العنوان لا... يا كبير العائلة المصرية
الكاتب الدكتور علي جريشة
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1979
مشاهدات 106
نشر في العدد 443
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 01-مايو-1979
- فصل الدين عن السياسة فكرة يهودية
- الدين ليس ثقافة فقط.. إنه أعظم مما ادعيت
- الخيمة التي تهزأ منها خير من العري والعهر..
- شباب مصر المسلمة.. ناصح أمين..
طالعت كلماتكم إلى «قيادات شباب الحزب الوطني» التي تحدثتم فيها عن الدين والسياسة بما يفيد فصل الدين عن السياسة والسياسة عن الدين، ووددت أن أناقشها مناقشة موضوعية هادئة، لأقول لكم: إن هذا الفصل بين الدين والسياسة أو الدين والدولة، هو في أصله فكرة يهودية كما قال بذلك الكاتب الأمريكي «وليام غاي كار»، وأن هذه النبتة اليهودية غرست في أرض غير أرضنا، وبين قوم دينهم غير ديننا.. وغرست في أوربا في ظروف صكوك الغفران وقرارات الحرمان؛ حيث كانت الكنيسة الأوربية تمارس حجرًا على القلوب، وتمارس معه حجرًا على العقول.. والذين نقلوا الفكرة إلى الشرق الإسلامي إما تلاميذ ذلك الفكر اليهودي، أو الجاهلون والمخدوعون في سر نهضة أوربا، وفي الفارق بين دين محمد عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه دين أوربا في القرون الوسطى! ولا يزال البعض يذكرون أن الذين دافعوا عن الفكرة في الشرق الإسلامي أحاطتهم الريب من الشكوك؛ لأنهم دافعوا عنها في وقت كان التآمر للإطاحة بالخلافة الإسلامية كان على قدم وساق.. ومعلوم لدى المحققين دور الصليبية في الإطاحة بالخلافة ودور اليهود كذلك من أمثال قرصو، وحاييم ناحوم، وسالام، ويهود «الدونمة» في سالانيك..
وواضح بعد ذلك أن الإسلام يرفض هذه التفرقة الكريهة بين الدين والدولة، وبين السياسة والدين، وواضح أن نبي الإسلام كان بشيرًا ونذيرًا، ورئيس دولة، وقائد جيش، ومصرف شئون الدولة والأمة.. وأن الذين خلفوه من بعده كانوا كذلك.. مما حدا بالفقهاء أن يعرفوا الخلافة بأنها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين، وسياسة الدنيا به، فمهمة الخلافة أمران:
- حراسة الدين
وسياسة الدنيا بهذا الدين.. ومن ثم فإن الفصل بينهما مرفوض، وقد أسماه القرآن فتنة وجاهلية وكفرًا:﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 49، 50) ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 85).. كنت أريد أن أقول لك هذا وغير هذا.. لكن لم تلبث كلماتكم أن تتابعت وتتابعت..
فتحدثتم في لقائكم بجامعة عين شمس عن أن الدين ثقافة فقط، وسخرتم من «الخيمة» التي تريد الجماعات الإسلامية أن تجعل منها زيًّا للنساء، وتحدثتم عن المساواة بين الرجال والنساء.. ثم أعلنتم إباءكم أن يكون شباب الجماعات الإسلامية «أوصياء»... إلخ. وبنفس المناقشة العلمية الموضوعية أسائلكم:
* من أعطاك حق الفتوى لتقول: إن الدين ثقافة فقط؟ ومن أين لك بأهلية التأويل والتفسير، أم أنها لون من «الوصاية» تفرضها على شعب مصر المسلم؟ وما دليلك يا كبير العائلة على أن الدين ثقافة فقط؟
تقرأ في كتاب الله قول الله: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ، اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 2، 3) فنعلم أن وظيفة القرآن ليست وظيفة ثقافية لإمتاع العقول؛ لكنه «نذير» و«ذكرى» و«اتباع».
وتقرأ قول الله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105) فنعلم منها أن وظيفة القرآن.. هي الحكم بين الناس، وأن الحاكم يحكم بما أراه الله في هذا القرآن ولا يحكم بما يراه هو.
ويؤكد المعنى قول الله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة: 48) وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: 48، 49).
وأخيرًا قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).
فنعلم من هذا وغير هذا:
* أن الإسلام دين شامل يحكم كل شيء: الثقافة، والعقيدة، والأخلاق، والعبادات «بمفهومها الضيق»، والمعاملات وهي تشمل النظام الاجتماعي، والنظام السياسي والنظام الاقتصادي.
* ونعلم أن تحكيم الإسلام على هذا النحو الشامل أمر عقيدة وإيمان، لا يصح بغيره ادعاء الإيمان أو رفع شعاره!
* وأن التفرقة -كما قدمنا- تحت أي اسم من الأسماء.. هي كفر وجاهلية وفتنه.. طبقاً لما قال القرآن.
أما سخريتك من «الخيمة» التي يريدها شباب مصر المؤمن زيًّا للنساء، ففي ظني، وظن كل مسلم، أن الخيمة -على فرض صحة هذا الادعاء- خير من العري والعهر الذي نراه في شوارع مصر، وعلى شاشتها الصغيرة والكبيرة، وفي ملاهيها ومسارحها.. وأن الخيمة التي تهزأ منها -يا رجل العيب- تعني اللباس الشرعي الذي فرضه رب العالمين حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ...﴾ (الأحزاب: 59) وغيرها مما ورد من آيات في نفس المعنى، وأن الاستهزاء بذلك -بعد هذا العلم- استهزاء بالله وآياته: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ...﴾ (التوبة: 65)، وأن السكوت على ذلك العري والعهر.. يعرض على الشاشة ويعرض في الواقع، السكوت عليه ممن يملك المنع إقرار له، وإشاعة للفاحشة في المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور: 19).
ولا نريد أن نتطرق بعد ذلك إلى أمثلة شخصية لنقول: إن من فعل ذلك ممن كان موضع قدوة، فعليه وزره ووزر كل من يقلده أو يتبعه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل: 25).
أما حديث المساواة بين الرجال والنساء.. فحديث قديم.. يصادم نصوص الكتاب والسنة، ويصادم الفطرة السليمة التي تعرف الفارق «البيولوجي» و«السيكولوجي» وغيرهما من الفوارق بين الذكر والأنثى.. ولا أحسب نساء مصر العاقلات الطاهرات يرضين لأنفسهن هذه المساواة المطلقة.
إن الإسلام أكرم المرأة وأعزها، وسوی أجرها بأجر الرجل فيما تقدم من عمل صالح: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: 97) لكنه من وراء ذلك.. وضعها في وضعها الصحيح.. وليس من حقنا أن نعدل على خالق العباد لنجعل من المرأة رجلًا، أو من الرجل امرأة!
أما حديثك عن شباب مصر المسلمة، وظنك بهم أنهم يريدون «الوصاية» عليك أو على الشعب.. فأولى أن يقال: إنهم آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر، وهو حقهم، أو كما قال -الشيخ محمد عبده-: هو حق لكل مسلم يقرع به أدناهم أنف أعلاهم، أو قل: هم ناصحون، «والدين -كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم- النصيحة»، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم»، والله أكبر، والعزة للإسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكلنشر في العدد 233
70
الثلاثاء 21-يناير-1975