; لبنان: المفاوضات.. وماذا وراءها؟ | مجلة المجتمع

العنوان لبنان: المفاوضات.. وماذا وراءها؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1983

مشاهدات 98

نشر في العدد 605

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 25-يناير-1983

  • أطراف المفاوضات: إسرائيل تتلكأ، وأمريكا ولبنان تستعجلان.

  • الهاجس الذي يقلق أمريكا وإسرائيل هو تحرك الإسلاميين للجهاد

  • إسرائيل تريد لبنان رديفًا لها وأمريكا تريد لبنان ندًّا لإسرائيل.

المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تظل تراوح في مكانها بين تصلب إسرائيلي وتذمر لبناني وسلبية أمريكية، إلى أن يدفعها المندوب الأمريكي دفعة خفيفة إلى الأمام بمبادرة منه فتخرج وسائل الإعلام لتعلن عن تقدم المفاوضات في طريق السلام.

وقبل أيام أعلن عن الاتفاق على تشكيل لجان فرعية أربع للإسراع في عملية المفاوضات، بالإضافة إلى لجنة خاصة تم تشكيلها يوم الإثنين 1983/1/17، وهذه اللجان الخمس تتناول كل منها بندًا من البنود الخمسة التي اتفق في وقت لاحق على أن تكون «جدول أعمال» المفاوضات، وهي كما يلي:

۱- إنهاء حالة الحرب: ويمثل اللجنة المختصة بهذا البند من الجانب اللبناني أنطوان فتال.

 ٢- الترتيبات الأمنية: وقد شكلت لهذا البند لجنة يمثلها من الجانب اللبناني العقيد منير رحيم.

3- إطار العلاقات المتبادلة: ويمثل الجانب اللبناني في اللجنة المختصة بهذا البند كل من إبراهيم خرما وهاني الأمين ويتضمن إطار العلاقات مسائل:

- الاتصال.

- وإنهاء الحملات الدعائية العدائية.

- وحركة البضائع والأشخاص.

- والمواصلات وغيرها.

4- برنامج الانسحابات الكاملة: ويتضمن هذا البرنامج ظروف الانسحاب الإسرائيلي في إطار انسحاب جميع القوات غير اللبنانية، وقد مثل اللجنة المختصة ببحث هذا الأمر من الجانب اللبناني كل من العقيد عباس حمدان والمقدم سعيد قعور.

٥ - الضمانات المحتملة: وشكلت لها لجنة يمثلها من لبنان أنطوان بارود.

هذا وقد ذيل جدول الأعمال المذكور بملاحظة تشير إلى أنه غير ملزم للأطراف المعنية، وأنه يمكن لكل وفد إثارة مواضيع أخرى بالإضافة إلى جدول الأعمال.

وكان اليهود قد وضعوا شروطًا ثلاثة للانسحاب رفضها الجانب اللبناني وهي:

 ١- أن يتولى جنود إسرائیلیون تشغيل محطات إنذار مبكر تقام في لبنان.

 ۲ - عدم السماح بنشر قوات أجنبية ضمن الحزام الأمني الفاصل بين جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة.

3 - منح امتيازات خاصة للرائد اللبناني العميل سعد حداد المتحالف مع إسرائيل.

بين التلكؤ والتعجل

وفي الوقت الذي تتلكأ فيه إسرائيل عن عمد فإن كلًّا من لبنان والولايات المتحدة تريد أن تنتهي من المفاوضات باتفاق في أسرع وقت ممكن. وكل منهما ينطلق من أهداف مختلفة، فلبنان حريص على انسحاب كافة القوات «غير اللبنانية» من أراضيه، ليتم السيطرة الكاملة للحكومة اللبنانية على كافة أرجاء لبنان وبدعم عربي وغربي. وفي الوقت الذي يحرص فيه الكتائبيون على انسحاب إسرائيل فإنهم يودون توقيع معاهدة سلام تتعدى نطاق حسن الجوار إلى التحالف الاستراتيجي الفعلي بين «لبنان المسيحي» و«إسرائيل اليهودية»، إلا أن الحكومة اللبنانية لا تتعجل مثل هذه الاتفاقية أو التحالف مع إسرائيل، وإنما تود أن يكون دورها التمهيد حتي يكون الصلح مع إسرائيل جماعيًّا عربيًّا؛ تفاديًا للإحراج وأملًا في الحصول على الدعم الاقتصادي والسياسي العربي.

أما الولايات المتحدة فإنها تود أن تنتهى من قضية لبنان وهي التي خططت وشاركت في أحداث هذه القضية؛ لتكون معبرًا إلى تصفية القضية المزمنة في الشرق الأوسط- وهي قضية فلسطين- وحلها حلًّا نهائيًّا يضمن لأمريكا الأهداف التالية:

۱- ضمان وجود إسرائيل وأمنها واستقرارها.

۲- ضمان وجود دولة نصرانية في لبنان رديفة للدولة اليهودية في فلسطين.

3- ضمان المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، عن طريق ضمان استقرار أنظمة الحكم المتسلطة على رقاب الجماهير العربية، والتي تقايض استمرارها في الحكم باستمرار وديمومة المصالح الأمريكية في المنطقة العربية. 

ومن المعروف عن أنظمة الحكم الغربية أنها بمقدار ما تحرص على الديمقراطية في بلادها باعتبارها مصدر قوة لها، بمقدار ما ترتعد خوفًا من نسيم الحرية أن يهب على شعب من الشعوب المغلوبة على أمرها، فتبادر على الفور بتحذير «الحكام» من أن يفلت زمام الأمور بيد الغوغاء؛ مما يضطر أمريكا إلى التلويح بقوات «التدخل السريع»!

