العنوان لطمس الحقائق وتشويه تجربة التحرير.. اختطاف الصحفيين الأجانب في غزة!
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 12-مايو-2007
مشاهدات 59
نشر في العدد 1751
نشر في الصفحة 24
السبت 12-مايو-2007
غزة:
قبل عام تقريبًا، وخلال الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة توافد إلى القطاع مئات الصحفيين والمصورين الأجانب من كافة وكالات الأنباء العالمية لتغطية الحدث، كان أطفال غزة يلتفون حولهم ويطلقون النكات للفت انتباه الصحفيين الذين وجدوا في الأطفال مادة ثرية لبث تقاريرهم وأفلامهم الوثائقية، وحتى صورهم التي كانت تحول حياة هؤلاء اليافعين من حياة الظلمة إلى حياة النور بإخراج المعاناة المتراكمة إلى النور. ما أكسبهم حبا لدى الصحفيين وانعكست الصورة أيضًا لدى الصحفيين الذين باتت لهم صداقات من الأطفال، ما شكل مناخًا آمنًا للجميع للتحرك بسلام والتنقل في كافة أرجاء القطاع.
إلا أنه مع الخلافات وحالة الفلتان الأمني انتشرت في المناطق الفلسطينية وتحديدًا قطاع غزة، ظاهرة اختطاف الصحفيين والرعايا الأجانب الذين قدموا للأراضي الفلسطينية.
وكان آخرهم «آلن جونستون»، مراسل «BBC» في الذي عمل في غزة خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو الصحفي الغربي الوحيد التابع لمؤسسة إعلامية كبرى يتخذ من غزة مقرًا له. وتصفه «BBC» بأنه مراسل يتمتع باحترام مهني وذو كفاءة عالية، وبالرغم من تزايد عمليات اختطاف الصحفيين الأجانب، التي تهدف إلى إرباك الحكومة الفلسطينية، إلا أن الأجهزة الأمنية لا تحرك ساكنًا لإلقاء القبض على من يحاول توجيه القضية لمصالح تخريبية، وقد ثبت أن عناصر أمنية تابعة لمحمد دحلان ومكتب الرئيس وحركة فتح ضالعة بعملية الخطف أو متسترة على الخاطفين.
وقال «جو فلوتو» نائب مدير الشرق الأوسط في هيئة الإذاعة البريطانية لـ«المجتمع»: هناك اتصال يومي بين العاملين في «BBC» في غزة وعائلة آلن جونستون في أسكتلندا، مشيرًا إلى أن جونستون قد طلب تمديد عمله في قطاع غزة المقرر أن ينتهي قبل سنتين، لأنه شعر بأن هناك المزيد مما يجب إيصاله للعالم من داخل قطاع غزة.
ويضيف إبراهيم عدوان منتج في إذاعة «BBC» في قطاع غزة وزميل آلن الذي رافقه خلال عمله في قطاع غزة: «كان لديه ثقة عمياء في الناس، خاصة أنه يجيد بعض مفردات اللغة العربية، وخلال الأحداث الأخيرة التي حصلت في قطاع غزة طلبنا منه أن يغادر القطاع لكنه رفض».
يوم اختطافه كان آلن قد عاد من معبر بيت حانون «إيرز» حيث اصطحبه عدوان إلى مقر «BBC»، بغزة حيث جلس فترة هناك ثم غادر إلى منزله وسط مدينة غزة ولكن قابله مسلحون مجهولو الهوية وقاموا باختطافه.
صحفي إسباني
ويروي الصحفي الإسباني «إيميلو موريناتي» الذي يعمل لصالح وكالة الأسوشيتد برس قصة اختطافه وتفاصيل الرعب التي عاشها مع الخاطفين في غزة، الذين لم تكشف هويتهم أو غايتهم من الاختطاف، في شريط تسجيلي بثته وكالة أسوشيتدبرس قائلًا: «كان يفترض ذلك اليوم أن نصور عملية تنظيف بقايا المستوطنات «الإسرائيلية» في قطاع غزة. وفي السابعة صباحًا حملت كاميراتي وخرجت من الشقة التي أقيم فيها للقاء صديقي ماجد حمدان، الذي يعمل مترجمًا وسائقًا مع وكالة «أسوشيتد برس»، حيث كان ينتظرني في الشارع المقابل للشقة.
وقبل أن أستقل السيارة مع حمدان اندفعت سيارة من طراز «جولف- فولكسفاجن» بيضاء وأغلقت الطريق، ثم قفز أربعة رجال يحملون رشاشات كلاشنيكوف من السيارة، وسيطروا علي ووضعوني داخلها وانطلقوا.
وأضاف: «شاهدت في الخلف ماجد على الأرض، في حين كان رجلان يوجهان نحو رأسه رشاشيهما، ثم دفعني المختطفون نحو المقعد الخلفي وغطوني بقماش وهم يصيحون بالإنجليزية: «احن رأسك واخرس»، واستطرد قائلًا: «بعد ربع ساعة دفعوني خارج السيارة إلى داخل منزل ونحو غرفة في الطابق الأرضي، لم يكن فيها سوى بعض الفئران. سرت في جسمي رعشة وحمى، مما جعلني أشعر بالإرهاق. ونمت مستلقيًا على أرض الغرفة. لم ينزع الخاطفون ساعة يدي لذلك حين استيقظت وجدت أن خمس ساعات مضت منذ لحظة اختطافي».
في ضيافة الخاطفين
وأضاف: «كان الخاطفون يرتدون سراويل جينز وقمصانًا سوداء وهم ملثمون بأقنعة سوداء، وعندما كنت أحاول أن أتحدث إليهم. كان كل ما يقولونه «اخرس» وقال لي أحدهم بلغة الإشارة بأنني لو حاولت الهرب فإنهم سيطلقون على النار وكرر ذلك عدة مرات، وحاول أن يبدو عدوانيًا».
وعن مكان احتجازه، قال: «أعتقد أنني كنت في منزل جيد، كانت هناك جدران عالية، وحديقة مرتبة زرعت بها ورود».
وأضاف: «بعد ذلك جاءت اللحظات المرعبة. جاء شخص ووضع عصابة على عيني وطلبوا مني الجلوس على ركبتي ورفع يدي، تواردت إلى ذهني آلاف الاحتمالات ومن ذلك احتمال قتلي شعرت بأنهم على وشك ارتكاب حماقة، وضعوا كيسًا فوق رأسي ثم طلبوا مني ارتداء زي امرأة وقبقابًا، كان في الواقع نصف قياس الأحذية التي أنتعلها، مما جعلني أجد صعوبة في المشي طلبوا مني مجددًا أن أدخل سيارة ثم راحوا يدورون بها».
رسالة الخاطفين: إظهار غزة وكأنها غابة تختفي فيها مظاهر الإنسانية في ظل حكم الفلسطينيين
ووصف المصور الإسباني ما حدث داخل السيارة، فقال: بعض حراسي كانوا نساء كنت أجلس في المقعد الخلفي وتجلس على يساري امرأة، وكانت هناك امرأة أخرى تحمل رضيعًا ظل يبكي طول الوقت، ولم يستجب لمحاولات إسكاته.
بعد فترة توقفت السيارة، وأخذتني إلى مبنى ثم إلى غرفة مظلمة، لم أكن أرى شيئًا، على الرغم من أنهم نزعوا عصابة العينين، كنت أسمع نقاشًا غاضبًا بين الخاطفين خارج باب الغرفة، كانوا يتحدثون بالعربية التي لا أتحدثها، احتجزت هناك حوالي سبع ساعات.
ثم جاءت لحظات الفرج، ويقول عنها موريناتي «جاءت سيدة ووضعت من جديد عصابة على وجهي، سألتها إذا ما كان هناك شيء سيئ سيحدث، وذلك بعد أن وجهت أصابعي نحو رأسي في إشارة إلى المسدس. أجابت بكلمة واحدة «خلاص» فهمت أنهم سيطلقون سراحي، كنت أسمع صوت الرعد والمطر يهطل، فجأة وضع أحد الخاطفين هاتفًا محمولًا على أذني، سمعت شخصًا يتحدث الإنجليزية بلكنة عربية، قال: «إن كل شيء سيكون كما ينبغي وأنه سيفرج عني قريبًا» لم يقل من هو.
وينتقل موريناتي بعد ذلك إلى الفصل الأخير، فيقول: «اصطحبني أحد الخاطفين إلى السيارة، وضعوا العصابة من جديد على عيني، وطلبوا مني ارتداء ملابس نسائية. سارت السيارة مدة خمس دقائق ثم سمحوا لي بنزع العصابة والملابس النسائية. لم أتعرف على المكان الذي نقلت إليه، لكنني وجدت نفسي في شارع غسلته الأمطار المتهاطلة».
الاختطاف يبرر عمليات الاجتياح الصهيوني للأراضي الفلسطينية
ويضيف الصحفي الإسباني: نقلوني إلى مبنى كان يحيط به رجال الأمن الفلسطيني، قال لي أحدهم بالإنجليزية «أنت معنا، أنت آمن». ومن ثم ناولني شرطي هاتفًا جوالًا، وكان «ميجيل موراتينوس»، وزير الخارجية الإسباني، على الخط، وتحدثنا قرابة خمس دقائق. قال لي: إن أسرتي كانت قلقة، لكن الأمور الآن جيدة. أخذت من هناك إلى مكتب الرئيس محمود عباس، اصطحبوني إلى قاعة كانت تعج بالصحافيين والمسؤولين الفلسطينيين. عانقت زملائي في الوكالة خاصة ماجد، وسلمتني الشرطة معداتي وهاتفًا جوالًا وجواز سفر».
أقل من ٢٤ ساعة كانت كفيلة لتحرير سراح الصحفي الإسباني من يد محتجزيه دون إلقاء القبض على أحدهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه، لمصلحة من لا يتم اعتقالهم؟ ولمصلحة من يتم اختطاف «إيميليو»؟
جدير بالذكر أن مصادر مطلعة كشفت أن الخاطفين ينتمون لحركة فتح، وأن بعضهم من حراس توفيق أبو خوصة الناطق الإعلامي باسم الحركة.
رسالة الخاطفين
يذكر أن ١٧ أجنبيًا اختطفوا في غزة خلال عام ٢٠٠٦م، وأن حادثة اختطاف المصور الصحفي البيروفي «رازوري» ٥٢ عامًا، الذي يعمل في وكالة الأنباء الفرنسية كانت أولى عمليات الاختطاف التي جرت في عام ٢٠٠٧م.
ومن ثم فالرسالة التي تحملها عمليات الاختطاف في قطاع غزة، إظهار غزة وكأنها غابة تختفي فيها مظاهر الإنسانية في ظل حكم الفلسطينيين لها، الذين لا يستحقون السيطرة على أي بقعة من الأرض. وبالمقابل فإن الجيش الصهيوني عندما يقوم بعمليات الاغتيال، فهو يصطاد مجموعة من الخارجين على القانون، وبهذا تكون العملية برمتها خدمة مجانية لدولة الاحتلال، ولا يستفيد منها أي طرف فلسطيني، وحتى الذي يراهن على الحصول على أشياء عبر المفاوضات، فهذه العمليات تضعف موقعه، وبالتالي فإن حماية، أو عدم معاقبة من يقوم بعمليات الخطف كلها في ذات الدائرة، حيث النتائج لا تخدم القضية الفلسطينية.