; لبنان.. كامب جديد في العام الجديد | مجلة المجتمع

العنوان لبنان.. كامب جديد في العام الجديد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1983

مشاهدات 58

نشر في العدد 602

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 04-يناير-1983

* سيخرج من رحم هذه الأمة رجال يستأصلون السرطان اليهودي من جذوره

* عربة التسوية الأمريكية تلتقط راكبًا آخر.

في الوقت الذي كانت فيه الاستعدادات تجري على قدم وساق لعقد أول مفاوضات تجري بين لبنان والكيان اليهودي بعد مفاوضات رودس 1949، كانت هنالك مفاوضات أخرى غير رسمية تجري بين عدد من رؤساء البلديات السابقين في الضفة الغربية وغزة، وبين عشرة من أعضاء الكونغرس الأمريكي وزوجاتهم بقيادة النائب لي هاملتون.

وخلال هذه الفترة كان وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز قد اجتمع مع رئيس بلدية حلحول المبعد محمد ملحم. وتطالعنا وكالات الأنباء هذه الأيام عن مفاوضات تجري بين ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية وبين مندوبي الكيان اليهودي في النمسا بإشراف المستشار النمساوي كرايسكي الذي كان له دور واضح في التمهيد لاتفاقيات كامب ديفيد.

السلام على الطريقة الأمريكية

فما هو القاسم المشترك الأعظم لهذه المفاوضات جميعًا؟ إنه السلام. وأي سلام هذا؟ إنه السلام على الطريقة الأمريكية، أي الاعتراف بإسرائيل، ويجب على اللبنانيين والفلسطينيين أولًا وقبل كل شيء أن يعترفوا بإسرائيل، لكن هناك خلافًا -ولا نقول- بين وجهتي النظر الأمريكية والإسرائيلية، فعلى حين تصر أمريكا على ضرورة اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل الآن وقبل أي شيء آخر، فإنها تتحفظ على اعتراف لبنان بإسرائيل الآن حتى لا تحرج أطرافًا عربية أخرى تود أن يكون الاعتراف بإسرائيل جماعيًّا، ولكن بشروط تحفظ إلى حد ما ماء الوجه، وهذه الشروط هي انسحاب إسرائيل من الضفة والقطاع، وسيان بعد ذلك أن تقوم في الضفة والقطاع دولة فلسطينية مستقلة أو متحدة مع الأردن، بينما ترى إسرائيل أن على لبنان أن يعترف بإسرائيل الآن وقبل أن يطلب منها الانسحاب من لبنان. أما منظمة التحرير الفلسطينية فليست إسرائيل في حاجة إلى اعترافها بها لأنها في نظر إسرائيل منظمة إرهابية.

ملاحظات حول المفاوضات:

ولنبدأ بلبنان: المفاوضات التي جرت بين اللبنانيين والإسرائيليين في خلدة، والتي استمرت ست ساعات جرت هذه المرة بهدوء رسمي شامل؛ بعكس المفاوضات التي جرت بين مصر وإسرائيل عامي 78- 1979. ففي حين جوبهت مفاوضات مصر وإسرائيل بضجيج إعلامي عربي معاد؛ نجد معظم أجهزة الإعلام الرسمية العربية تذيع أخبار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية خالية من الانفعالات الغاضبة، بل بالعكس.. تحمل معنى الغبطة والخوف عليها من الفشل. ومن الأمور الملفتة للنظر أن تتوقف المعارك بين الموارنة والدروز بإنذار من إسرائيل بأن على الطرفين أن يتوقفا عن الاقتتال طيلة المفاوضات التي تجري في خلده، وإلا فستضرب إسرائيل مصدر النيران أيًّا كان. وقد التزم الطرفان بوقف إطلاق النار فعلًا، وهذا يدل دلالة قاطعة على أن إسرائيل قادرة على إيقاف أعمال العنف في لبنان لو شاءت، بل هذا يدل بالقطع على أن إسرائيل وراء كل ما يجري من أعمال عنف في لبنان.

والملاحظة الأخرى الملفتة للنظر، والتي لم يحدث مثيل لها في التاريخ: هي إحاطة فندق «ليبانون بيتش» بقوات إسرائيلية- لبنانية مشتركة لحراسة المتفاوضين في هذه المنطقة المحتلة من لبنان، وهذا أمر في منتهى الغرابة.. أن يقوم الجيش الغازي مع الجيش الذي وقع على بلاده الغزو بمهمة أمنية مشتركة وكأنهما حليفان لعدو واحد!

أما الملاحظة الثالثة: فهي أن اليهود بعد ما فشلوا في جعل المفاوضات تجري بالتناوب بين القدس وبيروت، لتأكيد اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، أصروا على أن تجري المفاوضات في خلدة وكريات شمونة بالتناوب، ولهذا الإصرار في الاختيار مغزاه عند اليهود الذين لا يتهاونون حتى في الرموز؛ فكريات شمونة كانت هدفًا دائمًا لصواريخ الفدائيين، وخلدة شهدت أعنف المعارك في جنوب لبنان على الإطلاق بين القوات المشتركة واليهود، ولم يستطع اليهود أن يحتلوا خلدة إلا بعد محاولات متكررة فاشلة وخسائر جسيمة في المعدات والأرواح. فاختيار بلد الصمود الذي تحطم في خلدة وبلد الرعب الذي زال في كريات شمونة كان له مدلوله بلا شك.

ثم هناك ملاحظة رابعة تستحق التوقف عندها: فرئيس الوفد اللبناني «أنطوان فتال» ألقى خطابه في الجلسة باللغة الفرنسية؛ بينما الجالسون أمامه يهود وأمريكان، فهم يتكلمون العبرية والإنجليزية، أما هو فمن المفروض أنه عربي ينطق العربية.. ولعل ما أثار دهشة مراسلي الصحف ووكالات الأنباء أن يصف نفسه بأنه «حيوان ناطق بالفرنسية».

وعلى حين نجد المندوب الأمريكي «موريس درايبر» يحاول أن يمسك العصا من الوسط فيوحي بأن اليهود وعدوا بالانسحاب الكامل من لبنان، ويوحي بأن اللبنانيين جادون في تحقيق السلام مع الجار الذي «قدر له تاريخيًّا وجغرافيًّا أن يوجد إلى جواره» وأن هذه «نظرة إلى المستقبل» أيضًا.

ولقد سبقه المندوب اللبناني في التأكيد على تمسك لبنان باتفاقية الهدنة المعقودة مع إسرائيل، وأنه لم يخض أية حرب ضد إسرائيل، وأن الوجود الفلسطيني في لبنان والذي كان مصدر اضطراب خطير لم يكن لبنان مسئولًا عنه، وبالتالي لا يمكن أن يحاسب عليه، وأعلن ارتباط لبنان بالأطراف الأخرى المعنية بالسلام، وهذا ما يمنعه من القيام «بأي عمل من شأنه إعاقة السلام في المنطقة».

أما المندوب اليهودي الخبيث «ديفيد كيمش» فقد زعم أنه لا توجد حالة عداء بين إسرائيل ولبنان، وأن ما قامت به إسرائيل إنما هو لتحقيق أمن لبنان واستقلاله، وأن هذه الأعمال انتهت بإخراج الفلسطينيين، ولذلك «فليس هناك ما يمنع الآن من أن نعيش جميعًا في صداقة وجوار وسلام».

ومن المعروف أن كيمش هذا هاجر إلى فلسطين من بريطانيا وعمل مع عصابة الهاجناه ومع جهاز المخابرات الإسرائيلي «الموساد».

هكذا تجد لبنان نفسها وهي تجلس إلى مائدة المفاوضات وكأنها حمل وديع يجلس أمام ذئب مفترس لا حول لها ولا قوة، ولا تملك من مقومات الضغط إلا أن تلتصق بالذئب الأكبر مندوب أمريكا لعله «ينهر» على الذئب الصغير ويوقفه عند حده.

ويوم هتف السادات في الكنيست الإسرائيلي «حرب أكتوبر آخر الحروب» ضحك بيغن وافتر ثغره عن أسنان حادة ومهشمة، ثم ابتلع ريقه وهو يقول في نفسه: «الضربة القادمة ستكون لبنان» ويوم استبعد النظام المصري الخيار العسكري كانت الأنظمة العربية التي تدعي الصمود قد استبعدته أيضًا. ويقينًا أن الخيار العسكري والصمود والتصدي لم يكن موجودًا في أذهان تلك الأنظمة، أما الآن فإنه قد استبعد كلية لتحل محله المفاوضات التي ترعاها أمريكا، وحتى نكون منصفين فإن الجماهير العربية في مجملها وخاصة الإسلامية منها لا تزال ترى -وهي على حق- أن الخيار العسكري هو الخيار الوحيد على المدى البعيد الذي سيستأصل السرطان الإسرائيلي من جذوره ويعيد إلى هذه الأمة الطمأنينة والسلام، وأكبر دليل على ذلك ما هتف به الإسلاميون في مصر مؤخرًا من وراء القضبان: «أيها اليهود جيش محمد قادم!».

ماذا يجري في الضفة والقطاع؟

والآن.. لننتقل إلى فلسطين المحتلة: تفيد الأنباء الواردة من الأرض المحتلة أن إلياس فريج رئيس بلدية بيت لحم كتب ما عرف باسم «وثيقة السلام الفلسطينية» التي وقع عليها معه أربعة من رؤساء البلديات السابقين في الضفة الغربية وقطاع غزة وهم: حكمت المصري رئيس البلدية نابلس السابق، ورشاد الشوا رئيس بلدية غزة المقال، وأنور الخطيب رئيس بلدية القدس السابق، ونديم الزرو رئيس بلدية رام الله السابق. وقد تضمنت هذه الوثيقة:

1- الدعوة إلى اعتراف متبادل بين إسرائيل والمنظمة.

2- التسوية السلمية للقضية الفلسطينية.

3- وقف عملية الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.

4- دعم مقررات فاس.

5- دعم التقارب والتنسيق بين الأردن ومنظمة التحرير ودعوة المنظمة للموافقة على قراري مجلس الأمن 242 و338.

6- حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره السياسي.

وقد وقع على الوثيقة عدد قليل من أبناء الضفة والقطاع، ثم ووجهت بمعارضة قوية وجرت محاولات لتعديلها، ومن ثم اتفق على تجميدها.

ولعل هذه الوثيقة هي التي قامت إلى وفد الكونغرس الأمريكي برئاسة هاملتون أثناء الحوار الذي دار مع رؤساء البلديات المذكورين بعد مبادرة ريغان.

وأما «محمد ملحم» فقد اجتمع مع شولتز في الولايات المتحدة في النصف الأول من شهر ديسمبر 1982م. ومعروف عن ملحم أنه يؤيد منظمة التحرير، ولذلك اعتبر اجتماعه بالمسئول الأمريكي اتصالًا أمريكيًّا غير مباشر مع منظمة التحرير. وقد حاول ملحم أن يقنع أمريكا باستعداد المنظمة للاعتراف بإسرائيل في حالة انسحابها من الضفة والقطاع. ومن المعروف أن مصطفى دودين رئيس «روابط القرى» التي أنشأتها إسرائيل قد سبق ملحم إلى أمريكا، ولكن المسئولين الأمريكيين لم يهتموا به.

وأما اجتماع ياسر عرفات مع كرايسكي والحديث عن مباحثات بين مندوبي منظمة التحرير ومندوبي إسرائيل قيل إنها تناولت موضوع الأسرى، ويبدو أنها أبعد من ذلك.

والخلاصة أن هناك صراعًا سياسيًّا مريرًا وسباقًا مع الزمن أطرافه المباشرون اليهود واللبنانيون والفلسطينيون، ويقف من وراء هذا الصراع الأمريكان وبعض العرب بنسب متفاوتة. وكل يحاول أن يجذب الحبل إلى جهته.. ويخشى أن يفلت الحبل فتضيع «فرصة العمر».

أما نحن فنقول: إن هذا الزمن الذي وصل فيه تقهقر الحال العربية إلى هذه الدرجة لغياب منهج الله من واقع الحياة لن يطول أبدًا بإذن الله، وسيخرج من رحم هذه الأمة التي أعياها المخاض رجال لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يخفضون جناح الذل إلا لله ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ (الفتح: 29) فلتتمط إسرائيل ما شاءت أن تمتطى.. ولتتمدد إسرائيل ما شاءت أن تتمدد.. فإنها إلى انهيار يوم يستكمل المسلمون صحوتهم وينطلقون إلى الجهاد.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

الرابط المختصر :