العنوان توتر يسود البلاد.. وانتكاسة في العلاقات بين بيروت ودمشق.. لبنان بين خيارَيْ..العدالة أو الاستقرار!!
الكاتب فادي شامية
تاريخ النشر السبت 23-أكتوبر-2010
مشاهدات 104
نشر في العدد 1924
نشر في الصفحة 16
السبت 23-أكتوبر-2010
«حزب الله» سحب تأييده للمحكمة الدولية في اغتيال الحريري متهما إياها بالتسييس وبتحوّلها إلى أداة غربية ضده.
.. وفريق «سعد الحريري» يرى أن مستقبل لبنان مرتبط بالمحكمة الموكول إليها إنهاء عهد الاغتيالات السياسية.
الأمم المتحدة لم تتراجع عن محكمة أنشأتها من قبل.. والأمر لم يعد بيد لبنان بعد قيام المحكمة عبر مجلس الأمن الدولي.
توتر واضح يسيطر على لبنان هذه الأيام، مع اقتراب صدور قرار الاتهام في جريمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري في ١٤ فبراير ۲۰۰٥م، وباقي الاغتيالات الأخرى..
وعلى خلفية استشعار حزب الله ، إمكانية اتهام عناصر تنتمي إليه بجريمة اغتيال الحريري، فقد سحب الحزب تأييده للمحكمة الدولية، متهما إياها بالتسييس، وبتحولها إلى أداة في يد الغرب ضده، مطالبًا إياها بالتحقيق في فرضية أن «إسرائيل» هي التي اغتالت الحريري استنادًا إلى معطيات قدمها أمين عام الحزب «حسن نصر الله» «لم يتهم أي طرف لبناني، «حزب الله» .. لكن الحزب يقول: «إنه سيتهم بناء على معطيات لديه من بينها الأسئلة التي تم توجيهها إلى عناصره الحزبية المستمع إلى إفاداتهم».
ويخوض «حزب الله» هذه الأيام حربًا ضروسًا لضرب المحكمة تارة من مدخل ضرورة محاكمة «شهود الزور»، وهو الوصف الذي يطلقه «حزب الله» وحلفاؤه على مجموعة من الشهود الذين أدلوا بشهادات أمام لجنة التحقيق، ثم نقضوها علانية بعد الإدلاء بها، وتارةً من خلال المطالبة بوقف تمويل المحكمة «حصة لبنان من تكاليف المحكمة الملتزمة بها الحكومة اللبنانية بحكم الاتفاقية الموقعة مع الأمم المتحدة بهذا الخصوص»، وتارة من خلال المطالبة بسحب القضاة اللبنانيين من المحكمة، وتارةً من باب مطالبة رئيس الوزراء اللبناني برفض مسبق لقرار الاتهام.
تباين في المواقف
وعلى النقيض من «حزب الله»، يتمسك رئيس الحكومة سعد الحريري وحلفاؤه بالمحكمة الدولية، إذ ليس - من وجهة نظرهم ثمة بديل واقعي عنها، فضلا عن أن التشكيك في مصداقيتها لا يستند إلى أي معطى يمكن الركون إليه.
وأكثر من ذلك؛ يعتبر الحريري وفريقه السياسي والإعلامي أن مستقبل لبنان مرتبط بالمحكمة الموكول إليها إنهاء عهد الاغتيالات السياسية من خلال معاقبة المجرمين، وأن تفويت هذه «الفرصة» على لبنان من شأنه أن يدمر الحياة السياسية، وأن يجعل الجميع في لبنان في دائرة الخطر، إذ لا تستبعد أوساطه أن يُقدم من اغتال رفيق الحريري على اغتيال نجله، أو أي رئيس حكومة أو زعيم أو سياسي آخر، إن أفلت القتلة من العقاب.
هذا التباين في المواقف يجعل لبنان بين أحد خيارين؛ إما الاستمرار في المطالبة بـ«الحقيقة والعدالة» بغض النظر عن كون المحكمة الدولية تمثل العدالة فعلا أم لا، على اعتبار أن ما يطالب به الفريق المعارض للمحكمة هو طي هذه الصفحة، ورفض قرار الاتهام مسبقًا، دون معرفة مضمونه، ودون معرفة على أي أدلة استند .. وإما الحفاظ على الاستقرار الهش على أساس أن الفريق الرافض للمحكمة يملك منفردًا قوة عسكرية منظمة ومسلحة، وقادرة على مواجهة الأجهزة الأمنية الرسمية والسيطرة على البلد، فضلا عن أن التباين بشأن المحكمة ينذر بفتنة بين جمهورين كبيرين هما: جمهور «تيار المستقبل» الذي يمثل غالبية السنة في لبنان، وجمهور «حزب الله» الذي يمثل – مع «حركة أمل» - غالبية الشيعة في البلاد، ما يعني تأجج الصراع المذهبي المتزايد راهنا في لبنان والمنطقة.
الموقف الإقليمي والدولي
من المعلوم أن لبنان يتأثر بالأجواء الإقليمية المحيطة به، وأن المحكمة ما كان لها أن تقوم أصلا لولا الدعم الإقليمي والدولي لمطلب قيامها، ورغم الجهد الكبير الذي بذلته سورية - وحلفاؤها وحلفاء إيران في لبنان لإعاقة قيام هذه المحكمة، فإن الحكومة اللبنانية نجحت في تخطي كل العقبات إلى أن أصبحت المحكمة حقيقة قائمة .. عندها أعلنت سورية أنه لا علاقة لها بهذه المحكمة، وأنه في حال اتهام سوريين بالجريمة - وجرائم الاغتيال المرتبطة بها - فإنها ستحاكم المتهمين في سورية بمعزل عن المحكمة الدولية.
