العنوان لقاء الترابي برجال حركة قرنق الانفصالية يكشف: استمرار مشكلة الجنوب برهان على فشل أطروحات الأحزاب التقليدية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1986
مشاهدات 67
نشر في العدد 776
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 22-يوليو-1986
- حل مشكلة الجنوب في إطار نظام فيدرالي.
- قرنق لا يمثل الجنوب، ولكنه فعالية من الخطأ تجاوزها.
- الإعلام الغربي خلق من عمليات قرنق الإجرامية فتوحات القادة.
أثار خبر اللقاء الذي تم بين قادة الجبهة الإسلامية القومية وممثلي ما يسمى «بالحركة الشعبية لتحرير السودان» كثيرًا من الدهشة، انطلاقًا من عمق واتساع هوة الخلاف بينهما، والتي قد تصل إلى درجة التناقض في كثير من الأحيان. وإذا كانت السياسة هي فن الممكن، فإن مبدأ الحوار مع النقيض بعد مقدرة رفيعة تتحلى بها الدعوة الإسلامية، وقد أكدت الجبهة الإسلامية هذا المبدأ والتزمت بنتائجه بصورة دائمة. ويأتي اللقاء في إطار توسيع دائرة الحوار مع القوى الجنوبية، وقد ذكر الدكتور حسن الترابي الأمين العام للجبهة لجريدة «الشرق الأوسط» أن الحوار تطرق لقضايا الهوية الوطنية للسودان بين العروبة والإفريقية، كما تطرق إلى منهج الحكم بين النظام الإقليمي والفيدرالي والرئاسي والبرلماني، كذلك تناول اللقاء قضية الشريعة الإسلامية وآثار تطبيقها على غير المسلمين وعلاقات السودان الخارجية. وقد أوضح الدكتور الترابي أن روح التسامح والرغبة الأكيدة قد سادت أجواء الاجتماع. والمعروف أن الجبهة الإسلامية القومية لم تقع تحت تأثير الاستلاب الإعلامي الذي مارسته حركة الخوارج بقيادة العقيد جون قرنق، والذي أثر على منظور الأحزاب السودانية، وشاركت في تعميق المفهوم الخاطئ الذي روجت له الدوائر الإعلامية ذات المصلحة المباشرة في زرع بذور الخلاف بين الشمال والجنوب، فالجبهة الإسلامية لا تقيم وزنًا لدعوى شرعية قرنق في التحدث باسم الجنوب قاطبة، فهو ليس ممثل الجنوب، وهذا لا ينفي أن له بعض المؤيدين في بحر الغزال، وأقل منهم في إقليم أعالي النيل، إلا أنه لا يحظى بأدنى وجود في إقليم الاستوائية غير العداء البين. واستنادًا لوضوح رؤية الجبهة الإسلامية القومية وتقييمها العلمي والواقعي لحركة جون قرنق، كانت مواقف الجبهة المحددة طيلة فترة الحكم الانتقالي، وعقب الانتخابات الأخيرة والتي شملت أكثر من منتصف جنوب السودان، مما رجح نظرة الجبهة الإسلامية في تحديد الحجم الفعلي لحركة التمرد التي يسميها الإعلام الغربي الصليبي مع جون قرنق الحركة الشعبية «لتحرير السودان»، لهذا كان الحوار مع ممثلي جون قرنق ضمن الفعاليات السياسية لقوى جنوب السودان وليس في إطار شرعية تمثيل جون قرنق وحركته لجنوب السودان. فالجبهة الإسلامية تنظر إلى قضية جنوب السودان من منظور العلاقة العضوية بين أجزاء القطر الواحد دون إغفال للتباين الثقافي والعرقي، وترى أن استمرار إشكالية الجنوب برهان واقعي على فشل الأطروحات السياسية الجزئية ذات الأثر المحدود والتي ظلت أنظمة الحكم المختلفة تتمسك بها، رغمًا عن عدم جدواها في تحقيق الهدف بحل القضية، وتجاوز نقطة انعدام الثقة بين طرفي البلد الواحد، لذا فالجبهة تركز ضمن برنامجها الشامل للعمل الإسلامي في عموم السودان على تجنب التسويات الوقتية ذات الطابع القومي مع قيادات الخلاف دون تعميق أسباب الحل مع القواعد الشعبية. وعليه فإن الجبهة تنظر إلى محاولات الحكومة وأطروحات الأحزاب السياسية بأنها لا تنفك عن هذه الأخطاء، كما أن مثل تلك الحلول تولد مزيدًا من حركات التمرد، فكثيرًا ما يكون العلاج لمصلحة فئة على حساب فئات أخرى، ولذا ترفع الجبهة شعار حل مشكلة الجنوب في إطار النظام الفيدرالي بين الشمال والجنوب على أن يتم هذا ضمن المؤتمر الدستوري المزمع عقده، وحتى لا يكون المؤتمر الدستوري حدثًا دون ما عول عليه من آمال. فإن الجبهة تدعو إلى إعداد الدراسات حول مشكلة الجنوب من قبل كافة الفعاليات السياسية ورفض مبدأ إعلان شروط مسبقة قبل المؤتمر، والتسليم بأن جون قرنق لا يمثل أبناء الجنوب، وإشراك القوى الجنوبية الأخرى بصورة مساوية لحركة جون قرنق، فهذه مبادئ ومواقف الجبهة من قضية الجنوب.
والجدير بالذكر أن العناصر الإسلامية في مؤتمر المائدة المستديرة عام ١٩٦٥م بقيادة د. حسن الترابي كانت تنادي بذات المبادئ الشاملة في حل المشكلة، وقد طرحت يومها فكرة الحكم الإقليمي، وكان ذلك إضافة حقيقية نحو الحل وتقديرًا لموقف العناصر الإسلامية؛ فقد تم آنذاك اختيار د. الترابي من قبل أحزاب الشمال المسلمة بالتفاوض مع الأحزاب الجنوبية نيابة عنها.
ومهما تكن درجة الخلاف في المواقف بين الجبهة الإسلامية وحركة الخوارج بقيادة جون قرنق، فإن الحوار يجلي نظرة الطرفين على أقل تقدير، خاصة وأن العقيد الخارجي قرنق كثير التصريحات ومتناقض أحيانًا أخرى مع نفسه، أما مواقفه بالنسبة لمشكلة الجنوب والسودان عمومًا، فتبدو عليها سمة التشدد وعدم المرونة، وقد ساعد في تدويل مشكلة الجنوب، وقام بكثير من العمليات الحربية -ضد أبناء الجنوب- ويمكن وصف عملياته تلك بالأعمال الإجرامية، وحتى الآن فإنه يرفض الاعتراف بالحكومة القائمة، كما يرفض نتائج الانتخابات، وفي ذلك كثير من التجني على الحقائق.
وبالرغم من ذلك، فإن الحوار قد أدى إلى فتح قنوات المناقشة الجادة لمشكلة جون قرنق قبل مشكلة جنوب السودان، وكسرت الجمود بين الطرفين، خاصة وأن حركة الخوارج قد أعلنت صراحة يأسها من جدوى الحوار مع الحكومة للصادق المهدي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل