العنوان لقد كان الأزهر قديمًا من المحسنين
الكاتب يحيي اسماعيل أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1999
مشاهدات 64
نشر في العدد 1361
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 03-أغسطس-1999
في الثاني عشر من شهر ذي القعدة عام (١٣٦٦هـ) من الهجرة، وهو ما يوافق تقريبًا شهر يونيو عام ١٩٤٧م، وبصحيفة النذير بالعدد ١٦٩ وتحت عنوان «فتوى شرعية»، جاء ما يلي:
«الحكم بردة المتعاملين مع اليهود»، تلقت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف سؤالًا من حضرة الأخ الفاضل مرسى حسن أبو السعود ملخصه: هل يرتد المسلم الذي يعامل اليهود، علمًا بأن معاملاتهم تجاريًّا واقتصاديًّا وشراء بضائعهم ومنتجاتهم من أهم الوسائل المؤدية إلى وصول اليهود لمطامعهم في غزو بلاد فلسطين المقدسة أولى القبلتين وثالث الحرمين؟ فأجابت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف برئاسة فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم «الذي صار شيخًا للأزهر بعدها»، قائلة:
«إن من أعظم الجرائم إثمًا، وأشد المنكرات مقتًا عند الله أن يتخذ المسلم له أولياء من أعداء دينه المناوئين له المعتدين على أهله، أو يمكن لهم بفعله من إيذاء المسلمين في دينهم، والاحتيال على سلب أموالهم وتجريدهم من أراضيهم وديارهم، واتخاذ ذلك وسيلة إلى إضعاف أمرهم وكسر شوكتهم، وإزالة دولتهم، وإقامة دولة غير إسلامية تتسلط عليهم بالحيلة والقهر، وتنشر سلطانها عليهم بالأمر والنهي.
فعلى المسلمين أن يتبينوا أمرهم، ويأخذوا حذرهم، ويتوبوا إلى رشدهم، فيصلحوا من شأنهم، ويتبعوا هدي القرآن في حفظ كيانهم، وتقوية دولتهم، وأن تكون شؤون دينهم وأوطانهم أحب إليهم من كل شيء.
ولا يشك مسلم في أن من عاون هؤلاء الأعداء بأي ضرب من ضروب المعاونة ببيع شيء من أرضه، أو بالتوسط في هذا البيع أو بمعاملتهم تجاريًّا واقتصاديًّا أو بخروجه عن جماعة المدافعين عن بلادهم يكون أعظم جرمًا وأكبر إثمًا ممن ترك الجهاد وهو قادر عليه.
ولا يشك مسلم أيضًا في أن من يفعل شيئًا من ذلك فليس من الله ولا رسوله ولا المسلمين في شيء، والإسلام والمسلمون براء منه، وهو بفعله قد دل على أن قلبه لم يمسه شيء من الإيمان ولا محبة الأوطان، ومن يستبيح شيئًا من هذا بعد أن استبان له حكم الله فيه يكون مرتدًا عن دين الإسلام، فيفرق بينه وبين زوجه، ويحرم عليها الاتصال به،ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وعلى المسلمين أن يقاطعوه، فلا يسلموا عليه ولا يعودوه إذا مرض، ولا يشيعوا جنازته إذا مات حتى يفي إلى الله، ويتوب توبة يظهر أثرها في نفسه وأحواله وأقواله»..
كان ذلك نص الفتوى التي صدرت عن الأزهر الشريف قبل نكبة فلسطين بعام، ثم أعيد نشرها بالصحيفة نفسها بالعدد ١٧٥ في التاسع عشر من صفر عام ١٣٦٧ هـ تحت عنوان «فتوى الأزهر بردة المتعاملين مع اليهود الصهيونيين»، ثم أعيد كذلك نشرها بالعدد ۱۹٣ في 8 من ذي الحجة ١٣٦٧هـ، فسبق بكلمته وبيانه الأحداث كانت هذه كلمته قبل النكبة، وظلت تلك كلمته وستظل إن شاء الله حتى تسترد فلسطين عافيتها وتعود إلى سلطان المسلمين من النهر إلى البحر على أوفر ما تكون قوة وحسناً ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: ٥١).
ولقد كان الأزهر الشريف بهذه الفتوى من المحسنين، فقد أحسن بها إلى نفسه فلم يناور، ولم يخادع ولم يمارِ ولم يماكس بل كان على العهد به ناصحًا أمينًا، فحفظ مسيرته بهذا الموقف الشريف من أن تلوث بدعي ولو بعد حين، وبهذه الفتوى أحسن الأزهر إلى قادة الأمة ورعاتها إذ كان فيها من الناصحين، وكان كذلك من المحسنين إلى الأمة إذ قدم لها السند لجهادها بعد أن مهد لها قاعدة انطلاقها، فنجا ونجت معه الأمة حين خرجت بعد ذلك لملاقاة اليهود، فكان خروجها على بيئة استجابت فيه لله والرسول فكان فيها من سبق على هذا الأساس وقضى نحبه، وفيها من ينتظر على ثقة من أمر الله ورغبة فيما عند الله.
وهذا ما قصدت جبهة علماء الأزهر إلى تجليته في كلمة رئيسها فضيلة الأستاذ الدكتور العجمي دمنهوري التي ألقاها على ضيق الوقت بمؤتمر حزب العمل المصري مؤخرًا، ذلك المؤتمر الذي أحيا في قلوب الحاضرين الأمل وجدد الرجاء في انبعاث الأمة على مثل ما كانت عليه يوم أن نادي فيها الأزهر قديمًا:
ورثنا المجد عن آباء صدق أسأنا في جوارهم الصنيعا
إذ المجد الرفيع تعاورته بناة السوء أوشك أن يضيعا
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب: ٤).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل