; لك الله يا أمة العرب! | مجلة المجتمع

العنوان لك الله يا أمة العرب!

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 23-فبراير-2013

مشاهدات 70

نشر في العدد 2041

نشر في الصفحة 66

السبت 23-فبراير-2013

فما من أمة في العالم تتفنن في هدر مالها، وتتوسل إلى ذلك بالوسائل، كأمة العرب، تهدره بالاستنزاف السياسي والعسكري، وتهدره بالفوضى الاقتصادية، وتهدره بالتكديس العمراني، وتهدره بالممارسات الجنسية الهابطة، والقمار، وإشباع الشهوات الآثمة، وتهدره بالنزوع الاستهلاكي الذي يبلغ أرقاماً فلكية، وتهدره بغياب التخطيط الواعي الذكي المدروس، وتهدره - وهذا هو الأنكى والأمرّ - بالفساد الإداري، والسرقة، والمحسوبية، والنهب العام، ثم هي تهدره بالاستجابة للمكر الدولي الذي يعرف كيف يحتلب الخصوم. أي هدر هذا الذي لا يكاد يبقي لشعوب الأمة شيئاً، والذي يبعثر أموالها ذات اليمين وذات الشمال، بينما هي في مساحات واسعة من الأرض تعاني من الجوع والفقر والمسغبة، ولا تكاد تجد ما يسدّ جوعتها، وتحيا حياة المذلّة والفاقة دون مستوى الفقر بكثير.

هذا، بينما كان يتحتم لو أحسن توظيف المال العربي المتدفق على خزائن الحكومات بالمليارات أن يفعل الأفاعيل في تحقيق مجتمعات العدل والكفاية، والقضاء على ظاهرة الفقر، وتحسين الخدمات والإعمار في مناحيه كافة، وتوفير السكن للمواطنين جميعاً، فضلاً عن التحقق بالقوة السياسية والعسكرية، والقدرة - بالتالي - على مجابهة المكر الدولي الذي لا يكف يشتغل ضد هذه الأمة ليلاً ونهاراً، من وراء ستار وأمامه أيضاً!

فلو تحقّق هذا المطلوب، لتحوّلت الأمة العربية إلى واحدة من أكثر شعوب الأرض رفاهية وسعادة وأمناً واطمئناناً، ولوضعت خطواتها على الطريق الصحيح للتقدم واللحاق بالخصم الذي فاتنا بكثير.

ولكنها مجرد أمنية تدور في الضمائر والأذهان، أما تحقّقها على مستوى الواقع فأمرٌ يكاد يكون مستحيلاً بسبب قوى الشدّ الهائلة التي تسحب الأمة إلى الوراء، وتهدر أموالها بألف صيغة وصيغة، لكي ما تلبث هذه الأمة أن تجد نفسها تعاني الويلات والهزائم والانكسارات والحياة المّرة كالعلقم بسبب الفقر والمسغبة والجوع، وغياب العدالة في التوزيع.

وتعامل هذه الأمة مع «النفط » الذي حباها الله سبحانه به بكميات هائلة، لهو واحدٌ من سوء التصرّف بالمال العام، سواء في بيعه للمستكبرين بأسعار رخيصة أقل بكثير من أسعار السوق الحقيقية، أو في تهريبه سرّاً، أو في استخراجه بكميات أسطورية كبيرة جداً، دون أن يحسب الحساب للأجيال القادمة التي قد تستيقظ وليس ثمة قطرة من النفط في ديارها، أو في هدر المردود المالي لهذه الثروة العملاقة بالأساليب والصيغ التي أشرنا إليها قبل قليل.

ويتذكر المرء قبالة هذا، ما فعله الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ب «أرض السواد » في العراق، والتي آلت إلى الدولة الإسلامية بعد فتح العراق وإسقاطها الإمبراطورية «الساسانية »، كيف جرت مناقشات مستفيضة من قبل أهل الحلّ والعقد، وطرحت وجهات نظر مختلفة بخصوص هذه الأرض ذات المردود المالي الكبير، والتي سميت ب «أرض السواد » لكثرة أشجارها وزروعها.

بعض تلك الوجهات كان يقول بضرورة توزيعها على الفاتحين أسوة بالغنائم الأخرى، وبعضها الآخر يرى ضرورة إبقاء رقبتها بيد الدولة وتوزيع منفعتها على المقاتلين.

وأخيراً، وبعد نقاش طويل، أقرّ ابن الخطاب العرض الثاني حماية لحقوق الأجيال التالية من المسلمين. أيُّ حرص هذا على أموال الأمة؟ وأيُّ إجراء سليم في الدعوة لمناقشة الموضوع من قبل قادة الأمة للوصول إلى الموقف السليم؟

والموقف السليم هو هذا: أن تبقى الأرض بيد الدولة لكي يكون مردودها مضموناً للأجيال القادمة من أبناء الأمة. الحديث عن موضوع هدر المال العربي يطول، ويتشعب، لأنه يعكس واحدة من أشد المآسي إثارة للحزن في الوجدان العربي.

ونختم المقال بهذه الأحاديث المتمخضة عن المؤتمر الذي عقد في القاهرة، بعد الإطاحة بنظام «حسني مبارك »، تحت عنوان «نحو إستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد، بحضور ممثلين عن 19 دولة عربية، حيث قال رئيس المنظمة العربية لمكافحة الفساد عامر خياط ل «الجزيرة « :» إن المنطقة العربية سجلت إضاعة ألف مليار دولار، في عمليات فساد مالي وإهدار للأموال خلال النصف الثاني من القرن الماضي، تمثل ثلث مجموع الدخل القومي للدول العربية .»

وشدّد في هذا الإطار على ضرورة تحديث التشريعات الحالية لمكافحة الفساد في المنطقة، بسبب ظهور جرائم جديدة في هذا المجال مثل تبييض الأموال والجرائم المصرفية. ومن جهته، عزا ممثل منظمة الشفافية العالمية عزمي الشعيبي السبب الرئيس لضعف تفعيل النزاهة بالمنطقة في مكافحة الفساد إلى غياب الإرادة السياسية لدى السلطة الحاكمة والطبقة السياسية.

وأضاف أن هناك عوامل أخرى تساهم في تكريس هذا الوضع، منها ضعف أجهزة الرقابة على السلطة التنفيذية، وقوة السلطة الأمنية داخل الأنظمة العربية، وضعف تأثير المجتمع المدني وسلطة الإعلام!

وهذا يكفي..

الرابط المختصر :