العنوان لبنان.. لعبة بين الهر والفأر
الكاتب محمد عبدالهادى
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1980
مشاهدات 88
نشر في العدد 483
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 03-يونيو-1980
اصطناع الدولة النصرانية في الجنوب يخدم نظرية الأمن الإسرائيلية..
ما يحصل في لبنان يعود بجذوره إلى القرن الماضي
اللعبة في لبنان أشبه ما تكون بلعبة الهر والفأر، هذا ما قاله سياسي لبناني متقاعد حفرت السياسة أخاديدها على وجهه منذ ما قبل استقلال لبنان. يقول هذا السياسي: لا بد لدارس طبيعة العمل الذي يجري في القطر اللبناني من الانتباه إلى قضيتين أساسيتين:
۱- محاولات الاستعمار تقسيم لبنان إلى دويلات ممسوخة صغيرة منذ ما بين الحربين العالميتين.
٢- الحشد الطائفي المتنوع في هذا القطر الشقيق.
ومن ثم يستطيع المرء فهم ما يجري في لبنان ماضيًا وواقعًا ومستقبلًا أيضًا.
الجسم اللبناني بين مخالب الهر:
منذ القرن الماضي جهدت كل من فرنسا وإنجلترا على التمركز الدائم في لبنان كمنطقة استراتيجية في إحدى زوايا البحر الأبيض المتوسط في القرن الآسيوي العربي.
وكانت لهاتين الدولتين صولات وجولات كثيرة في محاولة وضع لبنان كحجر أساس للانقضاض على العالم الإسلامي والشرقي قاطبة... وكان للمستعمر الفرنسي- البريطاني ما أراد لحقبة من الزمن.
أما التكتيك الذي سار عليه الأوربيون من أجل وضع لبنان ضمن الخطة المطلوبة، فقد تناول بنية لبنان «البشرية- والجغرافية» فعلى مستوى البنية البشرية قامت كلتا الدولتين- فرنسا وبريطانيا- بجهود كبيرة لتهجير النصارى من سوريا والأردن إلى لبنان؛ بهدف إيجاد أغلبية بشرية نصرانية في بعض المواقع الاستراتيجية في لبنان، وفعلًا فقد هاجر كثير من النصارى خلال القرن التاسع عشر إلى لبنان.. وذلك على الطريقة التي مارسها اليهود لدى هجراتهم المتتابعة من أنحاء لبنان إلى فلسطين...
ومن ثم حاول الفرنسيون والبريطانيون رسم خارطة سكانية للبنان بحيث توزع التجمعات النصرانية المهاجرة وفق ما يخدم المخطط الاستعماري الموضوع للمنطقة الإسلامية وكانت النتيجة أن وضع الجسم اللبناني بين مخالب الهر تمهيدًا لما سيتبع ذلك من مراحل.
الحكم النصراني والدولة الطائفية:
بعد الحرب العالمية الثانية اقتسم الفرنسيون والإنجليز البلاد العربية وفق ما قرروه في مؤتمر «سايكس بيكو» وجثم الفرنسيون مدة ربع قرن على أرض لبنان تم لهم فيه ما يلي:
۱- تصميم خارطة جغرافية للبنان تعزله عن سوريا من ناحية وتقسمه إلى مناطق إسلامية وأخرى نصرانية.
٢- تقوية الاتجاه النصراني في جميع المناطق اللبنانية وتزعيم البيوتات الصليبية التي تربت في الكنيسة الأوروبية.
۳- ترتيب نقاط أساسية تصلح لتكون دستورًا للبنان بعد خروج الجنود الفرنسيين منه، ليبقى لبنان محكومًا للدستور الفرنسي من ناحية والروح الصليبية من ناحية أخرى.
٤- ترتيب المناطق اللبنانية بشريًا بحيث يصلح إقامة دويلات طائفية ممسوخة وفق الترتيب الطائفي.
ومن خلال هذا الخط الصليبي الحاقد تمكن النصارى فيما بعد الاستقلال من السير بلبنان ومن ما هو مرسوم لهم.
وقامت الحكومة التي تعتمد على أغلبية نصرانية ليكون الحكم في لبنان لهم على أساس طائفي واضح.
ونحن في ضوء هذا الواقع التاريخي العجيب للعمل الاستعماري في لبنان يستطيع المرء فهم ما يجري على الساحة اللبنانية على الرغم مما جد في لبنان بعد استقلاله عام ١٩٤٥.
فقد أعلنت الدولة اليهودية على الحدود المتاخمة للبنان.
وتم تهجير كثير من الفلسطينيين المسلمين إلى البلاد العربية المجاورة بما فيها لبنان.
كما أعلنت في البلدان العربية المجاورة والقريبة من لبنان حركات وحكومات لبست قميص الثورة وبدأت بربط الفئات اللبنانية «غير النصرانية» بها.
ومن هذا القبيل نشير إلى الطريقة التي تمكن فيها عبد الناصر من استيعاب الاتجاهات المعادية للنصارى في لبنان بهدف ضبطها كي لا يفلت زمامها فتعكر تنفيذ ما خطط للبنان.
ومن ثم دخلت الولايات المتحدة كقوة استعمارية في لعبة لبنان لتتشابك الخيوط فيما بينها قبل أن يقبض عليها البيت الأبيض فيما بعد.
وهنا كان لا بُد من ردات فعل إسلامية بسبب ما حصل في لبنان حيث قامت بعض الحركات الجزئية ضد النصارى من ناحية وضد طبيعة التقسيم البشري الذي هدف إلى إيصال النصارى إلى سدة الحكم ومراكز القوى في القطر اللبناني وزاد الطين بلا على مخطط النصارى أن وجد التجمع الفلسطيني المهاجر إلى لبنان أمام معركة فرضت عليه من الداخل والخارج، فظهرت بوادر يمكن أن تشكل وحدة من الجموع المسلمة اللبنانية الفلسطينية المسلحة في وجه المخطط النصراني، فكانت النتيجة أن افتعلت المعارك الداخلية في لبنان بغية شيئين:
الأول: ضرب الميليشيات المسلمة المسلحة من قبل النصارى وقوات الردع وجنود الحكومة السورية التي وجهت ضربة قاصمة عام ١٩٧٦ للفلسطينيين في تل الزعتر بغية إيجاد موازنة بين النصارى والمسلمين. وترسيخ التوزيع البشري للبنان بما يخدم مصلحة النصارى واليهود معًا.
الثاني: إيجاد الحلقة اللبنانية من الحزام الطائفي الذي تقتفي نظرية الأمن الإسرائيلية وجوده حول فلسطين المحتلة.
لذا؛ لا يستغرب المراقب لأوضاع لبنان مشاركة اليهود في تهجير الفلسطينيين وضربهم وإبادتهم جماعيًا في جنوب لبنان فالجنوب هو حلقة من حلقات الحزام الأمني لدولة يهود وتحريره من المسلمين مخطط قديم فشل فيه الاستعمار قديمًا ويقوم به الآن الصليبيون واليهود ومن يساعدهم من وراء الكواليس. ولك أخي القارئ شاهد من أهله.
في تصريح لكميل شمعون الرئيس الصليبي الأسبق للبنان أدلی به يوم ١٩٧٨/٥/٢٠ قائلًا:
إن الصيغة التي أقرها مجلس النواب مؤخرًا، والتي تضمنت بندًا يوقف كل عمل عسكري في لبنان تعني إلغاء اتفاقية القاهرة وعندما سئل كميل شمعون عن الحالة في الجنوب قال:
«إننا ننتظر ما يحدث في الجنوب... ننتظر الوقت الذي يصبح فيه عند القوات الدولية الإمكانية لتحرير
الجنوب».
نعم إن شمعون كان ينتظر ما يلي:
1- ضرب الفلسطينيين في الجنوب.
2- إقامة دولة صليبية على رأسها سعد حداد.
3- التنسيق مع اليهود بشكل معلن من أجل تحقيق الرغبة اليهودية والنصرانية...
هذا هو مفهوم تحرير الجنوب وفق المنظار الصليبي لقضية لبنان.
لعبة الجنوب:
وهي لعبة قذرة يشترك فيها كل من اليهود والنصارى وبعض الأطراف الدخيلة على أمتنا بقيادة أمريكا. ولعل الضرب اليهودي الأخير للجنوب اللبناني والذي جاء متزامنًا مع مباحثات الحكم الذاتي يشير بإصبع الاتهام إلى بعض الأنظمة العربية الراغبة بصلح دائم مخز مع إسرائيل...
فالأنظمة الداعية إلى صلح عربي يهودي تعمل لإضعاف الجانب العسكري المسلح للميليشيات الفلسطينية كما أثبتنا أعلاه.
واليهود يقومون بالدور نفسه بغية إخضاع السلام الفلسطيني وتهجير المسلمين من الجنوب اللبناني تمهيدًا لتوطينهم في مناطق أخرى خاصة بلبنان.
بعد هذا يمكن أن تقوم الدولة النصرانية الطائفية قريرة العين لتبدو أحداث البنان للنظارة أشبه بلعبة الهر والفأر!!