العنوان الخديعة الكبرى في خطة التسوية الأمريكية الجديدة
الكاتب د. عبد الله الأشعل
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-2001
مشاهدات 55
نشر في العدد 1433
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 09-يناير-2001
الخديعة الكبرى.. في خطة التسوية الأمريكية الجديدة
بعد التهام 78% من فلسطين.. واشنطن تعتبر التخلي عن 68% من الضفة فرصة نادرة للعرب
توطين 4.5 مليون لاجئ حيث هم.. مع تعويض تافه أو عودة 150 ألفًا بمعدل ألفين كل عام!
واشنطن تعرض حزمة إغراءات بالجملة على تل أبيب لتوقيع اتفاق التسوية في عهد كلينتون
يأبي الرئيس الأمريكي كلينتون إلا أن يثبت ولاءه المطلق للكيان الصهيوني حتى آخر يوم في حياته السياسية داخل البيت الأبيض، الأمر الذي دعا البعض إلى التساؤل: هل كلينتون مسيحي أم يهودي؟ ورغم الفشل المتكرر في إنجاز تسوية يدخل بها التاريخ، ويحقق للغاصب اليهودي اعترافًا حكوميًا من بعض أنصار التسوية، يقر له بشرعية الاغتصاب، فإن كلينتون يحاول المرة تلو المرة أن يصل إلى مبتغاه، وكان آخر تلك المحاولات ما سمي بالمقترحات الأمريكية التي طرحها كلينتون وناقشها مع عرفات الأسبوع الماضي.
ما خطة كلينتون، ومن المكاسب من ورائها، وما الإغراءات التي وعدت الولايات المتحدة بتقديمها للكيان الصهيوني؟
ذكرت مصادر صهيونية مطلعة أن الولايات المتحدة الأمريكية ستمنح الكيان الصهيوني حزمة مساعدات سخية، في حال تم التوصل إلى اتفاق التسوية الذي اقترح الرئيس الأمريكي بيل كلينتون توقيعه بين الصهاينة والسلطة الفلسطينية بحلول العاشر من شهر يناير الحالي.
وجاء في تقرير نشرته مؤخرًا صحيفة «معاريف» الصهيونية أن الاتفاق المرتقب بين الصهاينة والفلسطينيين سيتضمن إذا تم التوصل إليه بالفعل حزمة إغراءات، ومساعدات منقطعة النظير ستقدمها واشنطن لمساعدة رئيس الوزراء إيهود باراك في إقناع الصهاينة بدعم الاتفاق وتأييده.
وأوردت الصحيفة في تقريرها قائمة بأهم بنود صفقة المساعدات الأمريكية المرتقبة التي يتم في هذه الأثناء تخطيطها وتنسيقها بين واشنطن وتل أبيب في حال توصل إيهود باراك وياسر عرفات إلى اتفاق بشأن التسوية الدائمة للنزاع تأمل الأطراف أن يتم توقيعه قبل نهاية ولاية كلينتون، وقبل موعد انتخابات رئاسة الوزراء الصهيونية المقرر إجراؤها في السادس من فبراير المقبل.. وتشمل القائمة كما أوردتها الصحيفة البنود التالية:
تقديم تعويضات لليهود الذين هاجروا إلى فلسطين المحتلة من الدول العربية. وتقول الصحيفة إن سكرتير الحكومة الصهيونية إسحاق هرتسوج يقوم سرًا في الآونة الأخيرة بمتابعة هذا الموضوع مع الإدارة الأمريكية. ووفقًا لتقديرات صهيونية فإن عدد اليهود الذين سيستفيدون من مستحقات التعويض المحتملة في هذا الإطار يصل إلى حوالي 800 ألف شخص سيحصلون على تعويضات يتم الاتفاق مسبقًا على قيمتها.
رفع درجة العلاقات بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وتوقيع ميثاق «معاهدة» تعاون في إطار قيام حلف دفاع مشترك بين البلدين.
تقديم حزمة مساعدات أمريكية سخية للكيان تشمل مساعدات مالية خاصة، ومساعدات عسكرية تتضمن تزويد تل أبيب بقاذفات استراتيجية متطورة من طراز «إف 22».
الإعلان عن نقل 100 سفارة أجنبية من تل أبيب وهرتسليا إلى القدس، وقيام الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بزيارة إلى القدس «الإسرائيلية»! يضع خلالها حجر الأساس لمقر السفارة الأمريكية في المدينة.
تنظيم «زيارة تاريخية» يقوم بها الرئيس المصري حسني مبارك إلى مدينة القدس كضيف على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الصهيوني إيهود باراك.
إطلاق سراح الجاسوسيين الصهيونيين عزام عزام وجوناثان بولارد المحكومين بالسجن في مصر والولايات المتحدة. وتجري حاليًا اتصالات هادئة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة بشأن احتمال الإفراج عن الجاسوس بولارد.
إنشاء قوة متعددة الجنسيات تتولى الفصل بين الكيان والدولة الفلسطينية المرتقبة، ومرابطة أفراد شرطة نرويجيين في الحرم القدسي الشريف، وفق أحد المقترحات المطروحة لتسوية قضية السيادة على الحرم.
وكانت الخطة الأمريكية المطروحة في المفاوضات الأخيرة للحل النهائي للقضية قد مثلت خديعة كبرى وجسدت الانحياز الأمريكي الكامل للصهاينة ضد الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وهي الخطة التي حاول الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أن يصفها بأنها فرصة تاريخية على العرب أن ينتهزوها.
والمعروف أن المفاوضات تدور حول تقسیم 22% من أرض فلسطين بعد أن التهم الصهاينة 78%، منها 52% بمقتضى قرار الأمم المتحدة المنحاز الصادر عام 1947م والمعروف بقرار التقسيم، و26% استولى عليها الكيان الصهيوني خلال حرب 1948م، ولم تتطرق أي مفاوضات للتسوية إلى هذه النسبة الكبرى من فلسطين «78%»، وظل الحديث دائرًا عن الـ22% وهي الأراضي التي استولى عليها الصهاينة في حرب 1967م «الضفة الغربية وقطاع غزة».
ورغم التزييف الواضح فيما يعلن عما يجري التفاوض عليه، تحاول إدارة كلينتون خديعة الرأي العام بأن المقترحات الأمريكية تنص على انسحاب الكيان الصهيوني من 95% من أراضي الضفة الغربية «وهي أي الضفة» تمثل جزءًا من الـ 22% الباقية من الأرض»، وحتى نسبة الـ 95% من أرض الضفة هذه ليست صحيحة وإنما تم خصم المستوطنات القائمة على 1% منها، و8% يطالب الصهاينة بضمها إلى الأراضي المحتلة قبل 1967م، إضافة إلى 18% أخرى تم اقتطاعها من أجود أراضي الضفة وضمها إلى الكيان الصهيوني، لتكون النسبة الحقيقية من أراضي الضفة التي يتحدثون عن الانسحاب منها هي 68% وليس 95%.
وهذا ما تعتبره الإدارة الأمريكية فرصة تاريخية على العرب انتهازها، ومن الأرض التي يعرض الصهاينة ردها للجانب الفلسطيني في الضفة منطقة «الخلصة»، وهي منطقة كثبان رملية ليس فيها أي مورد للحياة، ويستخدم جزء منها لدفن النفايات السامة، وهو ما تسبب في إصابة العرب الذين يعيشون قريبًا منها بأمراض سرطانية، أما فيما يتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين من الشتات والبالغ تعدادهم 4.5 مليون لاجئ فإن المقترحات الأمريكية تتجاهل حقوقهم ضاربة عرض الحائط بأكثر من مائة قرار صادر عن الأمم المتحدة، وتؤكد على حقهم في العودة، لكن المقترحات الأمريكية ترى توطينهم حيث هم في مواطن الشتات، مع تعويضهم عن ممتلكاتهم التي فقدوها بمبالغ لا تتجاوز 2% من قيمة هذه الممتلكات ولا يدفع الصهاينة منها شيئًا وإنما دول أخرى.
وهناك حل آخر تراه المقترحات الأمريكية وهو السماح بعودة 150 ألف لاجئ بمعدل ألف أو ألفين كل عام.. وتلك هي الفرصة النادرة أو الخديعة الكبرى في العرف الأمريكي.
الحرم القدسي
تحدثت الصحف الصادرة في الكيان الصهيوني مؤخرًا عن بعض الترتيبات التي ستتخذ في محيط المسجد الأقصى في حال التوصل إلى اتفاق دائم بين الصهاينة والسلطة الفلسطينية.
وأفادت التقارير أن الكيان الصهيوني سيكتفي في نطاق هذه الترتيبات بممر يؤدي إلى حائط البراق الذي يطلق عليه اليهود زورًا اسم حائط المبكى.
صحيفة «هاآرتس» العبرية تطرقت إلى جوانب من هذه الترتيبات، مؤكدة أنها ستحتوي على مركبات عملية ومركبات رمزية وصيغ مختلفة مهمتها محاولة التغلب قدر الإمكان على الخلافات الشائكة التي لم يتم التوصل إلى حلها حتى الآن، وفيما يلي أهم الترتيبات كما نشرتها الصحيفة:
حق الوصول: تقول الصحيفة إنه وفقًا لقانون حراسة الأماكن المقدسة يجوز لكل يهودي كصاحب أي ديانة أخرى أن يزور الحرم القدسي، هذا الحق يختلف عن حق الصلاة أو أداء الشعائر الدينية في المكان من حيث كونه غير محفوف بالقيود أو التحفظات.. وتزعم الصحيفة أن السلطات الصهيونية حرصت خلال 32 عامًا على تطبيق ذلك، ولكن الحرم القدسي أغلق منذ ثلاثة أشهر في وجه اليهود، وحتى قبل اندلاع انتفاضة الأقصى تقوضت دعائم هذا الحق ولم تراع الشرطة الصهيونية تطبيقه. وفي إطار الترتيبات الجديدة يطالب الفلسطينيون ببسط سيطرتهم الكاملة على الخارجين والداخلين من بوابات الحرم القدسي وإليها بما في ذلك باب المغاربة، وهو الباب الذي لا تزال السلطات الصهيونية تمسك بمفاتيحه.
