العنوان للمظلومين.. والعملاء معًا: «عُقبالكم...»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1975
مشاهدات 86
نشر في العدد 248
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 06-مايو-1975
«العمى السياسي» ملازم «للعمى التاريخي» بل إن الأول تعبير طبيعي عن الثاني.
فالموقف السياسي السليم تقدیر موضوعي لمرحلة زمنية معينة، يؤدي التخلف عنها كما يؤدي سبقها إلى هزائم سياسية محققة.
ولقد غشي الغم بعض الزعامات حين سمعت نبأ سقوط سايجون وانتهاء تسلط أمريكا في تلك المنطقة.
وما منع هذه الزعامات أن تدرك الموقف على حقيقته وتنصر مؤشرات التاريخ
إلا أمران:
هيامها المطلق بأمريكا والهيام حالة عاطفية لا تصلح مقياسًا للتحليل والحكم.
ظنها أن أمريكا قوة لا تهزم وهذا الظن مرتكز أيضًا إلى ضعف الإحساس بالمراحل التاريخية فهؤلاء ما زالوا يعيشون بأفكارهم وتصوراتهم مرحلة الأربعينيات والخمسينيات، مرحلة تفوق أمريكا في الغنى والقمع طارحين جانبًا التغيرات العميقة التي حدثت في العالم.
انتقال الغنى إلى مناطق أخرى تصاعد مد حركة تحرر الشعوب، العجز الذي أصاب أمريكا في منتوجاتها ومیزان مدفوعاتها وانقلاب سحرهم عليها فالجاسوسية التي خربوا بها العالم ارتدت فخربت البيـت الأبيض بفضيحة "ووترجيت" وغيرها.
ولقد منيت هذه المنطقة من قبل بهذا النوع من الزعامات الهامدة.
فلو قيل في الأربعينيات لفاروق ونوري السعيد مثلًا: إن الخط البياني للإمبراطورية البريطانية متجه إلى أسفل بسرعة سقوط الأجسام إلى تحت.
لو قيل لهم ذلك لتندروا وضحكوا وسخروا ظانين أن هذا تحليل مجنون أو استنتاج خيالي.
ولكن ظن هؤلاء لم يمنع الحقائق من الظهور ولـــم يطمس الوقائع الموضوعية؛ فقد كان الخط البياني للإنجليز يتجه إلى أسفل فعلًا.. وما هي إلا سنوات حتى انحسرت مملكة الإنجليز.. وانتقصت من أطرافها ومن ركائزها أيضًا.
وسقوط سايجون درس للمظلومين كما هو في نفس الوقت درس للعملاء.
درس للمظلومين ينفخ فيهم روح الأمل والكفاح ويزودهـم بيقين راسخ: أن الظلـم وأن تسلح بقاذفات القنابل الضخمة وتدرع بأحدث مبتكرات التكنولوجيا فهو زائل لا محالة.
وأن إرادة الحرية والاستقلال أقوى من التصميم على الظلم والطغيان.
وأن الكفاح -مهما طال طريقه وكثرت ضحاياه - لا بد أن يبلغ أهدافه يومًا.
إن الفلسطينيين وغيرهم يمكن أن يفيدوا من هذا الدرس إلى أقصى حد ممكن.
وهذه الإفادة تقتضي قبل كل شيء نفض اليد من المساومات المنومة لإرادة الكفاح، والتخلي تمامًا عن فكرة استرداد فلسطين عبر حوار الصالونات وعبر صور تنشر في الصحف أو تصریحات تطلق بإسراف.
وسقوط سايجون درس للعملاء الذين يتعلقون بأمريكا ويتوكلون عليها!
إن الرأي الذي يقول: إن الأمريكان قد انسحبوا من فيتنام نتيجة للوفاق الدولي، أو التزامًا به هذا الرأي لا قيمة له في ذاته ولا قيمة له باعتبار مصدره فالعملاء هم الذين يروجون هذا الرأي.
يطرحون هذا الرأي تفاديا من سير الانسحاب بأنه هزيمة قهرية.
ولكنهم ورطوا أنفسهـم مأزق جديد، فإذا كانت أمريكا تخلصت من حلفائها في كمبوديا وفيتنام بناء على اتفاقات بينها وبين روسيا فمعنى ذلك أنها مستعدة لبيع حلفائها في السوق الدولية بأي ثمن وفي أية لحظة.
والارتماء النهائي في أحضان أمريكا لا يحمي حلفاءها من الغدر السياسي، فثيو منح ولاءه كله لأمريكا وخاصم قومه من أجلها، وها هو قد مات ونقل على نعش منحوت من المخازي، دون أن يذرف کیسنجر عليه دمعة واحدة!
إن السفير الأمريكي في سايجون قال: إن بلاده غدرت بحلفائها وتخلت عنهم والسفير الفيتنامي الجنوبي في أمريكا كرر نفس المقالة.
إن المفارقات لا تكاد تنتهي
فهذه الأمة محرومة، ليس من الحياة في ظل إسلامها و قرآنها فهذه مرحلة عليا من الحياة.
ولكنها محرومة من حقهـا البشري الطبيعي من الكفاح وملاقاة عدوها محرومة.
إن هذه الأمة لم تجد من الفرص ما وجده الفيتناميون الشماليون ولا ما وجده جنود سيهانوك.
وهذا الحرمان المتعمد ليس تدميرًا للمعنى العقائدي الذي يوجب على المسلمين الجهاد باستمرار وإنما هو كذلك تدمير لمعنى الآدمية المجردة وهو معنى مشترك بين البناء آدم جميعًا.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70)
وی !! إن الحق الآدمي الذي تمتع به أهل فيتنام حرمت منه هذه الأمة.
ومن غير خجل ما زال بعضهم يجر الأمة إلى الاستسلام للعدو والاعتراف بوجوده الباطل.
البلاغ رقم (1) إلغاء البغاء والرقص
ومن القرارات التي لفتت النظر في أول أعمال الحكم الفيتنامي الجنوبي الذي أسقط حكم ثيو قرار بإلغاء البـــــــغــــاء والرقص وكل الأعمال المنافية للأخلاق.
وقد اتخذ هذا القرار أهمية قصوى في ترتيـب الاهتمامات حيث كان البلاغ رقم (۱)
والدوافع السياسي واضحة في هذا القرار.
فبيوت البغاء وصالات الرقص والاستهتار إنما هي أثر من آثار الوجود الأمريكي هناك.
صحيح أن الخطيئة موجودة في كل أرض لكن قيام فساد منظم تلبية لنزوات جنود أمریكا يأخذ - إلى جانب الاعتبار الأخلاقي - بأخذ بعدًا سياسيًا.
إن «بانكوك» عاصمة تایلاند اشتهرت بأنها «عاصمة الخطيئة».
والذي جعلها هكذا هو الوجود الأمريكي العسكري في تایلاند.
وفي تركيا فعلوا نفس الشيء وفي اليابان أيضًا.
وهم سيفعلون ذلك في كل بلد عربي –إسلامي يفتح لهم أبوابه.
وتنظيم شبكات البغاء وتأسیس صالات الرقص والخمور وبروز عصابات منظمة تدير تجارة البغاء والرقص هذا كله مرتبط بالاحتكارات الأمريكية وبالمؤسسات الربوية وبالطمع في الربح من أي طريق وبأي وسيلة.
فالأموال الأمريكية تنساح إلى فيتنام الجنوبية لا لإقامة المصانع الإنتاجية.
إن هذه الأموال تأتي لتوظف في تجارة البغاء وتجارة الرقص والابتذال، تهدم أخلاق الناس من جانب وتمتص ما في جيوبهم من جانب آخر.
والذين يأخذون الأموال الأمريكية - بفوائد خيالية - لاستثمارها يتجهون إلى توظيفها في الدعارة حتى يغطوا الفوائد الأمريكية الباهظة وحتى يكون لهم من الربح الشيء الوفير بواسطة الزنى.
إن الفساد له جوانبه المتعددة المضرة.
الفساد تدمير للأخلاق والمعاني الإنسانية.
والفساد موقف سياسي يتخذه المنحل ضد كل دعوة تريد تطهير الأرض من الفساد.
والفساد تجارة محرمة.
فهو رق جديد يتاجر بأجساد النساء وي ويبيع أعراضهن.
المهم أن دروس سايجون تحرج المسلم مرتين.
تحرجه لأن القيادة البوذية الشيوعية تكافح وتحرر أرضها بينما القيادات المحسوبة على الإسلام لا تزال تهرول وراء خرافة الحل السلمـي.
والتعايش مع الاستعمار الصهيوني في فلسطين المحتلة.
وتحرجه لأن غير المسلمين قرروا في حزم منع البغاء والرقص والفساد بينما نجد هذا الفساد منتشرة بصورة مفجعة في بلاد تسمى عربية - إسلامية!
وبينما نجد وزارات مهمتها تقديم «تسهيلات الفساد» بكل أنواعه وتسمى نفسها وزارات سياحة تحدها خاصة في مواسم الصيف تخرج برامج تلفزيونية وسينمائية تبثها في تليفزيونات الكويت ودول الخليج وغير ذلك.
وتعرض في هذه البرامج أجساد النساء في شكل بالغ الابتذال كطعم السياح ويغريهم بالسفـر حيث يجدون على الطبيعة ما رأوه في التلفزيون!
إن مشاهدة هذا الواقع الفاسد والسكوت عليه مشاركة فيه بطريقة أو أخرى.
والعبرة في ذلك كله أن تتشدد الحكومة هنا وأن تتشدد الحكومات الأخرى في العالم العربي - الإسلامي في مكافحة الفساد والمفسدين حتى لا تأتي لا تأتي الطامة فتلف الجميع وتطويهم في دوامتها.
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 116).