو اتجاه عام يسير فيه.
نضرب مثلًا بما قاله عن إعفاء اللحى في الجمعة قبل الماضية.
فقد قرر إن إعفاء اللحى من عادات البيئة.. وليس من سنن الإسلام!!
ونود هنا أن نفرق بين أمرين:
▪ ارتكاب المخالفة.
▪ ومحاولة إلغاء السنة ذاتها.
إن النصوص واضحة وحاسمة في إعفاء اللحى- وكون الناس قد تركوا هذه السنة- ومنهم الشيخ
علي عبد المنعم- فإن عدم الالتزام لا يلغي قاعدة الالتزام.
والأمر المألوف المعروف في البيئة يظل في هذه الدائرة.. فإذا كان النص كان الالتزام.
إن الاعتراف بالتقصير أفضل وأكرم من محاولات التجاهل.. والاستخفاف والتنكر.
ومن أفدح الأخطاء تبرير الموقف الشخصي بابتداع قواعد أو آراء تصطبغ بصبغة الدين.
وقبل أن ننهي هذه الكلمة ينبغي أن نوضح أمرًا نحسبه ضروريًا وهو: أن نقد الشيخ
علي عبد المنعم في موقفه هذا.. لا يعني البتة التقليل من قيمة الرجل.. فالبون شاسع بين محاولات إسقاط القيمة وبين نقد الآراء والمواقف.
والرجل الفرد.. قد تنكر عليه مواقف في نفس الوقت الذي نزكي فيه مواقف أخرى.
والحق دومًا.. قبل الرجال.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل