; لغويات سياسية.. دي / مو / قرا.. طية.. | مجلة المجتمع

العنوان لغويات سياسية.. دي / مو / قرا.. طية..

الكاتب عبد الله عيسى السلامة

تاريخ النشر الاثنين 16-ديسمبر-2002

مشاهدات 61

نشر في العدد 1527

نشر في الصفحة 60

الاثنين 16-ديسمبر-2002

  • لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء داخلة منذ القدم في كل شيء .. حتى السياسة

الديمقراطية لفظ أعجمي، يوناني الأصل. معناه حكم الشعب. ولأن الكلمة أعجمية لم تجد من يفهمها في أكثر بلادنا.

 لم يفهمها أكثر الحكام، لذا لم يحاولوا تطبيقها، ومن حاول تحت ضغط الإعلام الخارجي، أو تحت ضغط الشعوب المتأثرة بهذا الإعلام طبقها بصورة شائهة، أو مغلوطة، أو ممسوخة أو فصلها بطريقته الخاصة، لتناسب حجمه، أو حجم رأسه أو صدره أو بطنه أو رجله.. ثم وقف ينادي في الناس باسماً متحدياً: انظروا لقد حققت لكم الديمقراطية، في أروع صورة إنها الصورة التي تناسب بلادنا، وظروفنا وواقعنا، وهو بالطبع يقصد ظروفه وواقعه وقبل ذلك يقصد البلاد التي فصلها على مقاسه تماماً..

وهو معذور في ذلك - ربما .. لأن الكلمة يونانية ولما كان لا يفهم اليونانية، فقد ترجم الكلمة بطريقته الخاصة. هكذا، ارتجالاً. وهذا بلا شك دليل على عبقريته فقليلون هم. أولئك الذين يتصدون لترجمة كلمة من لغة لا يعرفون معناها، ويحققون في ذلك نوعاً من النجاح. 

الحق - إذا - على الكلمة نفسها، لأنها صعبة معقدة، لفظاً، ومعنى، وتطبيقاً.. وربما كان الحق على أصحابها الذين اخترعوها وصدروها إلينا دون أن نطلبها منهم فمن قال لهم إننا نحب استيراد مثل هذه البضاعة الغريبة.. ومن أهم الأدلة على غرابتها.      

  أ-كون الحكام ومنذ حلت أمريكا محل بريطانيا وفرنسا في عالمنا العربي لم يستطيعوا تطبيقها بصورة مقبولة مريحة لشعوبهم فطبقها كل منهم بالصورة التي تريحه هو، وعلى حسب «النصيحة» التي تلقاها من أصحاب الشأن. 

ب- كون شعوبهم لم تعرف كيف تطالب بتطبيق الديمقراطية.. فبدلاً من أن تطالب نفسها - مثقفيها، وقادة الرأي فيها - توجهت إلى حكامها تطالبهم بها، كما لو كانت بضاعة خاصة يمتلكونها، وينفقون منها على الناس بالقدر الذي يرونه مناسباً، والغريب أن أولئك الحكام أعجبتهم هذه المطالبة، إذ أقنعتهم بأن الديمقراطية سلعة مخزونة لديهم، ينفقون منها ما يرونه مناسباً لظروفهم، ويعدون الناس بإنفاق المزيد عندما تحين ظروف مناسبة أخرى وبالطبع غفلت الشعوب عن أن حريتها وحرية كل فرد فيها، إنما هي جزء من هذه السلعة- والحرية لا تستجدى - كما غفلت الشعوب عن أن شهوة التسلط والاستبداد. تمنع صاحبها من أن يقدم - طائعاً - مقدار حبة من خردل من الحرية للناس الذين يملك رقابهم، ويتحكم بمصائرهم قد يمنحهم أموالاً، أو عقارات أو وظائف ومناصب.. أما أن «يمنحهم» الحرية في أن يقولوا لا»، فهذا ضرب من العبث إنه يحفظ شطر البيت الذي قاله عمر بن أبي ربيعة، منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة «إنما العاجز من لا يستبد» .

فلماذا أخطأت الشعوب في طلب الديمقراطية لأن الديمقراطية، ومرة أخرى كلمة عصية على الفهم، لأنها أعجمية!.. 

