; لماذا أصر بورقيبة على ضرب الإسلاميين؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا أصر بورقيبة على ضرب الإسلاميين؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1987

مشاهدات 64

نشر في العدد 845

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 01-ديسمبر-1987

إن الذي يبعث على الدهشة والحيرة معًا في مواقف الحبيب بورقيبة الأخيرة قبيل خلعه من الحكم إصراره على قطع رؤوس الإسلاميين وإراقة دمائهم، فلماذا يصر رجل عجوز لم يعد يفصله عن لقاء ربه إلا القليل على تلطيخ يديه بدماء أخرى من دماء الأبرياء؟ ألم یکن أولی به أن يتوب إلى ربه وأن يستغفر من ذنوبه؟

بورقيبة: أنا أفضل من أنجبته تونس منذ حنبعل

يقول المتتبعون لسيرة بورقيبة والراصدون لحركاته إن الرجل مصاب بجنون العظمة فهو فوق كل شيء في تونس وهو كل شيء فيها. لقد كان يردد أنه أفضل من أنجبته تونس منذ حنبعل وأن من حظ التونسيين أن يحكمهم بورقيبة، وكان يتصرف على هذا الأساس وكأن كامل البلاد التونسية ضيعة خاصة له يجب أن يقول الجميع فيها نعم للحاكم بأمره.. لقد استطاع بورقيبة إبان الاستقلال أن يغمط حق الزعماء المناضلين الأوائل أمثال المرحوم الدكتور الماطري الذي كان هو المدير الحقيقي للحزب الدستوري وأمثال فرحات حشاد الذي اغتالته اليد الحمراء الفرنسية فأراحت بورقيبة من منافسته كما تمكن بورقيبة من التخلص من أشد منافسيه العروبي القومي صالح بن يوسف باغتياله الذي اغتيل على يد أعوان بورقيبة بمقر إقامته بألمانيا، وعندما استقر الأمر له أهال على التاريخ النضالي لهؤلاء أكوامًا من التراب أملًا أن يطويهم النسيان حتى يبقى الزعيم الأوحد، وبعد ذلك حرص بورقيبة على أن يلقب نفسه بلقب «المجاهد الأكبر» أكثر من حرصه على أي شيء آخر وجعل من أجهزة الإعلام التونسية أجهزة تمجيد له وسخرها لتعظيم شخصه وبناء أسطورته.

ومما يذكر أن إحدى مذيعات التلفزيون في تونس دفعت ثمنًا باهظًا لأنها أجرت حديثًا مع رئيسة اتحاد النساء في مصر حول حرية المرأة «ونسيت» أن تقول للضيفة المصرية أن الرئيس بورقيبة هو محرر المرأة العربية وكان هذا الثمن فقدها لوظيفتها بأمر من «المجاهد الأكبر».

وذات مرة سأله صحافي فرنسي: لماذا لا يأخذ الرئيس بورقيبة أحيانًا بنصيحة مساعديه الأكفاء ويبدو وكأنه يأخذ القرارات بمفرده؟ فحملق فيه الرئيس وأجاب أین هم مساعدي؟ إنني أريد فعلًا أن أسمع انتقاداتهم ولكنهم لا يقدمون أبدًا أي اعتراض.. إنهم يطيعون (وبعد برهة من الصمت أردف قائلًا): ولكن بعد هذا إذا كان من حظنا أن يكون لنا بورقيبة فلماذا نعارضه؟».

هذه الإجابة تخفي وراءها ما تخفيه حيث إن بورقيبة لا يعير أحدًا من وزرائه ومساعديه مهما كان أي وزن! وكثيرًا ما كان يشتم هذا وينهر ذاك ويهدد من يبدي أي معارضة لقراراته بإزاحته بجرة قلم وفعلًا تمكن بورقيبة مرات كثيرة من إزاحة أقرب مساعديه بجرات قلمه حتى إن الصحف الفرنسية وصفته بآكل الرجال كما وصفه الكثيرون في تونس بحفار القبور لأنه كان يجد متعة فائقة في رفس ضحاياه أو الإلقاء بهم خارج الحدود ولقد تضخمت بصورة لافتة للنظر في السنوات الأخيرة قائمة المنفيين السياسيين بالخارج والهاربين من بطش بورقيبة، وكان من الممكن أن يكون راشد الغنوشي ورفاقه في حركة الاتجاه الإسلامي دفعة أخرى من ضحايا حفار القبول ولكن عناية الله شلت اليد المرتعشة الحاملة للسيف فسقط السيف وسقط بورقيبة.

الاتجاه الإسلامي أخاف عِوَضَ أن يخاف

إذا كان صحيحًا ما يقال من أن بعض بطانة بورقيبة هم الذين كانوا يحرضونه على إعادة محاكمة أعضاء حركة الاتجاه الإسلامي والحكم عليهم بالإعدام فإن هذا لا ينفي حنق بورقيبة على الإسلاميين وانزعاجه الشديد منهم ورغبته الجنونية في القضاء عليهم كلفه ذلك ما كلفه وسبب ذلك أنه لم يتعود أن يرى في تونس من لا يخافه ويرهبه وهذه أول مرة يرفع فيها رجال هم أعضاء حركة الاتجاه الإسلامي هاماتهم، ويتحدون بورقيبة جهارًا نهارًا.

لقد أثر عن بورقيبة قوله: «إذا علت سنبلة فوق السنابل فلابد من قطعها». ولذلك اغتاظ وهو يرى سنبلة راشد الغنوشي تعلو وتعلو ولأول مرة منذ الاستقلال ترفع صورة غير صورة بورقيبة في شوارع تونس العاصمة وهي صورة راشد الغنوشي فكيف يغفر «المجاهد الأكبر» ذلك؟ لقد اعترفت الصحافة الأجنبية أن محاكمة الإسلاميين في تونس في سبتمبر الماضي لم تخف الإسلاميين بقدر ما أخافت الحكام أنفسهم وأنها انقلبت بفضل شجاعة الموقوفين ورباطة جأشهم غير المنتظرة إلى محاكمة للنظام نفسه. وقبل ذلك أذهل راشد الغنوشي المحققين عندما قال بكل بساطة وهدوء عن النظام القائم: «وإني أعتبره نظامًا متخلفًا عن مستوى تطور المجتمع، ورجعيا بمعنى أنه لا يسعى إلى دفع البلاد إلى الأمام، وهو أيضًا نظام متجبر وانفرادي على اعتبار انفراده بالسلطة وإيمانه بحق الآخر وحريته وكذلك لعدم احترامه للقانون غالبًا واستقلالية القضاء خاصة فيما يتعلق بعلاقاته بالأطراف السياسية والاجتماعية الأخرى سعيًا لفرض هيمنته والاحتفاظ بالسلطة بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة وإني ما زلت إلى حد الآن متمسكًا بقناعاتي الشخصية هذه».

بورقيبة إذن، أراد أن يطبق مبدأه في قطع السنابل البارزة دون اكتراث بما يحدث في تونس من جراء ذلك لسبب بسيط هو نسيانه -وثقوب الذاكرة شاهد طبي على ذلك- أن تونس الثمانينيات ليست تونس الخمسينيات والستينيات ولعله وعى تلك الحقيقة جيدًا صباح السابع من نوفمبر.

بيان من: حركة الاتجاه الإسلامي

إثر التغيير الذي حدث أخيرًا على رأس الدولة وصلنا من حركة الاتجاه الإسلامي البلاغ التالي:

إن التغيير الحاصل في جهاز الحكم والمتمثل في إزاحة بورقيبة وإعفائه من مهامه يعتبر إجراء إيجابيًا له أبعاد تاريخية برغم أنه جاء متأخرًا نسبيًا، لأنه وضع حدًا لمرحلة من الحكم الفردي الاستبدادي مما دفع البلاد إلى مأزق سياسي خطير اتسم بتعدد المحاكمات السياسية وضرب المؤسسات الجماهيرية وبشن حملة ضارية على حركة الاتجاه الإسلامي ذهب ضحيتها العديد من مناضلينا وزج بالآلاف منهم بالسجون.

إن حركتنا انطلاقًا من مبادئها وبيانها التأسيسي تعبر عن ارتياحها لما ورد في بيان السيد زين العابدين بن علي بخصوص تحوير الدستور ومن قانون للتعددية السياسية وحرية الصحافة.

وإن حركة الاتجاه الإسلامي إذ تسجل هذا التحول تعتبر أن هذه الخطوة يجب أن تشفع في أقرب وقت بإجراءات عملية وجدية تتمثل في:

1- رفع المظلمة المسلطة على حركتنا.. وذلك بسن عفو تشريعي عام في أقرب الآجال.

2- إفساح المجال لحوار وطني شامل يتم على أثره إرساء ميثاق وطني لتنظيم الحياة السياسية في البلاد وإجراء انتخابات تشريعية حرة.

3- إعادة الاعتبار للمنظمات الجماهيرية وخاصة منها الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الطلبة.

إن حركتنا التي ناضلت طويلًا في سبيل إرساء الديمقراطية والحريات العامة في البلاد وقدمت في سبيل ذلك التضحيات الجسام المتمثلة في استشهاد العديد من أبنائها تعتبر أن هذه الإجراءات العملية والجذرية تمثل الحد الأدنى الضروري لإحداث تغيير حقيقي في البلاد والشرط الأساسي والضمان الوحيد للانتقال من مرحلة الحكم الفردي والكبت السياسي والاضطهاد إلى وضع يخول لأبناء تونس بكل فئاتهم ومنظماتهم بذل كل الجهود المخلصة لبناء مجتمع العدل والحرية والتقدم.

وفي هذا الإطار فإن حركتنا تعلن عن استعدادها المبدئي للإسهام في كل خطوة تخدم المبادئ والأهداف السابقة ودفعها وتأييدها بما يساعد على طي الصفحة الماضية المؤلمة وتضع كل إمكانياتها الجماهيرية في خدمة مصلحة تونس اليوم وغدًا لتحقيق الوفاق الوطني المنشود على قواعد ثابتة وراسخة حتى تجنب بلادنا وبلا رجعة العودة إلى الحكم الفردي.

عبد الفتاح مورو

الرابط المختصر :