; لعلكم تتقون | مجلة المجتمع

العنوان لعلكم تتقون

الكاتب علاء سعد حسن

تاريخ النشر السبت 23-نوفمبر-2002

مشاهدات 64

نشر في العدد 1528

نشر في الصفحة 51

السبت 23-نوفمبر-2002

يجدد المولى -عز وجل- الغاية من الصيام في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183) والتقوى من الوقاية أي الخوف والخشية والرهبة من غضب الله تعالى وسخطه وعقابه. وهي جماع الخير كله يقول الرسول ﷺ: لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس (۱)، وسأل عمر بن الخطاب أبي بن كعب -رضي الله عنهما- عن التقوى فقال: أما سلكت طريقًا ذا شوك، قال: بلى، قال: فما فعلت؟ قال شمرت واجتهدت قال: فذلك التقوى (۲)، وقال أبو يزيد البسطامي المتقي من إذا قال قال لله وإذا عمل عمل لله (۳)، وورد عن علي -رضي الله عنه- في تعريف التقوى أنها الخوف من الجليل والرضا بالقليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل.

فإذا كانت الغاية من فريضة الصوم تحقيق صفة التقوى في نفوسنا، فعلينا إذن أن نتخذ من شهر رمضان موسمًا للتغيير ومحضنًا لتقوية التقوى في القلوب للتغيير من حال إلى حال لنصبح أثناء رمضان وبعده أكثر تقوى لله فمواسم الخير والعبادة التي يمتن الله بها علينا من صوم وحج هي مدارس التربية على التقوى والتدريب على الاستقامة عليها، فإذا وعينا المعنى التغييري والمدلول التربوي لشهر رمضان استطعنا أن نبدأ منه نقطة التحول داخل نفوسنا.

ومن أهم الأمور التي تعين على التغيير إلى الأفضل وتحقيق التقوى في النفوس، إيماننا بقدرة النفحات الإيمانية التي يمنحنا إياها المولى -عز وجل- على صنع هذا التغيير ألا إن في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لهاء، وقناعتنا بأثر المنهج الإلهي في تربيتنا مهما بلغت أعمارنا وتشبثت ببعض العادات الباطلة نفوسنا وتعودت على ارتكاب أنواع من المعاصي جوارحنا. لأن المنهج الإلهي في التربية والتغيير له قدرة خارقة على تبديل النفوس من معصية إلى طاعة ومن ضلال إلى هدى. 

هل نزل القرآن الكريم على أمة من المتقين حسني الأخلاق والتربية أم على مجموعة من الغلمان والصبية في مراحل نشأتهم الأولى فسهل تربيتهم وتشكيلهم وفق المنهج الرباني؟

لا، بل نزل القرآن الكريم على قوم من الجهال في مجموعهم، فمنهم من كان يسجد لحجارة لا تضر ولا تنفع ومنهم من: كان يتخذ إلهًا من العجوة إذا شبع عبده وإذا جاع أكله ومنهم من وأد ابنته ومنهم من حارب دين الله وحارب الرسول ﷺ حتى من الله عليه بالهداية لم يكونوا من الأطفال ولا الغلمان حديثي السن، بل توزعوا على مختلف الأعمار، ولكن التربية الربانية عملت عملها في القلوب التي مستها والأرواح التي تعرضت لها، فاستجابوا لنداء التقوى وتربوا تربية جديدة وسموا من حضيض الجهالة إلى علياء الإيمان.

فإذا كان الإسلام قد فعل فعله في أولئك الأقوام فأخرج منهم خير أمة عرفتها البشرية فما أهم العوامل التي تساعدنا على التغيير وتحقيق التربية الإيمانية، والوصول إلى التقوى؟

  1. رصد الواقع الخاطئ ورفضه وعدم الرضا به أو الاستسلام إليه. لابد من وقفة محاسبة مع النفس نرصد فيها بصراحة ووضوح أهم الخصال التي يجب أن نغيرها وأهم العادات السلوكية التي يجب أن نقلع عنها، ونرصد أهم الأخلاق الحسنة التي يجب أن نتحلى بها لتوصلنا إلى التقوى. إن إرادة التغيير تنبع أولًا من قناعتنا بوجود الخلل مع إيماننا بإمكانية التغيير وعدم اليأس من روح الله تعالى، وعندها تدب في قلوبنا هذه الإرادة إرادة التغيير – تمس قلوبنا يد العناية الإلهية الرحيمة الشفيقة لتعمل عملها في النفوس (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: 11)

  2. تلق جديد للقرآن الكريم كأنه اليوم أنزل مع استجابة النفس لأوامره ونواهيه إن هذا الكتاب الخالد الذي مس القلوب من قبل قادر على أن يمسها اليوم فيفعل بها الأعاجيب غير أننا تلقينا القرآن تلقي ميراث قد نقرؤه أو نتدبر بعض معانيه لكننا لا نتلقى أياته تلقيًا جديدًا كما كان يتلقاها جيل الصحابة فيتفاعلون معها ويتفعلون بها ويشرعون في تنفيذها في التو واللحظة، فإذا استطعنا أن نجعل من شهر نزول القرآن شهرًا للتفاعل مع القرآن بروح جديدة وقلب جديد ونفس مطمئنة تسلم كيانها كله إلى طب القرآن وعلاجه ليداوي عللها وأمراضها في استسلام يؤمن بقدرة منهج القرآن على شفاء الصدور كما يستسلم السقيم ليضع الجراح واثقًا في أن الله تعالى جاعل الشفاء على يديه، طلق للأوامر والنواهي على سبيل التنفيذ الفوري، إن حدث ذلك فإن القرآن الكريم سيخرج منا نقوسًا جديدة ذاقت حلاوة التقوى. 

  3. الخروج عن المألوف والفكاك من أسر العادات المختلفة، بالصوم يعطينا فرصة ذهبية لتعيد تشكيل حياتنا من جديد وفق منهم وتصور جديدين فتعيد تشکیل دقائق حياتنا، إذ يكون الاستيقاظ في شهر رمضان في وقت السحر ليدرك المسلم بركة السحور له أن يستغل مثل هذا الوقت الذي قد لا يتاح له كثيرًا في باقي أيام العام بالدعاء والاستغفار ليحقق قوله تعالى : (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات: 18)  ، ويلحق بصلاة الفجر على وقتها، ويعود إلى كتاب الله فيخصه بنصيب أوفي من القراءة والاهتمام، ويتعود نصب قدميه لله في صلاة التراويح ويتخفف من زاد الجسم ليتزود من زاد الروح، فإذا اقتصر طعام البطن على وجبتين فإن وجبات القلب خلال اليوم أكثر مما تعد في فرصة للمبتلى بعادة سيئة أن يتخلص منها، فالمدخن أن يقلع عن التدخين ولمدمن المنبهات أن يتخلص منها ولصاحب الغيبة والنميمة وقول الزور وشهوده ومعاينته والنظرة المحرمة فرصة لمراجعة النفس والتوقف عن ذلك. 

  4. الصوم يخلي بينها وبين أنفسنا بعيدًا عن تأثير الشياطين وهي فرصة لمواجهة النفس وجهًا لوجه، فإذا سلسلت مردة الشياطين وتخلت عن وظيفتها في الغواية، واجه الإنسان نفسه، فرأى عيوبها واضحة جلية ورد أخطاءها إليها، وشهواته إلى هواه لا إلى سواه، وعليه أن يستغل هذه الفرصة ليدرب النفس على الصبر عن أنواع المعاصي كلها كما يدربها على الصوم عن أنواع الطعام وقت الإمساك ويدربها على الصبر على الطاعة كما يدربها على القيام ومطالعة القرآن وليحدد لنفسه ثلة من الأخلاق الطيبة ليكتسبها في رمضان فإنما الصبر بالتصبر والحلم بالتحلم.

الهوامش

1- قال الترمذي حسن غريب.

2- ابن كثير والقرطبي.

3- (القرطبي).

الرابط المختصر :