العنوان لغويات سياسية (العدد 1483)
الكاتب عبد الله عيسى السلامة
تاريخ النشر السبت 05-يناير-2002
مشاهدات 54
نشر في العدد 1483
نشر في الصفحة 53
السبت 05-يناير-2002
«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء، حتى اللغة.. واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء.. حتى السياسة».
كان أحد الجنود الجامعيين الذين يؤدون خدمة العلم تحت وصف «جندي مثقف» في إحدى الثكنات العربية، يترنم أثناء عمله ببيت الشعر التالي:
عندي رسائل شوق لست أذكرها * لولا الرقيب لقد بلغتها فاك
وكان بالقرب منه ضابط صف برتبة رقيب، فناداه وقال له بلهجة آمرة:
أعد الكلام الذي قلته قبل قليل، أيها الجندي.
قال الجندي: أي كلام تقصد؟
قال الرقيب: الكلام الذي قلت فيه «لولا الرقيب».
قال الجندي باسمًا: لعلك تقصد بيت الشعر.
قال الرقيب بحزم: نعم.
قال الجندي: أمرك.. وأعاد عليه البيت.
قال الرقيب ساخرًا بامتعاض: يا سلام على جنود آخر زمن، يذكرون الرتب العسكرية هكذا بلا ألقاب.
قال الجندي: ولكن يا...
قال الرقيب بحزم: اسكت، وأعد بيت الشعر، وقل فيه: لولا حضرة الرقيب.
قال الجندي مرتبكًا: ولكن يا حضرة الــ ...
قاطعه الرقيب بحزم: أمرتك فنفذ أيها الجندي.
قال الجندي: أمرك سأعيد ذكر البيت، ولكن إذا انكسر وزنه فأنت المسؤول.
قال الرقيب: ماذا تقصد؟
قال الجندي: أقصد أن كلمة «حضرة» ستكسر وزن البيت.
قال الرقيب بحزم: أن تكسر وزن بيت الشعر، أهون عليك من أن يخرب بيتك.. فهذه الرتبة لم آت بها من بيت أبي.. أفهمت؟ «وأشار الرقيب بيده إلى رتبته المعلقة على كتفه».
قال الجندي بانكسار: أمرك..
وقرأ الجندي البيت، قائلًا: لولا حضرة الرقيب لقد بلغتها فاك.
سر الرقيب، وفتل شاربيه ابتهاجًا.. ثم قال للجندي مستفسرًا: ولكن قل لي: ما معنى هذا البيت؟
قال الجندي: معناه أن الشاعر يحب فتاة، ويكتم شوقه إليها خوفًا من الناس الذين يراقبونه من حوله.. ولولا هؤلاء لأوصل رسائله إليها على شكل قبلات.
انتفض الرقيب
وقال: قبحك الله، وهل جعلتني بهيبتي ورتبتي، حارسًا على هذا الشاعر كيلا يقبل حبيبته، وأنا الذي نذرت عمري لحراسة الوطن! سأعاقبك.
قال الجندي: ولكن يا حضرة الرقيب...
قاطعه الرقيب بحزم: اصمت.. عليك نوبة حراسة اليوم.
قال الجندي: ولكنني أديت دوري في الحراسة الليلة الماضية.
قاطعه الرقيب بحزم: هذا دور إضافي.. عقوبة.. وعلى البوابة الرئيسة للثكنة، حتى لا تستطيع إخلاء موقعك دقيقة واحدة، ولو لشرب كأس من الماء، أفهمت؟
قال الجندي بانكسار: أمرك.
قال الرقيب بلهجة آمرة: بعد عشر دقائق تذهب إلى عريف الحرس، وتستلم منه البارودة، وتقول له: بأمر الرقيب فلان سلمني البارودة بدلًا من الحارس صاحب الدور الأصلي.
قال الجندي أمرك.
وأثناء نوبة الحراسة، تذكر الجندي ما جرى بينه وبين الرقيب فضحك من شدة القهر، وبدأ يترنم ببيت آخر:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء * إذ حيث كنت من الظلام ضياء
فسمعه «عريف الحرس» وذهب إلى الرقيب مسرعًا، وهو يقول له لاهثًا:
يا حضرة الرقيب.. إن الجندي الذي عاقبته لأنه تجرأ على حضرتك، يتمتم لنفسه، ويشتم الرقباء كلهم.
أربد وجه الرقيب وأقبل مسرعًا إلى الجندي، وحين وصل إليه، طلب منه الوقوف باستعداد، وحين استعد الجندي قال له: ألأني عاقبتك عقوبة خفيفة، تشتم الرقباء كلهم وتهين سمعة الجيش، يا فوضوي يا قليل الاحترام يا عدو الانضباط والنظام.
قال الجندي مرتبكًا: أعوذ بالله يا حضرة الرقيب.. من قال لك هذا الكلام؟
قال الرقيب: لقد سمعك العريف وأنت تشتم الرقباء.
قال الجندي: متى وكيف؟
قال الرقيب: لا أدري.. هو سمعك بأذنه تدندن بكلام فيه شتم للرقباء.. فهل ذكرت الرقباء قبل قليل أم لا؟
انتبه الجندي إلى الأمر، فقال باسمًا: بلى بلى يا حضرة الرقيب، لقد قلت بيتًا من الشعر، فيه كلمة الرقباء.
قال الرقيب بحزم: أعده علي.
أعاده الجندي.. فلم يفهم منه الرقيب شيئًا، لكنه فهم كلمات: «أمن.. الرقباء.. الظلام» فهز رأسه، وهو ينظر شزرًا إلى الجندي، ويقول له بهدوء: وقعتك سوداء.. تريد «التخابر» مع العدو في الظلام.. وتتمنى أن يغفل عنك «الرقباء» حتى تفتح بوابات الثكنة، وتدخل إليها جنود العدو ليدمروها.. أليس كذلك!؟؟ محاكمة عسكرية.
قال الجندي: يا رجل اتق الله.
قاطعه الرقيب بحزم: وهل تعرف أنت التقوى يا خائن؟ سر أمامي إلى النقيب قائد السرية.
حين شرح الجندي معنى البيت لقائد السرية، فهم معناه، لأنه يحمل ثانوية عامة.. لكنه ظل يشكك في نية الجندي وراء الترنم بالبيت، ولا سيما أن الرقيب يلح على فكرة «التخابر» مع العدو، ويهدد بإيصال الأمر إلى أعلى المستويات، وأمر قائد السرية الرقيب باصطحاب الجندي إلى المقدم قائد الكتيبة.
وحين أطلع قائد الكتيبة على الأمر ابتسم، وأمر الرقيب بالانصراف... وقال للجندي باسمًا مشفقًا: أعانك الله على العباقرة الذين من حولك.. احمل بطانيتك واذهب إلى السجن فنم ليلتك، لترتاح من عناء الحراسة التي فرضها عليك الرقيب.. وليشعر حضرته أننا عاقبناك، حتى لا يظل يثرثر في المسألة.. ويوصلها «إلى أعلى المستويات»! فلدى هذه الأمة من المخجلات ما يكفيها ويكفي أولادها وأحفادها.. اذهب يا بني اذهب.. أعانك الله.
اضطجع الجندي المثقف في الزنزانة على بطانيته، وهو يترنم ببيت المتنبي:
فقر الجهول بلا عقل إلى أدب * فقر الحمار بلا رأس إلى رسن.