العنوان لبيك اللهم خاشعين ضارعين
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1998
مشاهدات 66
نشر في العدد 1295
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 07-أبريل-1998
الناس بنفوسهم، والبشر بأرواحهم، والنفوس إذا ملت عميت، والأرواح إذا كلت يئست، فلا بد للناس، ولا غنى للبشر، عن زاد للأرواح، وطب للنفوس حتى تستطيع السير في هذه الحياة وصدق الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ (البقرة: 197).
وأفضل زاد وأعظم عدة هي الإقبال على الله وتلبية أمره والخضوع لتعاليمه، ونحن في هذه الأيام المباركات، نعطر أجواءنا بالتلبية، ونسعد آذاننا بالحمد، نلبي مع الحجيج الملبي، ونردد ذاك النداء مع ضيوف الرحمن لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك، ونشعر أن في التلبية حلاوة الطاعة، وعبق القرب، وعطر المحبة، تسمع فيها خفق القلوب، وتسبيح الجوارح وصلاة الأرواح، وترجيع العوالم، وتأويب الجبال، والوديان، والروابي.
يروي الترمذي وابن ماجة، عن سهل ابن سعد- رضي الله عنه- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من قلب يلبي إلا لبي ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا عن يمينه وشماله»، إن عظمة التلبية تستمد من عظمة النداء، وجلال المنادي، وهو الله سبحانه، وإن شرف المقصد يستمد من شرف الغاية وهيبة المكان، وهو أول بيت وضع للناس: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)﴾ (آل عمران: 96-97).
قلبيك خاشعين قانتين تائبين راجعين لبيك حامدين شاكرين داعين مهللين لبيك راكعين ساجدين مسبحين لبيك مصبحين ممسين ضاحين لبيك حاملين للعهد والميثاق لبيك بالذكر المبين لبيك اللهم لا طاعة إلا لك، ولا خضوع إلا لأمرك، ولا انقياد إلا لهديك لبيك بالسمع بالبصر بالعقل بالروح بالقلب بالفؤاد، لبيك بالمال والأهل والولد والعتاد، لبيك في سعيي وإقبالي وإدباري، وجدي وجهادي لبيك في نومي وصحوي وهجوعي وركوعي، لبيك في سري، وفي علني وفي جمعي، وفي ملئي ومنفردي.
لبيك لا شريك لك لبيك، أنت الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد عظيم والعظمة رداؤك كبير، والكبرياء إزارك فأنت الكبير المتعال، لبيك لبيك فأنت الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحانك سبحانك عما يشركون لبيك لبيك فانت الخالق البارئ المصور لك الأسماء الحسني يسبح لك من في السماوات ومن في الأرض وأنت العزيز الحكيم لبيك لبيك صاحب النعم والفضل والمنن لبيك مطعمي ورازقي وشافي ومانحي الفضل العميم لبيك مفرج الكروب وكاشف الهموم وساتر العيوب وغافر الذنوب.
روى الطبراني عن سهل بن سعد- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: « ما راح مسلم في سبيل الله مجاهدًا، أو حاجًا مهللًا أو ملبيًا، إلا غربت الشمس بذنوبه وخرج منها»، وروى الإمام أحمد عن جابر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «ما من محرم يضحي الله يوم يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه، وروى البيهقي والطبراني عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «وما أهل مهل قط ولا كبر مكبر قط إلا بشر، قبل يا رسول الله: بالجنة قال نعم».
إيه يا نداء الطاهرين وخطوات الصالحين وشعار المؤمنين صليني يركب المتقين ودرب المجاهدين، واحمليني إلى زاد العاملين، وأمل القاصدين، وأظليني بأطياف الأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
روى ابن ماجة وابن خزيمة عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بين مكة والمدينة فمررنا بواد فقال: أي واد هذا قالوا: وادي الأزرق، قال: كأني أنظر إلى موسى- صلى الله عليه وسلم- فذكر من طول شعره شيئًا لا يحفظه راو - واضعًا إصبعه في أذنه، له جؤار إلى الله بالتلبية، مارًا بهذا الوادي، قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية فقال: أي ثنية هذه، قالوا: ثنية هرش أو لفت، قال: كأني انظر إلى يونس عليه السلام، على ناقة حمراء عليه جبة صوف، وخطام ناقته خلب مارًا بهذا الوادي ملبيا، وروى الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «صلى في مسجد الخيف سبعون نبيًا منهم موسى عليه السلام كأني أنظر إليه وعليه عباءتان قطنيتان، وهو محرم على بعير من إبل شنوءة مخطوم بخطام ليف له دفیرتان».
لبيك في ركب الأنبياء، ولي مواكب النور، لبيك لا شريك لك لبيك نبيك في سمع الزمان، ويمر الأيام. لبيك في صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، لديك يا صاحب العز والسلطان لبيك وهل خاب عبد لباك أو ضل أو خسرت نفس أطاعتك أو هلكت؟ لبيك داعين أن تفرج الكرب وتقوى العزم، وتشد الأزر، فقد بلغت القلوب الحناجر ولا كاشف لها إلا أنت يا عزيز يا غفار يا قوي يا قهار، يا غياث المكروبين ومجيب الداعين وناصر المظلومين وأمان الخائفين وكنز الطالبين.
إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما به الصدر الرحيب
وأوطأت المكارة واطمأنت وأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضر وجها ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث من به اللطيف المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت فموصول بها الفرج القريب
فلبيك إيمانًا بك ولبيك تصديقًا بكتابك ولبيك وفاء بعهدك مهللين مكبرين مقرين بالذنوب والخطايا نادمين على الآثام والدنايا، فأنت صاحب العفو، وأهل الرجاء يا رب يا ستار العيوب وغفار الذنوب.
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن فيمن يلوذ ويستجير المجرم
يا رب قلوبنا بين أصابعك ونفوسنا بين يديك، وقد ضاقت مذاهبنا إلا من رحمتك وقل رجاؤنا إلا فيك وعفوك لا يقف أمامه كبير ذنب أو عظيم إثم
ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي جعلت رجائي نحو عفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
فلبيك في أيام الحجيج، ولبيك في أماكن تسكب فيها العبرات وتكثر الدعوات لبيك حالنا لا يخفى عليك فعاملنا بالإحسان إذ الفضل منك وإليك لبيك رب كل شيء ومليكه، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي الله.