العنوان لماذا انهارت دولة الإسلام؟
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1985
مشاهدات 64
نشر في العدد 727
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 30-يوليو-1985
• إن رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- قد أقام بناء الدولة الإسلامية على أسس متينة قوية، وترك هذا البناء الشامخ في حراسة المسلمين من بعده، وأحاطه بسورين متينين، وأكد لأمته أن الإسلام سيظل بخير وعافية مادام هذان السوران- كتاب الله وسنة رسوله- قائمين، فاذا فرطت الأمة فيهما، وغفلت عنهما، حتى تعرضا للضياع، فقد كتبت على نفسها الضياع والهوان، وهانت على نفسها، وكانت أهون على غيرها.
وبقيت دولة الإسلام بخير إلى ما شاء الله، حيث كانت الأمة الإسلامية بخير عاضة بنواجذها على وصية رسول الله، وبدأت في الانهيار عندما بدأت هذه الأمة تفرط في وصية رسول الله، وتوليها ظهرها.
ونحن إذا أردنا أن نعرض للعوامل التي أدت دورها في تقويض بناء الدولة، أمكن أن نردها جميعًا إلى العامل الرئيسي: التفريط في شريعة الله، وفي مبادىء الإسلام التي تفرعت منها، والتي أدى إهمالها إلى وجود سائر عوامل الانهيار.
فما هي المبادىء التي فرطنا فيها؟
• أولًا- الحاكمية لله وحده:
هل هذا المبدأ في حاجة إلى مناقشة؟ إن كتاب الله بين أيدينا ينطق بالحق على أولئك الذين يحاولون التملص من هذه المسلمة التي لا تقبل الجدل: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 40).
• ثانيًا- والعبودية لله وحده:
الآية السابقة من سورة يوسف تضمنت الإشارة إلى البناء المتكامل للإسلام العقيدة الصحيحة: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (يوسف: 40)، والشريعة الحقة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ﴾ (يوسف: 40)، وهذا هو الدين القيم، كذلك تضمنت الآية الإشارة إلى الذين قد يجادلون في هذه الحقائق: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 40).
وليس معنى الحكم لله وحده أن تكون حكومة الدولة الإسلامية حكومة «أوتوقراطية» مفوضة من الله، وما دامت كذلك فهي معصومة، وعصمتها لا يعطي للشعب المسلم حق مناقشتها الحساب، وهذا تفكير لا يطرأ إلا على ذهن ساذج.. فالحاكمية لله تعني أن الله وحده مصدر التشريع، والحكومة مجرد وسيلة تنفيذية تطبق شريعة الله، وليس معنى هذا أنها تلغي عقولها، من حقها أن تجتهد آراءها في إطار الشريعة، وفقهاؤنا الأوائل لم يقفوا عند حدود الكتاب والسنة كمصدرين للتشريع، بل تحدثوا عن مصادر أخرى تسمح بها مرونة الشريعة كالقياس،والإجماع، والاستحسان، والاستصحاب، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، والعرف، والاستقراء.. وغيرها.
إن أول هزة أصابت البناء الإسلامي، كانت عن طريق تحول الحاكمية من الله إلى البشر، وأصبح الحكم يتبع أهواء الحاكمين لا شريعة الله، ولكن هؤلاء الطغاة ما كان في استطاعتهم أن يستبدوا إلا لأنهم وجدوا الشعوب المسلمة مستعدة أيضًا لقبول هذا الاستبداد... أما لماذا ضعفت هذه الشعوب؟ وأقول: لأنها فرطت في إفراد الله- سبحانه- بالعبودية، بل شركت معه الدنيا والجاه وأصحاب الجاه، والفرق بين هذا العصر وعصر الجاهلية، هو الفرق بين حجر، وبشر من لحم ودم، فيما مضى كان الناس يعبدون الحجر، فأصبحوا اليوم يعبدون البشر..
ولاشك أن الذي يفرد الله- سبحانه- بالربوبية والعبودية والوحدانية، لا يخشى أحدًا إلا الله، يواجه الباطل، ولا يخاف في الحق لومة لائم، ولما سئل العز بن عبد السلام: لماذا تدخل على السلطان رابط الجأش... لا تخافه كما يخافه غيرك؟ فأجاب: «عندما أدخل على السلطان أنظر إلى الله أولًا، فأرى السلطان أمامي كالفأر الصغير».
• ثالثًا- ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾(الأنبياء:92):
التحلل من هذا المبدأ الإسلامي كان العامل المباشر الذي جعل لبنات البناء تتساقط واحدة تلو الأخرى بأيدي المسلمين أنفسهم، وشهوة الحكم وراء هذه الكارثة، وليس وراء شهوة الحكم سوى الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، والحكم في الإسلام تكليف لا تشريف، فإذا تحول الحكم إلى تشريف أصبح شهوة.
ومن أجل شهوة الحكم سالت دماء المسلمين أنهارًا بأيدي المسلمين، كان الحاكم الذي يحكم باسم الإسلام- كما يزعم- يقتل أخاه من لحمه ودمه؛ لأنه ينازعه السلطة.. ولك أن تقرأ تاريخ الحرب بين المأمون والأمين، بل وكان الحاكم الذي يحكم باسم الإسلام- كما يزعم- يستعين بالقوى الكافرة على أخيه- في الدم، أو في الدين- من أجل شهوة السلطة، وفي تاريخ الدولة العباسية فالفاطمية فالأيوبية، وفي تاريخ الأندلس الإسلامية صفحات أسود من السواد.
إن مبدأ وحدة الأمة الإسلامية يتفرع منه عدة مبادىء، وعلى سبيل المثال من كتاب الله عز وجل:
• ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10).
• ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 103).
• ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46)
• ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38).
ومن السنة:
• المسلم أخو المسلم..
•.. والمسلمون يد واحدة على من سواهم.
• يد الله مع الجماعة.. وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية..
• لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض..
هذه المباديء الثمانية متفرعة من مبدأ وحدة الأمة، وعندما فرطت الأمة في وحدتها، وأصبحت دويلات هزيلة يأكل بعضها بعضًا، فرطت في التبعية في هذه المباديء الثمانية، فرطت في أخوة الإيمان، وفي الاعتصام بحبل الله، وفرطت في الصفاء النفسي ليحل محله الشقاء والنزاع، والحسد والبغضاء، وفرطت في قاعدة الشورى ليحل محلها الاستبداد بالرأي فيمن يملك القوة، وفرطت في أخوة الإسلام، وفرطت في الجهاد، وفرطت في وحدة الكلمة ووحدة الصف، ثم فرطت في حقن دماء المسلمين من أيدي المسلمين أنفسهم، وما الحروب الجاهلية بين المسلمين في الخليج، وفي المغرب العربي، وفي تشاد، وحتى في منظمة فتح الفلسطينية، إلا أثر من آثار التفريط في مبادىء الإسلام.
والجريمة التي لن تغتفر أن المسلمين شغلوا بإعلان الحرب على أنفسهم، وتركوا إسرائيل تعيث في الارض فسادًا، وتركوا روسيا تبيد المسلمين في أفغانستان، والطغمة العسكرية الشرسة تبيد المسلمين في أثيوبيا وأريتريا- وتركوا الهندوك يضطهدون المسلمين في الهند..
• ونعود من حيث بدأنا:
إن عوامل انهيار الدولة الإسلامية ليست اليوم في حاجة إلى بيان؛ لأن الواقع المرير أصدق بيان، والعجيب أن المسلمين ما زالوا يدعون أنهم مسلمون، وهذا وهم، فليس الإسلام ادعاءً، وإنما هو عقيدة وعمل، ونحن قد أضعنا العقيدة، واستسلمنا أسوأ استسلام للسلبية والكسل، وخطباء المساجد ما زالوا يرددون آخر خطبة الجمعة: اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأهلك الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين، ويردد المصلون آمين.. آمين..
إنها لسذاجة مضحكة، فالله- عز وجل- إنما يستجيب للعاملين، وهو القائل لنا: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ (التوبة: 105).. ومعظم آيات الكتاب تجمع بين الإيمان والعمل الصالح، وقد أضعنا إيماننا وساءت أعمالنا، وأصبحنا نتحدى الله- سبحانه- في سلوكنا.. فكيف يستجيب لنا؟
إن علل الأمة الإسلامية أصبحت مزمنة، وقد استمرأت هذه العلل بعد أن فشلت كل مساعي المصلحين في إنقاذها، وفشل المصلحين قد يكون من أسبابه خطأ في المنهج والسلوك والأسلوب، ولكن هناك سببين رئيسيين لا يمكن تجاهلهما أو التقليل من شأنهما، هما استبداد السلطة، وسلبية الشعوب، والسلطة معوق عنيد، تستند إلى قوة خارجية في موسكو أو واشنطن، وإلى قوة داخلية تتمثل في الجيش، والجيش في الدول المتخلفة ليست مهمته الدفاع عن الدولة وعن الشعب، بل مهمته حراسة السلطة والدفاع عنها، وفي إيجاز لم يعد الجيش في الدول العربية والإسلامية لردع الصهيونية، أو الصليبية، أو الشيوعية، أو البوذية، أو الهندوكية، وكلها يتآمر على دولة الإسلام، ويسعى جاهدًا لمحو آثارها من الوجود، وإنما لردع الشعب المسلم كلما حاول أن ينتفض مطالبًا بأبسط حقوقه الطبيعية..
والشعوب المسلمة لا يمكن إعفاؤها من المسؤولية، ونحن أحيانًا نصفها بأنها مغلوبة على أمرها، وننسى أنها هي التي أرادت لنفسها- عن طيب خاطر- أن تظل مغلوبة على أمرها...؟