ج-والدليل الآخر على صعوبة الكلمة- فهماً وتطبيقاً - أنها غير قابلة للاشتقاق أي أنها لا تصرف حسب قواعد اللغة العربية وحين أراد بعضهم وبعض لغوييهم الذين يصرفون لهم المفردات السياسية اشتقاق مصدر من الكلمة، لم يجدوا لفظاً يمكن إخضاعه لقواعد الصرف العربي، فاخترعوا كلمة دمقرطة.. قياساً على المصادر المشتقة من الأفعال الرباعية، مثل دحرج دحرجة . عسكر عسكرة - عريد عربدة.

وربما كان الحق مع الحكام ولغوييهم في هذه المسألة.. فليس هناك لفظ رباعي واحد مكون من مفردات هذه الكلمة أي من حروفها في معجمات اللغة العربية فليس في المعجمات «دمقر» أو «دمرط» أو «مقرط». أو «دقرط» ، وأفضل ما استطاع لغوي سياسي أن يفعله هو ذلك الاشتقاق من فعل قرط فسمى المصدر «مقرطة»... على وزن مفعلة. أي على غرار مهزلة ومضحكة ومحكمة، ومجبنة، ومبخلة. وقد لا يكون مستغرباً - لدى التأمل - اشتقاق المقرطة من فعل القرط فهو فعل معروف لدى أبناء الأمة العربية من محيطها إلى خليجها.

ومن أبرز المعاني الواردة في مادة قرط  في المعجم ما يلي: 

قرط قطع - قرط قطع - قرط عليه: أعطاه قليلاً - قرط الجارية البسها القرط - قرط الفرس: الجمها - قرط السراج: نزع عنه ما احترق من طرف فتيله- قرط، فهو أقرط - قرط عليه في الطلب: شدد «محدثة» - قرط إليه رسولاً: أنفذه مستعجلاً. 

ويلاحظ هنا أن فعل «القطع»، هو الأبرز بين معاني مادة «قرط»... بيد أن هذا لا يلغي المعاني الأخرى.. وفي كل الأحوال، يكون المصدر الميمي المصوغ من قرط على وزن مفعلة، أي: «مقرطة». 

واللغوي السياسي، الذي اشتق «المقرطة» من «الديمقراطية»، تعمد أن يترك معناها عائماً فلا يعرف مثلاً، أهي من القطع مقطعة، أم هي من معنى «قرطت المعزي قرطاً: صار لها زنمتان معلقتان في الأذن فهو أقرط، وهي قرطاء..» 

والفرق بين «المقرطة»، و «الدمقرطة» هو الفرق بين صحة الاشتقاق اللغوي مع بُعد اللفظة عن أصل معناها، وبين فساد الاشتقاق مخالفته للأوزان الصرفية - مع بقاء اللفظة في دائرة معناها الأصلي. 

وكلا اللفظين يدل - كما هو واضح على حالة الارتباك السائدة في التعامل مع الديمقراطية، حتى على المستوى اللفظي البحت.. 

والحق في ذلك كله - بالطبع - على الكلمة نفسها «الديمقراطية». فلو لم تكن أعجمية لأمكن فهمها والتعامل معها على المستويين اللغوي والسياسي. 

إلا أن بعض الحكام أكثر فطنة وحصافة وحرصاً على مصالح شعوبهم، وحرياتها وعلى حقوقها البدهية الراسخة في التعبير عن: آرائها، إذ بادروا إلى ابتكار مجالس لطيفة على الأمزجة، خفيفة على البطون - أي سهلة الهضم .. عينوا عناصرها من العناصر المضمون ولاؤها.. وحين يقول لهم قائل أو يسألهم سائل من انتخب هذه المجالس؟ وماذا تمثل؟ حينئذ يقال لهم: أنتم أناس لا يعجبكم العجب، ولا الصيام في رجب.. بل.. بل إنكم أناس مخربون، ولابد أن لكم صلات مشبوهة مع جهات أجنبية تريد تدمير الوطن..

وعند ذلك تخرس السنة «المشاغبين». أو يجر أصحابها من أذانهم إلى «المقرطة». وهي الساحة الفعلية للحرية، التي يمارس فيها الزبانية أروع مظاهر الحرية في إهانة الأحرار  وسحق إبائهم وأنفتهم وإنسانيتهم.

الرابط المختصر :