الثلاثاء 26-أكتوبر-1982
● عندما يجهل المفاوض العربي أصول اللغة والمنطق يصبح الهدف القومي أكذوبة!!
● كيف يمكن تطويع «الفلسطيني» وهو الرقم الصعب في معادلة التسوية؟
● عرفات: هل يقبل الفلسطيني التطويع؟
● ريجان: ماذا يريد؟؟
● بطرس غالي: قتل جده بسبب الخيانة
رفضت الولايات المتحدة الأمريكية استقبال الوفد السباعي الذي أفرزه مؤتمر قمة فاس إذا كان هذا الوفد يضم مندوبًا عن فلسطين، لأن فلسطين في نظر أمريكا لا وجود لها ولأن منظمة التحرير الفلسطينية -حتى الآن- لم تعترف بإسرائيل أو بحق إسرائيل في الوجود أي بشرعية اغتصابها لفلسطين.
ومع أن مقررات قمة فاس التي ضمت الوفد الفلسطيني أقرت بحق جميع دول المنطقة في الوجود ومن ضمنها بالطبع «إسرائيل» إلا أن ذلك لا يكفي في نظر أمريكا التي تنطق باسم «إسرائيل» وتريد من الفلسطينيين أن يعترفوا بأن بلادهم ملك خالص لليهود، ثم بعد ذلك عليهم أن يقيموا في الأردن أو أي مكان يشاءون وألا يهددوا أمن «إسرائيل» مستقبلًا، ثم لا داعي بعد ذلك -بل لا ينبغي لهم- أن يحضروا أي مؤتمر يعقد في أية جهة كانت لتحقيق السلام- ويعنون استسلام العرب لليهود- في منطقة «الشرق الأوسط» التي تضم «إسرائيل» والبلاد العربية وليس من ضمنها بالطبع فلسطين والفلسطينيون.
مخطط تدمير هذه الأمة واندثارها يسير بخطى حثيثة، فبعد حرب رمضان عام (۱۹۷۳) عقدت اتفاقيات «كامب ديفيد» وقد نفذ الجانب المصري منها وبقي الجانب الفلسطيني الذي استعصى على الحل. وكان من نتيجته مقتل «أنور السادات» والآن جاء «حسني مبارك» وهو في نظر أمريكا «وإسرائيل» والأنظمة العربية ليس السادات، أو كما قال هو بنفسه «أسمي حسني مبارك وليس أنور السادات».
بقي الطرف الفلسطيني وهو يتمثل في:
أ -ثورته المسلحة
ب -جماهير الأرض المحتلة
جـ -الفلسطينيون خارج الأرض المحتلة.
وهذا الطرف الفلسطيني بفئاته الثلاث الآنفة الذكر يشكل «الرقم الصعب الذي لا يقبل القسمة ولا التطويع» في معادلة الحل الاستسلامي المقترح، كما يقول «أبو عمار» ولما كان تقسيم هذا الرقم أو تطويعه أمرًا ضروريًا لاستكمال «اللعبة» وبلوغها إلى منتهاها بدأت الحلقة الجديدة في مسلسل التآمر بما يسمى «بروابط القرى» في الأرض المحتلة لقد بدأوا بجماهير الأرض المحتلة أي بالفئة التي اعتقدوا أنها مغلوبة على أمرها وأنها الفئة التي يمكن أن تقبل بأي شيء أو حتى بلا شيء وفي الحقيقة فإن «روابط القرى» لم تكن الإجراء الأول في سياسة التطويع والتركيع فقد جرت محاولات قبلها لإيجاد رموز معروفة بوجاهتها في الأرض المحتلة لتسير في المخطط التصفوي ولما فشلت «إسرائيل» وأمريكا وبعض الأنظمة العربية في ذلك أنشئت «روابط القرى» من أفراد مغمورين لا وزن لهم ولا حيثية أو من أفراد عرفوا بالعمالة لكل سلطة أمثال «مصطفى دودین».
ولكن هذه الروابط القروية بدأت تتلاشى بالرغم من دعم الصهاينة لها بالمال والسلاح، ذلك أن انفضاض الجماهير عن هذه الروابط بل ومهاجمة رموزها وتصفيتهم جسديا أدى إلى انحسارها واقترابها من النهاية.
فكان لابد أن توعز أمريكا لأتباعها في المنطقة أن يضغطوا على الفلسطينيين لديهم في إقامتهم وتنقلهم ورزقهم وتعليمهم وكل مناحي حياتهم حتى يصلوا إلى مرحلة من اليأس يقولون فيها «نقبل أي حل» يخلصنا من هذا الضياع وهذه المعاناة، وقد وصل الأمر إلى حد افتعال جرائم باسم الفلسطينيين -والمجرم الحقيقي ليس هو هذا الفلسطيني الذي ألقي القبض عليه- وذلك ليزداد الضغط على هذا الشعب المنكوب فيقبل التطويع أي يقبل الاستسلام، ولكن هذا الضغط الرهيب لم يصل إلى الهدف المنشود لأن هناك فلسطينيين يحملون البنادق فكان لا بد من إسقاط البندقية من يد الفلسطيني وذبحه وتشتيته فكانت حرب لبنان ومجزرة المجازر بقيادة أمريكية وتنفيذ «إسرائيلي» وتواطؤ عربي ومشاركة من الحلف الأطلسي.
ثم كان ما كان، واجتمع العرب في فاس وقرروا من ضمن ما قرروا تشكيل لجنة سباعية تضم مندوبا فلسطينيًا لعرض «مشروع السلام العربي» على ريغان صاحب «مشروع السلام الأمريكي» فكان أن رفض ريغان لجنة «السبع» وأرادها أن تكون لجنة «الست» أي بغياب المندوب الفلسطيني. لماذا؟ لأن الفلسطيني ما زال في نظر ريغان ومن خلفه الصهاينة «رقمًا صعبًا لا يقبل التطويع ولا القسمة» فإذا قيل لريجان اعترف أبو عمار بقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين ومن ضمنها قرارات تعترف «بإسرائيل» قال: هذا لا يكفي ولا بد أن يعترف الفلسطينيون «بإسرائيل» صراحة، وإذا قيل «لريجان» لقد أقر مؤتمر فاس العربي ومن ضمنه الفلسطينيون بحق «إسرائيل» في الوجود على اعتبارها دولة من دول المنطقة من حقها أن تعيش في أمان وسلام وبضمانات دولية . قال «ريجان» هذا لا يكفي ولا بد من أن تعلن منظمة التحرير صراحة وفورًا اعترافها بإسرائيل وبعد ذلك يجري التفاوض للنظر في حق الفلسطينيين في أن يكون لهم «وطن»، وليس «دولة».
والعبارات التي تحمل في طياتها معنيين متناقضين في الاتفاقيات والوعود الغربية لكل من العرب واليهود معروفة تمامًا.
1 - فوعد بلفور نص على إنشاء «وطن قومي» لليهود في فلسطين وفسر اليهود عبارة الوطن القومي بأنه إنشاء دولة لهم في فلسطين أي كيان وطني مستقل ذي سيادة. وفسر العرب عبارة الوطن القومي بأنها «مكان إقامة» أي ملجأ ومأوى لهم لا يمنحهم صفة الدولة ذات السيادة ولا الشعب المتميز بوجود وطني مستقل. ومع الزمن المترافق مع العمل الدؤوب أصبح التفسير اليهودي هو السائد الآن.
2- وقرار مجلس الأمن ذو الرقم (٢٤٢) نص على انسحاب «إسرائيل» من أراض احتلتها عام (١٩٦٧) وكلمة «أراض» مغفلة من «ال» التعريف تحتمل الكل وتحتمل البعض ولذلك فسرها اليهود بأنها انسحاب من بعض الأراضي التي احتلتها وفسرها العرب بأنها انسحاب من كل الأراضي التي احتلتها ولا يزال الخلاف قائمًا حتى الآن.
3- واتفاقيات «كامب ديفيد» تنص على منح الفلسطينيين «حكما إداريًا ذاتيًا في الضفة والقطاع وقد فسر المصريون هذا الحكم الذاتي الإداري بأنه يعني وجودًا متميزًا للفلسطينيين على أرضهم يمهد لانتخابات تقرر مصيرهم أي لإنشاء دولة مستقلة لهم، أما اليهود فإنهم حين أصروا على وضع كلمة «إداري» فإنهم يقصدون استثناء الأرض من هذا الحكم أي أن يحكم الفلسطينيون أنفسهم ضمن «أرض إسرائيل»، ولا يزال الخلاف قائمًا.
ولعل من المفترض في المفاوض العربي الذي يوقع على مثل هذه الاتفاقيات أو يوافق على مثل هذه الوعود والقرارات أن يكون ملمًا بقواعد اللغة والمنطق وألا يقع أسير الغفلة أو اليأس فيوقع بيده صك الخيانة ثم يخرج للناس قائلًا أنا المنقذ البطل
إذا كان ريجان كما يقول على استعداد لحضور مؤتمر في «كامب ديفيد» يضم الملك حسين ومناحيم بيجن وربما حسني مبارك لإيجاد صيغة لحل عادل وشامل في الشرق الأوسط.
وإذا كان مناحيم بيجن يسارع إلى القول إنه لن يحضر هذا المؤتمر إلا إذا أقرت أطراف المؤتمر مسبقًا بأنه استئناف لمباحثات «كامب ديفيد» من أجل البحث في تنفيذ «الحكم الإداري الذاتي» للفلسطينيين في «يهودا والسامرة وغزة» فلماذا إذن التهالك على حضور هذا المؤتمر إذا كان استئنافًا «لكامب ديفيد» والذي رفضه العرب بالإجماع وكان من نتائجه مقتل السادات وحرب لبنان؟
هل كان غضبنا على السادات فقط لأنه قام «بصلح منفرد» مع «إسرائيل» ونحن نريد «صلحًا شاملًا»؟ ألم يطلب السادات منا أن نشاركه في «الصلح مع إسرائيل» فرفضنا؟ وهل لدى «ريجان وبيجن» أفضل مما كان لدى «کارتر وبیجن»؟
أم أن الصلح مع «إسرائيل» أصبح مطلبًا قوميًا عربيًا وأن السادات كان أبعد منا نظرًا وأثقب بصيره؟
يا لهول الكارثة، لقد كانت «مصر الملك فاروق» أول من وقع اتفاقية الهدنة مع اليهود في رودس عام ١٩٤٩ وكانت «مصر عبد الناصر» أول من قبل بوجود إسرائيل عبر مبادرة روجرز وكانت «مصر السادات» أول من وقع صلحًا مع «إسرائيل»، «ومصر حسني مبارك» اليوم تطالب كل العرب بالاعتراف رسميا «بإسرائيل» بصراحة ووضوح وقبل المفاوضات كما يقول الصليبي من أم يهودية «بطرس غالي» وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية. أما أن «لمصر صلاح الدين» التي قادت هذه الأمة للنصر على الصليبيين أن تعود؟ أما أن «لمصر الظاهر بيبرس وقطز» التي قادت هذه الأمة للنصر على التتار أن تعود؟ إن الشعب الذي أنجب «خالد الإسلامبولي» ورفاقه قادر بإذن الله على أن يوقف انحدار هذه الأمة عندما يعيدها أولاً إلى منهج الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل