; لقاء العدد: في حديثه عن الدوائر والحملات الانتخابية | مجلة المجتمع

العنوان لقاء العدد: في حديثه عن الدوائر والحملات الانتخابية

الكاتب إبراهيم مكي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1985

مشاهدات 56

نشر في العدد 700

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 15-يناير-1985

  • العدل أن تكون الكويت كلها دائرة واحدة يصوّت فيها الناخب لمن يشاء. 
  • الولائم الدسمة ودغدغة مصالح الناخبين الفردية أساليب لا تؤدي إلى نتائج سليمة.
  • فكرة جعل الكويت دائرة واحدة لها أنصارها لكن المقاومة ضدها قوية من جهات عديدة ولأسباب عديدة. 

تستمر المجتمع في عقد لقاءاتها وهي تستنبط آراء أصحاب التجربة والخبرة والدراية من أهل الكويت ولا سيما فيما يتعلق بأوضاع بلدنا العزيزة وهي تنتظر يوم الانتخابات، وإذا كان لنا من هدف في هذه اللقاءات فذلك هو نقل رأي أهل الخبرة والتجربة إلى قرائنا الأعزاء من أبناء هذا البلد، وفي هذا نلتقي مع الدكتور إبراهيم مكي.. والدكتور مكي شخصية كويتية غنية عن التعريف...

وقد كان معه هذا اللقاء.

المجتمع ما رأيك في تقسيم الدوائر الانتخابية؟ وهل تعتقد أن التقسيم السابق الذي ورد في قانون ٢٨ لسنة ١٩٦٩ الذي تمت خلاله كل الانتخابات السابقة هو الأفضل؟ أم أن التقسيم الأخير الذي ورد بقانون ٩٩ لسنة ٨٠ والذي تمت خلاله آخر انتخابات لمجلس الأمة هو الأفضل؟

  • قبل الإجابة عن هذا السؤال في خصوصيته عن التجربة البرلمانية في بلادنا، لا بُدَّ من الحديث عن أثر تقسيم الدوائر الانتخابية على النظم الديمقراطية في الحكم.

فمن العلوم أن الديمقراطية تعني حكم الشعب، وفي التطبيق العملي للديمقراطية يقصد بالشعب «الأكثرية» ومعنى ذلك أن حكم الأكثرية هو حكم الشعب؛ لأنه من المستحيل أن يُجمع الشعب بكل أفراده على قلب رجل واحد.

ويتم التوصُّل إلى رأي الأكثرية بالانتخابات لمجالس الشعب المنتخبة التي تسمى «البرلمان» في بعض البلدان، و«مجلس الأمة» في بعضها أو «مجلس الشعب» وهكذا،

والمشكلة التي تواجهها الديمقراطية، وتعتبر كلمة صدق القول بأن المجالس المنتخبة تمثل الناس حقيقة، تكمن في تقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية لأسباب عملية لا يمكن عدم أخذها بعين الاعتبار، وعندما يمارس الناس، في كل دائرة انتخابية على حدة انتخاب من يمثلهم، فإن هناك من يفوز؛ لأن له مؤيدين في تلك الدائرة بالذات يزيدون عددًا عن مؤيدي من يخالفونه علمًا بأنه لا يملك مريدين غيرهم في أيَّة دائرة انتخابية أخرى، في حين أن هناك شخصًا آخر يمثل مبدأ معينًا أو أيديولوجية معينة، أو له قدر كبير من قوة الشخصية لدى الناس ولكن أنصاره ومؤيديه على الرغم من كثرة عددهم، متناثرين في عدة دوائر وبالتالي فإنهم عاجزون، في كل دائرة على حدة، عن أن يوصِلوا لمجلس الشعب من يمثلهم، في حين لو أنهم تجمَّعوا في دائرة واحدة لقفلوها على مرشحهم، أو مرشحيهم، إذا كان للدائرة أكثر من عضو يمثلها في البرلمان، وبذلك يمكن -مثلًا- أن يصل إلى البرلمان شخص إذا صوت له في دائرته الانتخابية ألفان من الناخبين، ويخسر خصمه المعركة لحصوله على ألف صوت فحسب إلى حين أن هناك خمسة آلاف ناخب يؤيدون الذي فشل، ولكنهم متناثرون في دوائر انتخابية عديدة أخرى، وهكذا تكون هذه الصورة ثلمة، أو ثغرة في صدق تمثيل المجالس المنتخبة لجماهير الناس في النظام الديمقراطي الذي يقوم أساسًا على فكرة أن السيادة والسلطان للشعب، وقد رأينا بوضوح في المثال السابق أن شخصًا وصل للبرلمان بألفيّ صوت؛ لأنها متجمعة في دائرة واحدة، ولا يملك ذلك الشخص مؤيدين غيرهم، في حين فشل في الوصول إلى البرلمان خصم له يملك خمسة آلاف مؤيد ولكنهم متناثرون.. كل ألف في دائرة انتخابية لوحدها!

فإذا عدنا إلى خصوصية السؤال في التجربة البرلمانية الكويتية، فقد يصح من أحدهم القول بأن تقسيم البلاد إلى عشر دوائر تنتخب كل دائرة خمسة نواب أصدق في المدلول الانتخابي على أن الفائزين يمثلون أغلبية الناس؛ لأن كل ناخب أعطَى صوته لخمسة مرشحين خاصة، وأن عدد الناخبين في بلادنا قليل، إذا قورن بأعدادهم في بلدان أخرى،

كما قد يصح القول من آخر بأن تقسيم البلاد إلى خمس وعشرين دائرة تنتخب كل دائرة عضوين أصدق في تمثيل البرمان للناس بعد التوسع العمراني في البلاد وانتشار السكان على رقعة سكنية أوسع؛ لأن ذلك يهيئ فرصة أكبر للناخبين للتعرف على المرشحين، ويعطي مرونة أكبر في الترشيح وتوسيع قاعدة المرشحين الانتخابية.

ويستطيع المراقب أن يرد على قول الأول، فينسب إليه أن تقليل الدوائر يمكن أن يذيب كيان بعض المناطق في مناطق أخرى فلا يمنحها فرصة إبراز مرشح تريده، كما يستطيع المراقب نفسه دون أن يُتَّهم بالتناقض أن يرد على الثاني فيقول إن تجزئة الدوائر إلى خمس وعشرين بدلًا من عشرة يمكن أن تؤدي إلى تكثيف التحالفات القبلية والعائلية؛ لأن التقسيم وفق أسس علمية ودراسات استقرائية لتوجهات الناس، وإنما تم وفق سياسة معينة لا تعدم من ينقدها أو يمدحها ويمكن لكل أن يقدم دليله!

وهكذا تكون الإجابة على سؤال «المجتمع‏» صعبة إلى حد كبير.

أولا في نطاق خصوصيتها في بلادنا -أقصد خصوصية تقسيم الدوائر- وفي نطاق تطبيقاتها في النظام الديمقراطي أينما وُجد.

وأعتقد أننا لو أنصفنا فلربما كان من العدل أن تكون الكويت كلها دائرة انتخابية واحدة يصوت كل من يحق له الانتخابات فيها لجميع المرشحين لعضوية مجلس الأمة، وليس ثَمَّة ما يمنع ذلك لا من حيث عدد من لهم حق الاقتراع، ولا من حيث عدد أعضاء مجلس الأمة، وفي هذه الحالة يمكن أن يكون الأعضاء المنتخبون من كل الشعب ممثلين للشعب حقًا، وعلى كل حال ففكرة جعل الكويت كلها دائرة انتخابية واحدة لها أنصارها ولكن المقاومة ضدها قوية من جهات عديدة ولأسباب عديدة كذلك.

هل تعتقد أن من الأفضل منع نقل الأصوات إلى الدوائر كما هو مطبق حاليًا أم السماح بذلك كما كان سابقًا؟

  • هذا النقل كان جائزًا في السابق، حيث كان الناخب حرًّا في نقل سجلِّه الانتخابي إلى الدائرة التي يريد، وكان هذا النقل ينفع في تكثيف عدد الأصوات للمؤيدين لمرشح معين والمتوزعين قبل النقل على دوائر عدة، في حين أنه اليوم غير مسموح به ما لم يتغير فعلًا السكن الفعلي للناخب، الإجراء الأخير جعل حق الانتخاب أكثر مصداقية في أنَّ مَنْ يتم انتخابه يمثل أهل دائرته حقًا، ولكن الثابت قانونًا وممارسة أن النائب الفائز يمثل الشعب كله وليس أهل ‏دائرته التي فاز فيها فحسب وكما قلت وأقول ليس هناك في السياسة صواب مطلق وخطأ مطلق، وإنما هي مزايا وعيوب ونفع وضرر، وفي ظل الأوضاع الانتخابية القائمة فقد يكون نفع المنع أكثر من ضرره.

هل ترى أن أسلوب الحملات الانتخابية الذي يسير عليه المرشحون في الكويت يؤدي إلى نتائج سليمة؟ أم أن هذا الأسلوب قاصر؟ وما وجه القصور؟

  • لا خلاف بين المخلصين في أن أسلوب الولائم الدسمة والاستناد إلى الروابط العائلية والقبلية وسلوك سبيل دغدغة مصالح الناخبين الآنية الفردية، كلها أساليب لا يمكن أن تؤدي إلى نتائج سليمة فهي تنمِّي حب المصلحة الخاصة وتُعلِي من قيمة المنافع الفردية وترسخ الارتباطات ضيقة الأفق على حساب المصلحة العامة للشعب الكويتي كوحدة واحدة، وعلى حساب مصلحة الكويت كدولة ووطن مصلحته العامة مقدمة على مصلحة أي فرد فيه.. ونقول أكثر من ذلك أن الفرد ينبغي عليه أن يجود بدمه وماله نداد للوطن عند اللزوم، ومن هنا فإن أي ممارسة إعلامية أو توجيه فكري، لأي سبب ولأي غرض لا يترتب عليها الإعلاء من قدر المصلحة العامة وترسيخ النظرة إلى الكويت كـ «دولة» فإنه أسلوب ليس فقط لا يؤدي إلى نتائج سليمة، وإنما أكثر من ذلك أنه يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة.