ومازال الموقف السوري على هذه الحال لكن في الآونة الأخيرة أضيفت إليه تحذيرات من أن المحكمة سوف «تُغرق لبنان في جولة جديدة من الصراع الأهلي» «تصريح لوزير الخارجية السوري في ٢٨ سبتمبر ۲۰۱۰م».
وعدا سورية وإيران، فإن معظم دول العالم تؤيّد هذه المحكمة، رغم المخاوف على الاستقرار في لبنان، وفي طليعة الدول العربية المؤيدة للمحكمة المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية.. أوروبا وروسيا موقفهما واضح وموحد في دعم المحكمة وكذلك تركيا، وقد أكد وزير خارجيتها «أحمد داود أوغلو» - في ۲۸ سبتمبر الماضي - أن «المحكمة الدولية مسألة عدالة، ولا أظن أن السوريين سيعترضون على كشف هوية من قتل «رفيق الحريري»، وإنني لا أرى أية مشكلة».
موقف الولايات المتحدة واضح من المحكمة أيضا، وقد أعلنت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة «سوزان رايس» أن على الجميع التذكر أن الحكومة والشعب اللبنانيين هما اللذان طلبا المحكمة، وأن الأمم المتحدة قدمت الدعم لرغبتهما في إنهاء الإفلات من العقاب (٢٠١٠/١٠/٧م).
يُفهم مما سبق أنه يصعب تخطي واقع المحكمة الدولية، ولو كان قرارها المرتقب من شأنه هز الاستقرار في لبنان «إذا ما اتهم عناصر من «حزب الله» بالاغتيال»، والدليل على ذلك أن أطرافا لبنانية رافضة للمحكمة - أو متخوفة من تداعيات أحكامها - حاولت مساومة فرنسا على سحب تأييدها للمحكمة لكنها لم تفلح .. أضف إلى ذلك أن ليس ثمة سابقة دولية لتراجع الأمم المتحدة عن محكمة أنشأتها من قبل، وأن الأمر لم يعد بيد الدولة اللبنانية بعد قيام المحكمة عبر مجلس الأمن الدولي!.
العلاقات اللبنانية السورية
في الثالث من أكتوبر ٢٠١٠م ، أصدر قاضي التحقيق الأول في دمشق مذكرات توقيف غيابية بحق ۳۳ شخصية لبنانية وعربية وأجنبية «الشخصيات اللبنانية عددها ٢٦» بناءً على دعوى رفعها اللواء اللبناني المتقاعد «جميل السيد » بحقهم أمام القضاء السوري بدعوى أن هؤلاء جميعا تسببوا بسجنه أربع سنوات في قضية اغتيال الحريري دون دليل قاطع ، وأن القضاء اللبناني لم يحاكم «شهود الزور»، ما ألجأه إلى القضاء السوري على أساس وجود شهود سوريين من بين المتهمين «تم إسقاط اسم النائب وليد جنبلاط من بين المدعى عليهم، بناءً على تغيير مواقفه السياسية».
أصابت هذه المذكرات الصادرة عن القضاء السوري اللبنانيين بصدمة كبيرة، لاسيما مؤيدو الرئيس الحريري، نظرا إلى الجهود الكبيرة التي بذلها الحريري لتحسين العلاقات اللبنانية السورية، بمعزل عن ماهية قرار الاتهام الذي سيصدر.. فإذا بهذه «الخطوة القضائية السياسية» تأتي لتعيد الأمور إلى نقطة الصفر أو قريبًا منه، على مستوى بناء الثقة.
وهكذا، قرئت المذكرات في بيروت على أنها مزيد من الضغط السياسي على الرئيس الحريري، ذلك أنها من الناحية القانونية بلا أسس، على اعتبار أن المدعي والمدعى عليهم غالبيتهم لبنانيون، وأن الفعل محل الدعوى وقع على الأراضي اللبنانية، وأن القانون الجزائي السوري نفسه يعتمد - كما اللبناني - على عامل المكان كأساس للصلاحية، انطلاقًا من مبدأ سيادة كل دولة على أراضيها. هذا، فضلا عن مخالفتها نصوص الاتفاقية القضائية الموقعة بين البلدين عام ١٩٥١م، وتجاوزها الحصانات النيابية والقضائية والأمنية التي يوجب القانون اللبناني احترامها .
كما أنه ليس ثمة دولة ذات سيادة يمكنها أن تقبل تنفيذ مذكرات صادرة بحق «دولتها كلها»، إذ اشتملت المذكرات على أسماء تشغل حاليًا أو شغلت سابقا - مواقع دستورية الدولة اللبنانية هي المخولة تنفيذ مذكرات التوقيف والسهر على سير العدالة أصلا!.
فمن المطلوبين للقضاء السوري: المدعي العام التمييزي الحالي والمحقق العدلي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والمحقق العدلي الثاني في اغتيال الحريري ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي، ورئيس غرفة العمليات فيها ، ورئيس شعبة المعلومات الحالي والسابق، والمسؤول عن الأمن القومي في شعبة المعلومات والمساعد الثاني السابق لمدير استخبارات الجيش اللبناني، ونائب حالي، ونائب سابق، ووزيران سابقان للداخلية والعدل، وشخصيات أخرى!!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل