العنوان للإسلام السبق في الشفافية ومحاربة الفساد والرشوة
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
مشاهدات 74
نشر في العدد 1421
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
ظهرت أخيرًا منظمة عالمية تسمى «منظمة الشفافية العالمية»، مقرها برلين، تحارب الفساد، وقد أصدرت تقارير عن ذلك، جاء فيها أن الدول الغربية هي أقل الدول في تفشي الفساد والرشوة، وأن دول العالم الثالث هي الأكثر في الفساد والرشوة واستخدام النفوذ والمحسوبية والتعقيدات الإدارية المتعمدة سواء كان ذلك في المنظمات الحكومية أو القطاع العام.
وهذه الأمور كلها في نظر الإسلام تندرج تحت بند خيانة الأمانة، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ (الأنفال: ٢٧).
واعتبرت الشريعة الإسلامية الرشوة جريمة بل هي من أشد الجرائم، لأنها تفسد المجتمع، وقد جاء في النصوص الشرعية تحريمها ولعن فاعلها، وأنها سحت مصيره إلى النار تكدر حياة الإنسان وتمحو البركة من ماله، وتذهب بأخلاق المجتمعات فلا تكون هناك كرامة للإنسان إذا تحكمت الرشوة، وأصبحت هي الدافع لكل التصرفات، فإذا كانت هي الطريق إلى المناصب، وإبعاد من يستحق ووضع من لا يستحق كان ذلك تدميرًا للإنتاج في كل المجالات وعائقًا لكل تقدم وإهدارًا لكل القيم في الحياة، فالأساس في صلاح المجتمعات أن يتصف الموظف بالكفاءة والأمانة ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: ٢٦) ويمثل انعدام الوازع الديني عند الموظف أكبر أسباب الرشوة، وحين يقرأ المسلم القرآن ويرى فيه قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٨٨) ويقرأ في الحديث أن الله لعن الراشي والمرتشي والرائش، وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي، ويعرف أن هدايا العمال غلول، وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به حين يعرف المسلم الملتزم بالقرآن والسنة ذلك لا يمكن أن يكون فاسداً، مرتشيًا، والذين نراهم يرتشون ويفسدون كاذبون في إسلامهم، لأن الله قد نزع الإيمان من قلوبهم عندما اعتادوا ظلم الناس وسلكوا طريق الباطل وقدموا مصالحهم الشخصية على الحق والمصلحة العامة، وذلك هو عين النفاق لأن هذا السلوك سيحملهم على الكذب وخلف الوعد وخيانة الأمانة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، ولذلك ترى هؤلاء يختلفون الأعذار لتصرفاتهم. الشائنة ويزين لهم الشيطان أعمالهم ولا يشك أحد أن الرشوة والكتب متلازمان ولذلك قال الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (المائدة: ٤٢)
يقول سيد قطب يرحمه الله في ظلال القرآن: «إن الرشوة آفة في المجتمع قاتلة ورذيلة إنسانية واطية مدعاة إلى انعدام الثقة في العدل ويأس النفوس من الحق ما أباس المجتمع الذي تؤكل فيه أموال الناس بالباطل ويتدنى الحاكم إلى أكلها من أيدي المحكومين» ج (۲).
وقد سبق أن وضع الإسلام حدًا للرشوة واستغلال النفوذ في قصة ابن اللتبية الذي استعمله الرسول صلى الله عليه وسلم على الصدقة في البحرين فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي إلى، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول هذا لكم وهذا لي فهلاً جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاه تيعر، ثم رفع يديه، قال الصحابي الذي روى الحديث، حتى رأينا عفرتي إبطيه، وقال: ألا هل بلغت ثلاثًا.
ومن هنا نعرف أن الإسلام قد سبق هؤلاء الذين يحاربون الرشوة والفساد، والأجدر بالمسلمين أن يكونوا القدوة في محاربة الفساد والرشوة في مجتمعاتهم قبل غيرهم، فالشفافية الحقيقية إنما جاء بها الإسلام، فهي تعني الأخلاق، ومن عناية الشرع بالأخلاق أن كاد يحصر فيها غرض البعثة في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق» وهذا أيضًا العدل، وقد جاءت شريعة الإسلام بالعدل بما لا يزيد على ما جاءت به قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٩٠).