العنوان لماذا الإسلام هو الحل ؟ (۲)
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2008
مشاهدات 82
نشر في العدد 1806
نشر في الصفحة 35
السبت 14-يونيو-2008
المذاهب والنحل كثيرة
ومتعددة، وقد لا يحتار المرء في تفضيل بعضها على بعض غير أن هناك مقاييس وضوابط،
تميز الخبيث من الطيب وتكشف الصواب من الضلال، هذا ولا يلتفت إلى الدعاوى
والإطراءات التي يطلقها سدنتها وكيانها والمرتزقون من رهبانها ومسحوريها، على
الرغم من بهتانها وخداعها.
وكل يدعي حبًا لليلي
وليلى لا تقـر
لهم بذاكا
إذا اشتبكت دموع في خدود
تبين من بكى ممن
تباکی
ونحن سنذكر مقياسا واحدا
اليوم ليكون برهانا من البراهين الدالة على امتياز الإسلام ورفعة إبداعاته، وهو
مقياس العدالة والقسط الذي هيا كتاب الله المؤمنين له وفرضه عليهم لأنهم خلفاء
الله في أرضه وحملة رسالته وهديه، فقال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ
وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ
غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ
أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
[النساء: 135]
إنها أمانة القيام بالقسط..
بالقسط على إطلاقه في كل حال وفي كل مجال القسط الذي يمنع البغي والظلم في الأرض،
والذي يكفل العدل بين الناس، والذي يعطي كل ذي حق حقه من المسلمين وغير المسلمين..
ففي هذا الحق يتساوى عند الله المؤمنون وغير المؤمنين، كما نرى في عمل الصحابة
ويتساوى الأقارب والأباعد، ويتساوى الأصدقاء والأعداء، ويتساوى الأغنياء والفقراء:
﴿كُونُوا قَوَّامِينَ
بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ﴾
حسبة لله، وتعاملاً مباشراً
معه لا لحساب أحد من المشهود لهم أو عليهم، ولا لمصلحة فرد أو جماعة أو أمة، ولا
تعاملاً مع الملابسات المحيطة بأي عنصر من عناصر القضية، ولكن شهادة لله، وتعاملاً
مع الله وتجردا من كل ميل ومن كل هوي ومن كل مصلحة ومن كل اعتبار، ﴿وَلَوْ
عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
وهنا يحاول المنهج تجنيد
النفس في وجه ذاتها وفي وجه عواطفها تجاه ذاتها أولاً، وتجاه الوالدين والأقربين
ثانياً .. وهي محاولة شاقة.. أشق كثيراً من نطقها باللسان، ومن إدراك معناها
ومدلولها بالعقل إن مزاولتها عمليا شيء آخر غير إدراكها عقلياً، ولا يعرف هذا الذي
نقوله إلا من يحاول أن يزاول هذه التجربة واقعياً، ولهذا نرى عمر رضي الله عنه
يلاحظ هذا على أهل بيته وولده.
- عن ابن عمر قال اشتريت إبلا
وارتجعتها إلى الحمى فلما سمنت قدمت بها فدخل عمر السوق فرأى إبلاً سماناً، فقال
لمن هذه الإبل؟ قيل: لعبد الله بن عمر فجعل يقول يا عبد الله بن عمر! بخ بخ ابن
أمير المؤمنين فجئت أسعى فقلت مالك يا أمير المؤمنين؟ قال ما هذه الإبل؟ قلت إبل
اشتريتها وبحثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون فقال ارعوا إبل ابن أمير
المؤمنين اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر! اغد على رأس مالك،
واجعل الفضل في بيت مال المسلمين.
كما ينفذه على نفسه وهو أمير
المؤمنين:
- أخرج ابن عسـاكر وسعيد بن
منصور والبيهقي عن الشعبي قال كان بين عمر وأبي بن كعب خصومة، فقال عمر، اجعل بيني
وبينك رجلاً فجعلا بينهما زيد بن ثابت فأتياه فقال عمر أتيناك لتحكم بيننا، وفي
بيته يؤتى الحكم، فلما دخلا عليه وسع له زيد عن صدر فراشه فقال ها هنا أمير
المؤمنين فقال له عمر، هذا أول جور جرت في حكمك، ولكن أجلس مع خصمي فجلسا بين
يديه، فادعى أبي وأنكر عمر فقال زيد لأبي: أعف أمير المؤمنين من اليمين وما كنت
لأسألها لأحد غيره فحلف عمر، ثم أقسم لا يدرك زيد القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض
المسلمين عنده سواء.
