العنوان لا يسخر قوم من قوم
الكاتب عبدالله عبدالرحمن الشتري
تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1985
مشاهدات 105
نشر في العدد 740
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 05-نوفمبر-1985
قال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا
خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا
مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ
هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (سورة الحجرات: ۱۱)
إن المتأمل في
هذه الآية التي لا تتجاوز أربعة أسطر يدرك عظمة المنهج القرآني في سياسة الإسلام
العالمية.
على أساس من
الوحدة القائمة على الأخوة، وفي تحصينهم تحصينًا متينًا ضد المذاهب الهدامة
اللاحقة لنزول القرآن وإلى أبد الدهر، لأن تلك المذاهب الهدامة لا تنمو إلا حيث
يوجد هوة واسعة بين طبقات الأمة ودرجاتها، بحيث تكون تلك الهوة الواسعة بحرًا من
الاحتقار والازدراء والسخرية بالآخرين، ومن هنا تكون القطيعة التي لا عودة بعدها
إلى الأخوة ما لم يعد المسلمون إلى قرآنهم وسنة نبيهم «صلى الله عليه وسلم» ومنهاج
دينهم في سبيل إسعادهم تحت ظلال المحبة والأخوة الإسلامية.
وإن الأخوة
الإسلامية، وتحويل المجتمع الإسلامي إلى وحدة متماسكة لا يقضي عليه شيء قدر ما
يقضي عليه التناحر واتساع الهوة بين طبقات المجتمع، ولا تتسع الهوة بين طبقات
المجتمع إلا بتأثير السخرية والاستهزاء واحتقار فريق لفريق آخر، ومن ثم ينشأ
النظام الطبقي الحاقد بعضه على بعض، ومن ثم يستغل أعداء الإسلام هذا الحقد أسوأ
استغلال إذ يستميلون المحتقرين الذين سخر منهم المسلمون إلى صفوفهم، ويدفعونهم إلى
ما يسمونه بالحرب الطبقية لاسترداد العزة والكرامة، وما يلبثون أن يسخروهم لهدم
الإسلام. إذ يوهمونهم أن الإسلام لم يستطع حماية كرامتهم من عبث إخوانهم المتعالين
عليهم.
وكما تشمل
السخرية سخرية الغني من الفقير تشمل سخرية من ستر الله ذنبه ممن كشفه الله وسخرية
القوي من الضعيف، وغير ذلك من أنواع السخرية والاستهزاء الممقوتة في دين الإسلام
ولقد شدد الرسول «صلى الله عليه وسلم» النكير على احتقار المسلمين بعضهم بعضًا،
فقال فيما أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه «بحسب أمرئ من الشر أن يحقر أخاه
المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه أشار النبي «صلى الله عليه
وسلم» إلى أن احتقار المسلم أخاه المسلم هو نهاية الشر الذي يصيب الإنسان وصدق
رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فإن سخرية المسلمين بعضهم من بعض مع أنها عمل يحول
المسلمين من وحدة متماسكة برباط الأخوة إلى طبقات متناحرة حاقدة وفوق هذا فهي عمل
موجه ضد جماعة المسلمين كلها، ألا تسمع قوله تعالى ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾
(سورة الحجرات: 11) أي لا تعيبوا أنفسكم فأنت حينما تحتقر غيرك لعيب فيه إنما
تحتقر نفسك وتطعن نفسك وتعيب نفسك لأنك عرضت نفسك للعيب ممن عبته ثم ما يلبث هذا
المرض أن يسري بين الجماعة، حتى يصبح مجتمع المسلمين كله موجات صاخبة من الشتائم
والعيب ولا شيء غير ذلك.
أيها الإخوة:
فتشوا ما بينكم من أخطاء ربما تبدو في ظاهرها بسيطة أو تبدو وكأنها مظهر من مظاهر
المزاح والتسلية ولكنها في الواقع معول هدم ينقض بناء الأخوة الإسلامية ويحوله إلى
بركان من العداء والطبقية الممقوتة واتقوا الله ولا يسخر إنسان من إنسان ولا
يستغبيه ولا يناديه بما يكرهه من الأسماء لأن هذه العيوب الثلاثة هي الآفة التي تقضي
على مجتمع الجسد الواحد الذي بناه الرسول «صلى الله عليه وسلم» بدماء أصحابه الزكية
فلا تستجيبوا لداعي النفس والشيطان بإظهار معايب إخوانكم والسخرية منهم فإنكم بذلك
تهدمون الركيزة الرئيسية التي يكون بها نصر المسلمين على عدوهم وهي الوحدة
والتكامل في بناء المجتمع ولقد سمى الله تعالى من لم يتب من هذه الآثام وهي
السخرية من المسلمين وعيبهم والتنابز بالألقاب سماهم الظالمين في قوله: ﴿وَمَن
لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (سورة الحجرات: 11).
ظلموا أنفسهم
وظلموا مجتمعهم وظلموا أفراد مجتمعهم وظلموا شريعة الله بأن نسبوا إليها ما ليس من
أخلاقها فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم.
والله الموفق
والهادي إلى سواء السبيل.