‏وفي مقال لي نُشر في جريدة «الأنباء» عدد يوم الخميس ‎3‏ يناير الجاري انتقدْتُ فيه أساليب الحملات الانتخابية التي تقوم على أساس نقد الواقع السيِّئ وتتبع عوراته لا أكثر، الأسلوب السليم يقتضِي ممن ينتقد واقعًا أن يقدم العلاج، ومن يكشف سوء معالجة للواقع أن يقدم البديل فالواقع السيئ يحس به الجميع حتى من كان حسه غليظًا، ولكن الذي يميِّز الواعي من غير الواعي هو الخروج من المشكلة ونوعية الحل المطلوب تبنيه لإصلاح الواقع، ومن هنا فإن لقاءات المرشحين بالناخبين ينبغي أن تنطلق من هذه النظرة.

ولا بد أن نستطرد هنا إلى مسألة بالغة الخطورة على الرأي العام ألا وهي إسهاب بعض المرشحين في كيل الوعود إلى الناس في حين أنهم -أقصد المرشحين- يعلمون جيدًا أنهم أضعف من أن يوفوا بتلك الوعود كلها وربما جزئها، خطورة هذه المسألة ما قد يصيب الناس من إحباط ومن تنكُّر للتجربة الديمقراطية وبالتالي إعراض عن ممارسة الحق الانتخابي ما دام «المجلس»‏ لا يستطيع أن يحقق ما وعد به أعضاؤه الناس، والحقيقة غير ذلك فالمجلس كـ «برلمان» يستطيع أن يفعل الكثير ولكن أعضاءه أسرفوا في الوعود بلا طائل!

ما رأيك بالانتخابات الفرعية؟ وهل تعتقد أنها تؤثر على الوحدة الوطنية؟

  • الانتخابات الفرعية كما قال عنها الأخ عبد الله الفرج في مقابلة له مع مجلة المجتمع «عدد أول يناير ‎١٩٨٥»‏ «تكشف لنا حقائق قائمة»‏ صحيح أننا نتمنَّى، ومن صميم قلوبنا، أن يصهرنا الوطن الواحد لنكون أسرة واحدة يرقى ولاؤنا لها فوق كل رباط دونها أهمية، ولكن ما هو قائم لا يمكن نُكرانه، والديمقراطية تعني تمثيل الشعب على حقيقته لا تمثيل النخبة الواعية، ومن هنا فعلاج مسألة كهذه لا يكون بالحملة عليها، وإنما بمزيد من التوعية والرقي الفكري.

ما رأيك بظاهرة شراء الأصوات «الرشوة» في الانتخابات وهل هي ظاهرة بارزة في الانتخابات؟ وإذا كانت موجودة فما آثارها على المجتمع الكويتي؟ ومن المسؤول عن مكافحتها؟

  • لست مع من يدعي بأن هذه ظاهرة مستشرية أو‏ أنها أصبحت ظاهرة انتخابية مميزة فما زال في شعبنا خير كثير، ولكن الواجب يحتِّم أن تشتد التوعية على «حرمة» عمل كهذا شرعًا ووضعًا لكي يخجل من ذاته من يحاول جرَّ ناخب لممارسة من هذا القبيل، فخطورة شراء الأصوات أبعد مما يتصورها البعض في حصر أثرها بوصول من ليس بكفء إلى مجلس الأمة، وإنما هي بتدمير المُثُل والقيم لشعبنا الكويتي الذي عُرف الفرد فيه بالدين والشهامة والنجدة. فعلى من يحاول جر الأفراد إلى منزلق كهذا أن يتقي الله في وطنه وقومه.

وختامًا نقول: إن سلوك الإنسان في هذه الحياة لا يتجزأ فمن أراد محاربة الباطل في مجال فعليه أن يحاربه في كل المجالات، ومتى ارتقى الناس وعيًا، فلا يمكن لأحد أن يبيع رأيه بأي مبلغ من المال... ولهذا قلنا‏ ونقول التوعية.. التوعية هي لبنة الإصلاح وهي التي تبني الشخصية القوية المُحَصَّنة ضد عبادة الدرهم والدينار والمنافع الآنية الأنانية.

الرابط المختصر :