حق الصلاة: وفقًا لقرارات الحكومات الصهيونية المتعاقبة منذ عام 1967م حظر على اليهود أداء الصلاة في باحة الحرم القدسي وفي قمة «كامب ديفيد 2» طلب الصهاينة لأول مرة من الفلسطينيين أن يتم في إطار الحل الدائم تخصيص ركن أو زاوية في باحة الحرم القدسي يستعملها اليهود لأداء صلاتهم، لكنهم تراجعوا عن هذا الطلب خلال الاتصالات الأخيرة مع الفلسطينيين واكتفوا بمطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بعلاقة اليهود مع المكان وحقهم في إقامة الصلاة فيه.
الأمن: حتى اندلاع الانتفاضة كانت الشرطة الصهيونية بالتعاون مع جهاز الأمن العام «شين بيت» هي المسؤولة عن حفظ النظام والأمن في محيط الحرم القدسي أو داخله، حتى خلال الانتفاضة الأولى منذ أواخر الثمانينيات وبعد اتفاقات أوسلو شرع الفلسطينيون تدريجيًا في بسط سلطتهم على الحرم القدسي من حيث الصلاحيات الشرطية والاستخبارية والحراسة والسيطرة على الحرم القدسي كسيطرتهم على باقي مناطق القدس الشرقية، وخلال قمة «كامب ديفيد 2» دار الحديث بشأن اقتراحات تهدف إلى إضفاء الصفة القانونية على الأجهزة الأمنية الفلسطينية أثناء عملها في القدس عامة والحرم القدسي بصفة خاصة. ولقيت هذه الاقتراحات معارضة صهيونية شديدة على الصعيدين السياسي والأمني.
التنقيب عن الآثار: يدعي الصهاينة أنهم ينقبون عن الآثار حتى اليوم حول الحرم القدسي وليس تحته، وأن المسلمين من جهتهم منعوا علماء الآثار عبر أجيال طويلة من الاقتراب أو التنقيب في محيط الحرم القدسي الشريف. ومع ذلك في العامين الأخيرين وبالأحرى في الأسابيع الأخيرة ألحق المسلمون –كما تقول الصحيفة – أضرارًا أثرية بالمكان عن طريق أعمال الحفر والترميم التي نفذوها في أماكن عدة من الحرم القدسي! وبناءً على أوامر مباشرة من رئيس الوزراء إيهود باراك منعت دائرة الآثار والمستشار القانوني للحكومة من تطبيق القانون على الأوقاف الإسلامية، و«إسرائيل» تطلب الآن من الفلسطينيين التعهد بوقف الحفر والبناء في محيط الحرم القدسي، وفي مقابل ذلك يطالب الفلسطينيون الكيان الصهيوني بأن يتوقف عن الحفر والتنقيب حول أسوار الحرم القدسي.
السيادة: أبدت «إسرائيل» استعدادها الآن للتخلي عن السيادة على الحرم القدسي وهي السيادة التي ظلت تصر عليها على مدى 33 عامًا. ولن توافق السلطة الفلسطينية بحال من الأحوال على الاكتفاء بما يسمى «سيادة رسمية» أو أي نوع من أنواع السيادة يحرمهم من بسط سيطرتهم السياسية على هذا المكان المقدس - ومع ذلك - كما تقول الصحيفة - تنظر السلطة بإيجاب إلى الاقتراح الداعي إلى تفويض السيادة على الحرم القدسي لمجموعة من الدول الإسلامية كالمغرب أو الأردن على أن تمنح المؤسسات الفلسطينية الوضع الأفضل في المكان، وهناك فكرة أخرى لم تستبعد بعد تدور حول نقل السيادة على الحرم القدسي إلى مجلس الأمن الدولي على أن ينقل المجلس السيطرة والصلاحيات العملية في المكان للدولة الفلسطينية، وإذا كان الحديث في الماضي كثر عن «ممر فلسطيني،» إلى الحرم القدسي من اتجاه أريحا، فإن الحديث يدور الآن عن «ممر إسرائيلي،» إلى حائط البراق عبر البلدة القديمة بعد نقل معظمها للسيادة الفلسطينية.