; لماذا التفريط فيما تبقى من وسائل المقاومة؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا التفريط فيما تبقى من وسائل المقاومة؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 18-مايو-2002

مشاهدات 62

نشر في العدد 1501

نشر في الصفحة 9

السبت 18-مايو-2002

قبل أسابيع وقف الرئيس الأمريكي جورج بوش يقول: أدعو الشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية وأصدقاءنا في العالم العربي إلى الانضمام إلينا في توجيه رسالة واضحة إلى الإرهابيين تفجيركم أنفسكم لا يساعد القضية الفلسطينية، بالعكس من الممكن جدًا أن تنسف الهجمات الانتحارية الأمل الوحيد في قيام دولة فلسطينية.

واستطرد قائلًا: إنني أدعو السلطة الفلسطينية وكل الحكومات في المنطقة إلى عمل ما بوسعها لوقف النشاطات الإرهابية وقطع تمويل الإرهاب ووقف تمجيد العنف.

وقال أيضًا: يجب وقف الإرهاب، ما من أمة تستطيع التفاوض مع الإرهابيين، إذا لا سبيل لصنع السلام مع أولئك الذين لا هدف لهم إلا الموت، والذين وصفهم في موقع آخر من خطابه بأنهم ليسوا شهداء، بل قتلة.

وبعد هذه التصريحات توالت الانتقادات الموجهة إلى جماعات الجهاد والمقاومة في فلسطين وغير عدد من وسائل الإعلام العربية لهجاته لإدانة العمليات الاستشهادية وكان مبرره في ذلك أن تلك العمليات تعطي المبرر والذريعة للحكومة الصهيونية لشن أعمال عسكرية ضد الشعب الفلسطيني يروح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى ويترتب عليها اعتقال الآلاف من الفلسطينيين كما حدث في الاجتياح الأخير المخيم جنين ونابلس والخليل ورام الله وبيت لحم، فضلًا عن تدمير بنية السلطة الفلسطينية، كما يرى البعض أن تلك الأعمال.

تظهر الصهاينة في صورة الضحية المعتدى عليه. وبداية نقرر أن مقاومة الاحتلال حق مشروع ولا يمكن بحال التنازل عنه تحت أي مسمى كان، وهو حق تقره القوانين والمواثيق الدولية، والشعب الفلسطيني بفصائله المختلفة متمسك بهذا الحق وهو الذي يقرر متى وكيف يستخدمه.

وبالنظر إلى ميزان التسلح بين الجانب الفلسطيني والصهيوني نجد أن الاختلال شديد، والفارق شاسع بين جيش يمتلك ترسانة حربية من أكبر الترسانات في العالم وشعب أعزل إلا من سلاح الإيمان، وبضع أفراد يمتلكون أسلحة فردية لا يمكن أن تواجه الطائرات الحربية والمروحيات والدبابات ذات الأسلحة الفتاكة من أجل ذلك فإن الشعب الفلسطيني مضطر للجوء إلى وسائل غير تقليدية ومن بينها العمليات الاستشهادية التي تأتي دفاعًا عن النفس.

أما حجة أن تلك العمليات يسقط فيها مدنيون فهي حجة واهية فليس كل مدني مسالم، والمدني الذي يأتي محتلًا لأرض الغير ويطرده من وطنه وداره لا يختلف كثيرًا عن الجندي المحارب والمدني الذي يستدعى للاحتياط ليشارك في القتلى والتدمير والتشريد ليس مسالمًا.

ثم لماذا يصاب أولئك النفر بالحرقة والأسى على من يسمونهم زورًا بالمدنيين اليهود وحدهم، وهل كان محمد الدرة وإيمان حجو وغيرهم العشرات من رضع وأطفال وصبيان وبنات ونساء وشيوخ فلسطين ممن قتلهم الصهاينة، هل كان هؤلاء محاربين حتى يقتلهم سلاح الغدر الصهيوني؟ وهل من هدمت بيوتهم على رؤوسهم وشردوا كانوا محاربين وما حدث لأهل مخيم جنين.. ألم يكن عملًا وحشيًا ضد المدنيين.

وأما القول بأن العمليات الاستشهادية تعطي الذريعة والمبرر للإجرام الصهيوني فهي حجة مضللة، فلدى الاحتلال مشروع مستمر لقتل أكبر عدد من الفلسطينيين وتهجيرهم واغتصاب أراضيهم، وقد سبق أن أعلنت حركة المقاومة الإسلامية حماس عن وقف عملياتها داخل أراضي فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م، لكن هذه المبادرة لم تقابل إلا بالمزيد من الإجرام الصهيوني وتعقب المجاهدين وقتلهم.

ومن عجب القول إن الهجمات التي تسمى انتحارية تنسف الأمل الوحيد في قيام دولة فلسطين إن الصهاينة يحتلون القسم الأكبر من فلسطين منذ ٥٤ عامًا ويحتلون البقية الباقية منها منذ ٣٥ عامًا، بينما لم تتصاعد وتيرة العمليات الاستشهادية إلا في الأشهر الأخيرة ردًا على جرائم شارون فما الذي منع قيام الدولة الفلسطينية طيلة تلك السنوات.

إن التاريخ يشهد على أنه لم يحدث أن نالت أمة من الأمم استقلالها برفع الرايات البيض وتسليم كل مقدراتها وكافة أدوات الضغط لديها لعدوها. وعلى مدار التاريخ كانت التضحيات في طريق النصر والاستقلال.

وقد أثبتت العمليات الاستشهادية أنها سلاح فعال أوجع الصهاينة وأرعبهم وأرق مضاجعهم، فلماذا يسلم الفلسطينيون السلاح الذي يملكونه ولماذا يطالب الفلسطينيون والعرب باستمرار أن يقدموا التنازل تلو التنازل دون أي مقابل سوى زيادة التطرف والصلف والعنجهية من الجانب الصهيوني وأخرها تصويت حزب الليكود الذي يترأسه رئيس الوزراء الصهيوني المجرم شارون ضد قيام دولة فلسطينية.. أي أنه نسف كل أوهام التسوية التي من أجلها تقدم التنازلات تلو التنازلات وضرب بعرض الحائط الوعود الأمريكية المعسولة حول دولة فلسطينية موعودة.

إن تجربة مسيرة التسوية أثبتت أن تقديم التنازلات لا يزيد الجانب الصهيوني إلا طمعًا وطلب للمزيد، وقد آن الأوان لوقف ذلك المسلسل الذي لم يحقق من أماني وآمال الأمة العربية والإسلامية شيئًا، بل زاد من تدهور الوضع.

إن التنازلات لا تزيد ظلام الليل إلا حلكة، والمتتبع للتاريخ الحاضر والبعيد يدرك أن اليهود ليس لهم عهد ولا وفاء في عهدهم، وصدق الله القائل ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ۱۲۰). وفي هذا القول الحكيم ما فيه من تحذير من الانسياق في مسلسل التنازلات.

فهل نحن متعظون؟

وهل نستجيب للتحذير الرباني؟ 

الرابط المختصر :