أمريكا تخشى «انفجار» المنطقة

وفي الحقيقة فإن الولايات المتحدة أخشى ما تخشاه هو حدوث انفجارات جماهيرية في المنطقة العربية تقلب الموازين لغير صالح أمريكا وإسرائيل، باعتبار أن المؤهل لقيادة هذه الانفجارات المتوقعة في المستقبل القريب هم الإسلاميون، ذلك أن كافة «الأيديولوجيات» غير الإسلامية في المنطقة العربية قد تساقطت واحدة إثر الأخرى، رغم محاولات «النفخ» في رمادها بين الحين والآخر، عن طريق كتاب ربما أجادوا صناعة الكتابة ولكنهم لا يجيدون بالتأكيد تحسس المشاعر الحقيقية للجماهير العربية المضطهدة، ولا يستطيعون أن يدخلوا إلى ضميرها لأنهم وجدانيًّا منسلخون عن ضمير هذه الأمة مرتبطون بالأجنبي مبهورون به.

وقد عبر عن هذه المخاوف من انفجارات مقبلة السيناتور الأمريكي الديمقراطي «بول سوندرز» في مقابلة مع إذاعة صوت أميركا يوم الخميس الماضي حيث قال: «إنه إذا لم يتحقق تقدم ملموس خلال ثلاثة أو ستة أشهر فإن المنطقة قد تكون مقبلة على انفجار جديد» والانفجار الجديد الذي يتوقعه الأمريكان ليس هو حربًا بين أنظمة عربية وإسرائيل إلا إذا أرادت إسرائيل أن تحتل أراضي جديدة، وحتى في هذه الحالة فإن الجيوش العربية التي أفسحت الطريق لقوات بني صهيون في لبنان، والتي قدمت الورود لجيش الدفاع الإسرائيلي والتي فرضت طوقًا محكمًا حتى لا يصل المدد إلى المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين المسلمين.. إن هذه القوات التي وقفت مشدوهة وهي تشهد البطولة الخارقة للعادة لدى حفنة من الفدائيين والميليشيات المسلحة، لا يمكن أن تتصدى لإسرائيل، لأنها لم تُعدّ أصلًا لذلك، ولو أنها أعدت لهذا الأمر ما حصلت على قطعة سلاح واحدة.

ليس من المتوقع أن تقوم إسرائیل بهجوم جديد، إلا إذا كان ضمن الخطة العامة لتركيع هذه الجماهير وضربها في المهد، قبل أن تصبح قوة متحركة فاعلة تجرف من طريقها كل من يقف بينها وبين حقها في الحرية والكرامة والعدالة، التي لا تتحقق بغير الإسلام عقيدة ومنهجًا.

إسرائيل غير مستعجلة

ولذلك فإسرائيل غير مستعجلة على الخروج من لبنان إلا إذا كان ثمن الخروج من لبنان باهظًا وهو أن تصبح لبنان «رديفًا» لإسرائيل. 

ويبدو أن هذه هي نقطة الخلاف بين أمريكا وإسرائيل، فالأولى تريد للبنان المسيحي أن يكون ندًّا لإسرائيل اليهودية، وإسرائيل لا تريد أن تخرج من لبنان قبل أن تضع الأسس الكفيلة بتحقيق مجموعة من الدول الطائفية في لبنان، قبل أن تقفز إلى بلد عربي آخر لتلعب فيه نفس اللعبة وهكذا.. ولكن أمريكا ترى في ترويض حكام المنطقة الذين يقومون بدورهم بترويض شعوبهم خير ضمانة للمصالح الأمريكية، ويظل الهاجس الذي يقلق الطرفين- إسرائيل وأمريكا- دائمًا هو هاجس الإسلام والمسلمين وهم يتحركون لاستلام راية الجهاد فيقلبون الموازين رأسًا على عقب؛ ولذلك تتحرك كل منهما وبطريقتها الخاصة لمنع حدوث مثل هذا الأمر الخطير بالنسبة لهما، ويجري التنسيق بينهما وبين كل أعداء الإسلام والمسلمين حتى لا تشتعل النار فتحرقهم جميعًا، وتكون بردًا وسلامًا على «المستضعفين في الأرض».

قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (الصف: 5-6) وأمثال فرعون وهامان وجنودهما في هذا الزمان كثر، والمستضعفون من المسلمين اليوم كثيرون.

فليحذر الأمريكان واليهود وجنودهما، فنصر الله آتٍ ولن تظل هذه الأمة قطيعًا من الغنم ينهشها الذئب شاة بعد شاة وهي مستسلمة خائفة، تستنجد من الذئب الأصغر بالذئب الأكبر وتفرط في الحقوق حقًّا إثر حق، وتبارك للسارق ما سرق وترفع يديها استسلامًا، وتحني رأسها استخذاءً ليغفر لها زلتها أنها لم تستسلم له من زمن، وتلبسه رداء الشرعية ليمن عليها بالبقاء.. مجرد البقاء!!

يا إلهي.. كم هو الانحدار السحيق الذي وصلنا إليه مع بعدنا عن الإسلام! يا إلهي.. ارفع مقتك وغضبك عنا واهدنا الصراط المستقيم، ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين، فإننا قد ضللنا السبيل.. يا إلهي.. خذ بيدنا بعد أن تفرقت بنا السبل، فلم نعد ندري أين سبيل الخلاص إلا من رحمت، فثبت أقدام جندك وانصرهم بنصرك، فلا منجى مما نحن فيه إلا بالعودة إليك والجهاد في سبيلك.

الرابط المختصر :