; الافتتاحية.. لكي لا تكون مصر جزائر أخرى | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية.. لكي لا تكون مصر جزائر أخرى

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1997

مشاهدات 87

نشر في العدد 1277

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 25-نوفمبر-1997

صدمت مصر، بل صدمنا جميعاً بحادث إطلاق النار على عدد من المصريين والأجانب في مدينة الأقصر جنوبي مصر، حيث مات وجرح العشرات منهم في حادث بشع قل نظيره في تاريخ مصر.

إن ما حدث لا ينبغي أن نقف إزاءه عند حد إدانة الإرهاب الذي يحصد الأرواح ويمس بالاستقرار ويضر بالاقتصاد، ولكن واجبنا أن نحاول أن نفهم الأسباب والدوافع التي تلجئ البعض إلى سلوك طريق العنف، فإذا عرفت الأسباب أمكن الوصول إلى العلاج المناسب.

عاشت مصر فترة من الزمن غابت فيها الحريات وزورت فيها إرادة الشعب، وحورب الإسلام وزج بأهله في السجون والمعتقلات حتى حسب بعض الناس أن لن تقوم للإسلام بمصر قائمة، ثم شاعت إرادة الله أن تنقشع غمة العهد الديكتاتوري المستبد وأن تبزغ شمس الإسلام على مصر من جديد، فإذا بأفواج ضخمة من الشباب تعلن انتماءها للدين الحق، وترغب في أن تُطبق عليها شريعته، وأن تسود المجتمع روح الدين وحقيقته.

لكن هذه الأماني المشروعة لم تجد إلا القهر والكبت والجهل والتجاهل والسخرية والاستهزاء وانبرى قسم من رجال السياسة والثقافة والإعلام يسفهون أحلام الشباب ويثيرون نفوسهم ضد السلطة والمجتمع وعامة الناس، وعادت السجون من جديد تفتح أبوابها، والمعتقلات تستقبل زوارها، والمحاكم العسكرية تعقد جلساتها، والمقاصل تنصب أعوادها وانبرت الأقلام العلمانية واليسارية المعادية للصحوة تكتب المقالات وتؤلف الأفلام والمسلسلات لا لتصحح الفكر أو تقوم المعوج، ولكن لتهاجم الإسلام ورسالته وتشكك في عقيدته ودوره في الحياة.

وحتى الجماعة التي يتسم منهجها بالفهم السليم للكتاب والسنة والتي تسير في طريق الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والتي دخل رجالها السجون وعانوا فيها الويلات. وما يزالون فلم يغلوا في دعوتهم ولم يحملوا حقداً لأحد من الناس ولا حتى لجلاديهم، حتى هؤلاء لم يسلموا من الأذى.

وحين سلكوا طرق الممارسة السلمية عبر صناديق الاقتراع والانتخاب حيل بينهم وبين هذا الطريق ونصبت لهم المحاكم العسكرية.

ووسط هذه الخطوب المدلهمة والتعسف الظاهر البين طغى الحماس على مجموعات من الشباب فصرفه عن رؤية ما هو أبعد من مواضع أقدامه بل صرفه عن تحري الحق والعدل والالتزام بميزان الشرع الذي يعصم دماء الأبرياء أن تراق بغير وجه حق، فانطلق يقتل ويطعن ويخرب كردة فعل عمياء.

ومع الممارسات البشعة التي يقوم بها جلاوزة التعذيب في السجون والإهانات التي لحقت بالأهل والأقارب برزت الثارات الشخصية والعائلية انتقاماً للشرف المهدور، والعرض المهان، فتعقدت الأمور ودخلت في نطاق اجتماعي لا علاقة له بالإسلام واستغلت الأحداث عناصر لا تريد لمصر، بل لا تريد للإسلام خيراً، جاءت من وراء الحدود تغذي الفتنة وتمد بالمال والسلاح، ولا نبرئ من ذلك الموساد الإسرائيلي والمخابرات الغربية.

إن الحادث الأخير الذي وقع في مدينة الأقصر يدل على فساد في الفكر مثلما يدل على حالة من اليأس والقنوط لا يمكن أن يتحلى بها المسلم الواعي، فما معنى أن يسمي مرتكبو الحادث أنفسهم كتيبة الخراب والدمار وكيف يقتلون الأجانب دون تمييز وقد كفل لهم الشرع حق الأمان وكيف قتلوا وأصابوا من كان موجوداً من المصريين وفيهم نساء ثم إنهم حسبما أعلن قتلوا أنفسهم بعد ارتكاب فعلته. 

إن الأزمة عميقة ولا يكفي لحلها أن يستقيل وزير الداخلية، أو يُقال، أو يعلن عن خطة جديدة لإحكام السيطرة، فقد أثبتت عشرات العمليات أن الثغرات ستظل موجودة، وأن أعمال القتل ستستمر كما تقول الحكومة المصرية ذاتها حين تلجأ إلى تبرير ما يحدث في مصر بأنه يمكن أن يحدث في أي مكان من العالم.

إن الجميع حكاماً ومحكومين بل كل قوى الشعب ومؤسساته مدعوون لوقفة جادة وحوار مثمر ومناقشة متعمقة وقرارات حكيمة تعطي كل ذي حق حقه، فلا تجور السلطة على حقوق الشعب، بل عليها أن تكفل الحريات وتطلق سراح المعتقلين الذين دخلوا السجون ظلماً وعدواناً، وتعمل على إيجاد مصالحة وطنية بين الحكومة وجميع فئات الشعب في جو يسوده المحبة والعدل والتعاون ولا سيما أن مصر تتعرض لمؤامرات خطيرة تستهدف شعب مصر ودينه وعقيدته وقيمه، وعلى الجانب الآخر لا يجوز لمتطرف متهور أن يجور على حق أحد من الناس أو أن يستبيح دمه بغير وجه حق، وفي كل ذلك نستلهم شريعة ربنا الذي حكم فعدل والذي أنزل الكتاب ليحكم بين الناس بالقسط، ولينتبه الجميع للأخطار المحدقة بمصر التي تأبى لها أن تتبوأ مكانتها في العالمين العربي والإسلامي وأخيراً ندعو الله أن يجنب أرض الكنانة أن تكون جزائر أخرى..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل