العنوان لعنة «الإيدز» تلحق السياسيين الفرنسيين وتصيب المنطقة الإسلامية
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1992
مشاهدات 52
نشر في العدد 1010
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 04-أغسطس-1992
في اليوم الذي أنهت فيه الندوة العالمية
الثامنة حول مرض «الإيدز» أعمالها بمدينة أمستردام، وقف ثلاثة وزراء فرنسيين
سابقين أمام المحكمة للإدلاء بشهادتهم حول قضية الساعة في فرنسا والمتمثلة في حقن
دماء ملوثة بجرثومة «الإيدز» إلى مرضى كانوا سالمين من هذا الداء.
فما أطوار هذه القضية؟ وما أبعاد
هذين الحدثين بالنظر إلى واقع المنطقة الإسلامية؟
دم «مسموم»
تعود بداية قضية هذا الدم «المسموم» إلى
السنوات الأولى للحكومة الاشتراكية الفرنسية في عهد لورون فابيوس الوزير الأول بعد
«موروا» والذي يشغل حاليًّا منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي بعد أن كان رئيسًا
للبرلمان وهو من الرجال المشهورين للوبي اليهودي السياسي في فرنسا، وقد حضر
المحكمة كمجرد شاهد في قضية أخذت أبعادًا قومية، وفرَّق أثناء استجوابه بين مسألة
تحليل الدم والتثبت من عدم تلوثه بجرثومة مرض «الإيدز» وبين «تسخين» الدماء قبل
حقنها لتجنب كل عدوى.
والمؤاخذة التي وجهت إليه وإلى كلٍّ من
كاتب الدولة للصحة «أدمون هرفي» ووزيرة الشؤون الاجتماعية «جورجيا دي فوا» في عهده
التباطؤ في أخذ قرارات حاسمة لمنع استعمال دماء ملوثة ومسمومة أثناء معالجة
المرضى، مما تسبب في انتقال عدوى «الإيدز» إلى قرابة 400 مريض، مات بعضهم ومازال
البعض الآخر مهددًا بالموت في كل لحظة.
وقد برر الوزراء الثلاثة هذا الخطأ بعدم
الحصول على تفاصيل طبية ومسائل تقنية تثبت وجود مثل هذا الخطر، في حين أشار العديد
من الشهود من الأطباء المختصين إلى التنبيه عبر تقارير رفعت إلى المعنيين بالأمر
إلى إمكانات التلوث القائمة والتي لم تجد العناية الكافية من طرف المسؤولين، مما
يفسر الحرج الكبير الذي شعر به الوزراء الثلاثة أثناء الإدلاء بشهادتهم بحضور
المتضررين وعائلاتهم الذين احتجوا وعبّروا عن غضبهم عندما افتتح فابيوس شهادته
بالتعبير عن تضامنه مع الضحايا والانحناء لألمهم وشرفهم، ذلك أن هؤلاء يعتقدون أن
الوزراء متهمون لكثرة تنصلهم من المسؤولية، وهذا يعني عدم تحميل الدولة مسؤولية
هذه الكارثة الاجتماعية ودفع بعض الموظفين إلى أن يكونوا كبش فداء.
طغيان العقلية المادية
فبمرور الأيام ودخول المحاكمة أسبوعها
الرابع، تبين أن «قانون المال» كما ذكرت مجلة الأكسبرس الفرنسية هو الذي كان
طاغيًا على عقول المسؤولين في الجهاز المشرف على نقل الدم وفي الدولة، فقد توقفت
المفاوضات التجارية بين هذا الجهاز والشركة النمساوية «إيمينو» مما تسبب في تأخير
توفر المواد «المسخنة» بخمسة أشهر وفي انتظار ذلك دعا المسؤولون عن المركز الوطني
لنقل الدم إلى مواصلة توزيع المواد الأخرى «الملوثة» إلى نهاية المخزون والتي تقدر
بعشرة ملايين فرنك.
من ناحيتها لم تسرع الوزارات المعنية
باستيراد المواد المسخنة لأن ثمنها سيتحمله صندوق الضمان الاجتماعي كما أن الأمر
بالانطلاق في التثبت من نوعية الدم قرره فابيوس يوم 19 يونية 1985 في حين أن
الطبيب موانتانيي طلب منذ آب 1983 مبلغًا عاجلًا يقدر بمليوني فرنك للقيام بهذه
العملية. ولكن الحكومة في ذلك الوقت لم تخصص هذا المبلغ لاعتبارات مالية لها علاقة
بالموازنة على حساب الاعتبارات الصحية والإنسانية.
ونتيجة لهذه العقلية المادية، انتشر مرض
الإيدز واستفحل كما أكدته أعمال الندوة العالمية حول هذا الداء بمدينة أمستردام،
ولا تقتصر هذه العدوى على فرنسا وأوروبا والغرب عمومًا وإنما تجاوزته إلى قارات
ومناطق أخرى بما في ذلك أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي خاصة المتاخمة أو القريبة
من العالم الغربي كمنطقة المغرب العربي.
وتبقى العقلية المادية والحرص الشديد على
الربح الوفير بغض النظر عن المصدر هما سبب تهديد هذا الداء لأبناء الكيان
الإسلامي، وعلى رأس هذه المخاطر فتح المجال للسياحة الغربية بالخصوص دون توفر
ضمانات الوقاية المادية والمعنوية من العادات السيئة المستوردة بحجة الظهور بمظهر
التسامح والانفتاح على الحضارات والثقافات الأجنبية.
معركة الطهارة الأخلاقية
ومثل هذه المبررات تخفي في الحقيقة
مشروعًا ذا أبعاد استراتيجية خطيرة يتمثل من ناحية ما يسمى الآن في بعض البلدان
الإسلامية بـ«تجفيف منابع الحركات الأصولية» بتربية جيل جديد من المشككين
والمتشككين في هويتهم الحضارية الإسلامية، ومن ناحية أخرى عدم ترك الفرصة
للمجتمعات الإسلامية للتميز بصفة الطهارة الأخلاقية والسعي إلى إغراقها في متاهات
الحضارة الغربية وانحرافاتها.
فلا غرابة أنه في الوقت الذي يحاكم
الإسلاميون في بلدانهم بتهمة التآمر على الدولة والانتماء إلى جمعيات غير مرخص
فيها- كما هو الشأن في الجزائر وتونس- تعيش البلدان الأوروبية قضايا من نوع آخر
ليس لها علاقة بالحرية السياسية والرؤى الفكرية حول المستقبل والصراع بين السلطة
والمعارضة، وإنما ذات علاقة بالمسائل الاجتماعية- الأخلاقية المتداخلة مع القضايا
السياسية: مثل استفحال داء «الإيدز» والفضائح السياسية وتسرب مافيا الفساد إلى كل
قطاعات الدولة كما هو الحال في إيطاليا، مع الإشارة إلى أن مثل هذه القضايا
الطاغية في الغرب وأوروبا بالخصوص تجد لها أصداء متفاوتة في المنطقة الإسلامية
بسبب انتشار ظاهرة تقليد الغرب هناك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل