العنوان لماذا زار الوفد الإثيوبي المنطقة العربية؟
الكاتب إبراهيم إسماعيل مشيشو
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1988
مشاهدات 69
نشر في العدد 853
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 26-يناير-1988
الكفاح الإريتري
رد طبيعي ومشروع ضد المعتدي، والثورة الإريترية حركة تحرر وطني ضد الاستعمار.
زار الوفد
الإثيوبي برئاسة نائب الرئيس أمانثيل عند ميكائيل المنطقة العربية في الشهر
الجاري.
إنها محاولة
يائسة بعد فشل الخيار العسكري بالحملات العسكرية الغاشمة واحدة تلو الأخرى، لطمس
إرادة الشعب الإريتري وإسكات بندقيته، ومحاصرته سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا عبر
التحرك الدبلوماسي في الدول الشقيقة والصديقة، مستغلين في ذلك حالة التوتر السائدة
في منطقة الخليج، وتعرض دوله وحركة الملاحة فيه لمخاطر عديدة بسبب الحرب الدائرة.
فإن المسؤولين
الإثيوبيين في زياراتهم الأخيرة لبعض الدول العربية المطلة على البحر الأحمر
وغيرها بدأوا يضربون على معزوفة أمن البحر الأحمر. وإذا كان المقصود بأمن المنطقة
وإبعادها عن الصراع بين القوتين العظميين فإن القوى العظمى لم تعد تأتي ببوارجها
وأساطيلها كما كان يحدث في القرن الماضي، بل إنها بدأت تنفذ مخططاتها من خلال
الصراعات المحلية.
ونحن نؤكد بأن
أمن البحر الأحمر مرتبط بتحقيق الأماني المشروعة لشعوب ودول المنطقة وكذلك التعايش
السلمي فيما بينها رغم اختلاف أنظمة الحكم فيها واحترام السيادة الإقليمية وعدم
المساس بها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. والدول التي تخل بهذه الشروط أو بأي
منها هي التي تعرض أمن البحر الأحمر والمنطقة بأسرها للخطر.
وإعلان إثيوبيا
نبأ يمنح إريتريا حكمًا ذاتيًا لا يعدو كونه تعبيرًا حقيقيًا عن المسلك الإثيوبي
في تضليل الرأي العام العالمي ومحاولة لإخفاء الحقيقة وتشويهها. إلا أن ما قامت به
ما هو إلا محاولة لإذابة الكيان الإريتري أرضًا وشعبًا، وبتر إريتريا إلى ثلاثة
أقسام، وهو أمر مرفوض من قبل الجماهير الإريترية وثورته الرائدة، وتعتبره تأكيدًا
لثلاثي الآمال لحل سلمي في ظل الحكم القائم في الحبشة.
ومحاولة اعتبار
قضية إريتريا قضية داخلية لإثيوبيا ادعاءات مكررة من سائر المستعمرين، وتتنافى مع
الحقائق الموضوعية. والقضية الإريترية لا تتناقض مع الميثاق الإفريقي الداعي إلى
إبقاء الحدود الموروثة من الاستعمار، إذ إن حدود إريتريا هي موروثة من الاستعمار
كسائر الأقطار الإفريقية. كما أن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية ينطبق على
إثيوبيا وليس على إريتريا، إذ إنها تدخلت في الشؤون الداخلية لإريتريا بل واحتلتها
عسكريًا في 1962/11/14.
وإن القضية
الإريترية تستند إلى أسس قانونية، وحيث إن الشروحات القانونية التي أدلى بها مندوب
الأمم المتحدة الدكتور أنزو ماتنزو الذي أشرف على تطبيق القرار الفيدرالي عام 1952
تؤكد مسؤولية الأمم المتحدة في تنفيذ قرارها، فتنص الفقرة «201» من التقرير
النهائي للمندوب على ما يلي: أن الميثاق الفيدرالي والدستور الإريتري قائمان على
مبادئ قرار الأمم المتحدة، وإن هذه الوثيقة الدولية تظل محتفظة بقوتها القانونية
الملزمة. وانطلاقًا من هذا فإنه إذا اقتضت الضرورة تعديل أو تفسير الميثاق
الفيدرالي فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أصدرت تلك الوثيقة الدولية تظل
السلطة الوحيدة المخولة لاتخاذ تعديل أو تفسير. وبالمثل فإنه إذا نُقض القرار
الفيدرالي فإن القضية الإريترية يمكن عندئذ أن تصبح من اختصاص الجمعية العامة
للأمم المتحدة بتطبيق ما ينص عليه قرارها رقم «390-1-1» الذي يؤكد على أن الأمم
المتحدة لها الأحقية بإعادة النظر في القضية الإريترية من جديد إذا حدث أي إخلال
ببنود الاتحاد الفيدرالي.
وعليه فإن
الكفاح الإريتري هو رد طبيعي ومشروع ضد المعتدي، والثورة الإريترية هي حركة تحرر
وطني ديمقراطي ضد الاستعمار، وتهدف إلى تحرير كامل التراب الإريتري وبناء دولة
إريتريا الديمقراطية ذات سيادة، والتي تعبر عن تطلعات الشعب الإريتري، وتُعد من
أقوى ثورات العصر بعد ثورتي الجزائر وفيتنام، ولا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة
وعنفوان أن يساوم بهما على حساب قضايا أخرى لأن المبادئ والقيم التي تضحي الشعوب
من أجلها لا يجوز تجزئتها. إثيوبيا، كما هو معروف عنها عبر التاريخ، لا تراعي حقوق
الجوار بل تحاول دائمًا التآمر والتوسع على حساب جيرانها. واستمرارًا لذلك النهج
الخاطئ، اعتدت في الأسابيع القليلة الماضية على مدينة الكرمك السودانية، ولم يكن
هو العدوان الأول والأوحد على السودان بل سبقته سلسلة من الاعتداءات في الجنوب
والشمال بهدف زرع نار الفتنة والاقتتال بين أبناء الوطن الواحد لأن السودان قلب
القارة الإفريقية الشاسعة وهي دولة المواجهة حقًا في الصراع الحضاري بينه وبين
الخصوم. وإن التاريخ يعيد نفسه ويذكرنا بحدث مماثل قبل مئة عام حيث احتل الأحباش
«قلابات» القرية السودانية في الحدود بين البلدين عام 1887، الأمر الذي أجبر
السودانيين على القيام بهجوم مضاد بقيادة القائد الفذ حمدان أبي عنجة. وحرروا على
إثره قلابات وزحفوا إلى عمق الحبشة، واحتلوا عاصمتهم التاريخية غندر في منتصف
كانون الثاني/يناير من عام 1888، المدينة التي وصفها القائد المنتصر أبو عنجة في
رسالته إلى الخليفة أنها أم مدن الأحباش. فنحن بعد أحداث 1987 في كرمك على أبواب
1988، وتعتدي إثيوبيا على الشعب الشقيق في أوغادين بمجرد مطالبته بحقه في تقرير
المصير وتحتل الأراضي من جمهورية الصومال، خارقة بذلك كل المواثيق الدولية بما
فيها ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية. ورغم اشتراك بعض الأشقاء في احتفالات منفستو
في أديس أبابا، متجاهلين إريتريا أرض ربع مليون شهيد ومليون لاجئ، إلا أن ألسنة
الإعلاميين في الحبشة لم تكف عن بث شعور العداء ضد الأمة العربية كما هو معروف
عنها.
في الأشهر
القليلة الماضية وجهت إحدى المنظمات الإنسانية الدولية نداء للحكومات ومنظماتها
الإنسانية تناشدها فيه التبرع لإنقاذ إثيوبيا من المجاعة التي تهدد الملايين من
سكانها بالموت وحددت المعونة المطلوبة عاجلًا بأكثر من 950 طنًا لمواجهة آثار
الجفاف لهذا الصيف. وأشارت هذه المنظمة إلى أن أكثر المناطق تضررًا بالقحط في هذا
الموسم هي إريتريا ووللو وتغراي المتاخمة لإريتريا. ولم تتطرق إلى خصوصيات الوضع
القائم في تلك المناطق خاصة إريتريا وكيفية التعامل معها. وإذا كان الهدف تسليم
هذه المساعدات لحكومة إثيوبيا يعتبر مجرد تقديم دعم للجيش الإثيوبي المعتدي على
أرضنا وشعبنا كما ثبت ذلك جليًا في الأعوام السابقة، وسوف تُعامل معها على هذا
الأساس. أما إذا كانت نداءات الاستغاثة لهذه المنظمات تهدف إلى إسعاف الإنسان
وتقليل المعاناة عنه، فنناشد أن تُقدم ما أعدته لنجدة الإنسان بطريقة تضمن الوصول
إليه بواسطة المنظمات الإريترية، ونهيب في الوقت نفسه بالحكومات الداعمة ومنظماتها
العاملة أن تحذو حذو حكومة ألمانيا الغربية، حيث أكدت السلطات الإثيوبية بأنها
ليست مستعدة لتقديم المساعدة لها إن لم تضمن وصول نصيب إريتريا والمناطق المجاورة
وهي مناطق أكثر تضررًا بالقحط في هذا الموسم.
وبهذه المناسبة
وباسم الملايين الأربعة من أبناء شعبنا المجاهد نتوجه من خلالكم إلى الخيرين في
العالم وكلنا أمل أن تجد صرختنا أذنًا مصغية قبل فوات الأوان، وتجد منهم السند
الذي تستحقه قضيتنا العادلة، ونجدة شعبنا بالمواد الغذائية والتطبيب لتجاوز خطر
الجفاف والقحط وتبعات بلاء الحرب العدوانية التي دخلت عامها السادس والعشرين.
وفي الختام ندعو
صادقين السلطات الحاكمة في الحبشة أن ترتفع عن ممارسات الغش والخداع وتجلس إلى
طاولة المفاوضات مع الوفد الإريتري الموحد من الفصائل الإريترية الممثل الشرعي
لكفاح شعبنا دون شروط مسبقة تحت إشراف المنظمات الدولية للوصول من خلالها إلى حل
يضمن حق تقرير المصير لشعبنا وفقًا لمبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة
حتى يتمكن الشعبان من التفرغ لقضايا التنمية والتقدم في إطار من التعاون وحسن
الجوار.