كما ينفذ ذلك على ولاته على الأمصار:
- عن عطاء قال كان عمر بن
الخطاب يأمر عماله أن يوافوه بالموسم فإذا اجتمعوا قال: يا أيها الناس إني لم أبعث
عمالي عليكم ليصيبوا من أبشراكم ولا من أموالكم ولا من أعراضكم إنما بعثتهم
ليحجزوا بينكم وليقسموا فيئكم بينكم فمن فعل به غير ذلك فليقم فما قام أحد إلا رجل
واحد فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك فلانًا ضربني مائة سوط قال فيم ضربته؟ قم
فاقتص منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين: إنك إن فعلت هذا يكثر عليك
ويكون سنة يأخذ بها من بعدك فقال: لم لا أقيده وقد رأيت رسول الله ﷺ يقيد من
نفسه؟! قال: فدعنا فلنرضه فقال: دونكم فارضوه فاقتدى منه بمائتي دينار عن كل سوط
بدينارين.
وهكذا كان عمر مع ولاته إذا
انحرفوا أو انحرف أحد من أهله:
- عن أنس أن رجلاً من أهل مصر
أتى عمر ابن الخطاب t فقال: يا أمير المؤمنين
عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذاً، قال سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل
يضربني بالسوط، ويقول أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم ويقدم بابنه
معه فقدم، فقال عمر أين المصري؟ خذ السوط
فاضربه فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر t: اضرب ابن الأكرمين قال أنس فضرب فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه،
فما اقلع عنه تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصرى ضع السوط على صلعة عمرو فقال
يا أمير المؤمنين: إنما ابنه الذي ضربني وقد استقدت منه فقال عمر: مذ كم تعبدتم
الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني.
وعن عمـر t قال: أيما عامل لي ظلم أحداً. فبلغني مظلمته فلم أغيرها، فأنا
الذي ظلمته.
وأخرج الطبرانى في الأوسط،
وابن عساكر والبيهقي عن ابن عباس y
قال: جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب t
قالت له: إن سيدي اتهمني فأقعدني على النار حتي احترق فرجي فقال لها عمر: هل رأى
ذلك عليك؟ قالت: لا فهل اعترفت له بشيء؟ قالت لا فقال عمر: علي به فلما رأى عمر الرجل
قال: أتعذب بعذاب الله؟ قال: يا أمير المؤمنين اتهمتها في نفسها، قال: أرأيت ذلك
عليها، قال: لا، قال: فاعترفت لك به؟ قال: لا، قال: والذي نفسي بيده لو لم أسمع
رسول الله ﷺ يقول لا يقاد مملوك من مالكه ولا ولد من والده لأقدتها منك، وضربه
مائة سوط، وقال للجارية أذهبي فأنت حرة لوجه الله، وأنت مولاة الله ورسوله، أشهد
لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حرق بالنار أو مثل به فهو حر وهو مولى الله ورسوله»..
«كذا في الكنز».
هذه هي عدالة المجتمع الطاهر،
وهذه هي تعاليم رسالة الإسلام الهادية، أفلا يحتاجها الناس اليوم بعد أن استعبدوا
وفقدوا كل شيء دماء وأعراضاً وأموالاً، وحكموا بالشهوات والمظالم والدكتاتوريات وبقانون،
﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا
أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾
[غافر: 29]، وتحكم فيهم الجهال والسراق والعصابات الضالة
وقطاع الطرق بل وعملاء الأعداء، حتى جاع الناس، وتسول الشريف والعفيف والمثقف
والعامل وساروا على مقولة «جوع كلبك يتبعك». وبعد هذا كله من المعروف والمجهول لا
تقول إن الإسلام هو الحل؟! وبعد ﴿أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
[محمد: 24] نسأل الله السلامة آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل