العنوان لماذا كان حجنا إلى البيت العتيق؟
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2012
مشاهدات 66
نشر في العدد 2023
نشر في الصفحة 50
السبت 13-أكتوبر-2012
- الحج إلى البيت الحرام تجسيد لوحدة الدين من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم
- الحج إلى البيت العتيق رمز لاكتمال لبنات هذا الدين الواحد بشريعة الإسلام
- ... وتكريم للأمة الإسلامية فقد جمع الله تعالى لها طرفي المجد الديني.. القبلة والحج
عندما كتب حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (٤٥٠- ٥٠٥هـ/١٠٥٨- ١١١١م) كتابه الفذ "إحياء علوم الدين"، كان إعلانا عن ضرورة الثورة الثقافية التصحيحية لما أصاب الجوانب الكثيرة من ثقافتنا الفقهية يومئذ من جفاف.. وشكلية يهددانها بالموت.. هذا الكتاب - بعنوانه ومضمونه - دعوة "لإحياء" علوم الدين الإحياء الذي يعيد تزامل "القلب" مع "العقل" في اكتشاف أبعادها ومقاصدها، وذلك بعد أن وقفت الكثير من تأليفها عند "أشكال.. وحركات.. ومظاهر" كثير من الشعائر والمناسك والعبادات.. وإذا شئنا أن نضرب أمثالا على ضرورة هذا "الإحياء" لفقه المناسك الإسلامية- الذي لا نزال في أمس الحاجة إليه- فإنا واجدون الكثير والكثير:
- ففي القرآن الكريم ذكر وصف للعلاقة الزوجية "بالميثاق الغليظ" الذي أقامته وعقدته الفطرة الإلهية بين الرجل وزوجته ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ [النساء: 21]، وهذا الميثاق الفطري هو الذي يجعل الزوجة تفضي إلى الزوج - وهي حديثة عهد بمعرفته - بما لا تفضي به إلى أهلها الذين نشأت وتربت في كنفهم وأحضانهم، بل وتكشف له وتسر إليه بما تضن به على أقرب الأقربين من أولي الأرحام.
بل إن التعبير القرآني ليصل، في وصف رباط الزوجية وميثاقها إلى الوصف الذي لو أفاض فيه كل شعراء الدنيا وبلغائها لما استطاعوا الاقتراب من عمقه وسموه وجماله ودلالاته.. وصف "السكن" و"السكينة" التي تمثلها الزوجة بالنسبة لزوجها الذي يسكن إليها ! فهي له سكن يسكن في مودته ورحمته، يعبر القرآن الكريم عن هذا المستوى السامق للعلاقة الزوجية تلك التي جعلها الله سبحانه وتعالى آية من آياته في بناء أولى لبنات الاجتماع البشري (الأسرة) فيقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].
فماذا صنعت كتب الفقه بهذه المعاني الجميلة والعظيمة والعميقة التي تتحدى لغة البشر أن تبلغ سماء دلالاتها؟ لقد عرّف الفقهاء عقد الزواج - هذا الميثاق الإلهي الغليظ، وهذه الفطرة المنشئة للمودة والرحمة والسكن والسكينة - بأنه: "عقد تمليك منفعة بضع الزوجة"! فقتلوا روح هذه العلاقة السامية، عندما اختزلوها في البعد "الغرائزي" للزواج!
ولذلك كانت دعوة الغزالي إلى إحياء علوم الدين بعد أن أصابها الموات!
2- والصلاة التي هي عماد الدين.. نجد القرآن الكريم لا يستخدم في التعبير عنها مصطلح "الأداء" لأنه يقف بالدلالة عند الشكل والحركات والسكنات ويستخدم - بدلا من ذلك - في التعبير عنها مصطلح "الإقامة" لما يعنيه ويتطلبه من "الحضور" عندما يكون العبد في لقاء مع مولاه، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43]، ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: 29]، ففي "الإقامة" استقامة وحضور، بينما "الأداء" أشكال وحركات ورياضات للأبدان!
وإذا كانت الصلاة عماد الدين فإن السجود فيها هو القمة التي يكون العبد فيه أقرب ما يكون إلى الله تعالى، إنه قمة الحضور للمصلي بين يدي الله تعالى لذلك نعجب من الفقه عندما وقف في تعريفه للسجود عند شكل الحركات، فغاب عنه - وغيب المقصد واللب والمضمون، فجاء تعريف السجود في كثير من كتب الفقه بأنه "اطمئنان الأعضاء"، حتى لكأنه تمرين رياضي، وليست الدرجة العليا في سلم الحضور بين يدي الله سبحانه!
لذلك- أيضا- كانت ضرورة دعوة أبي حامد الغزالي إلى "إحياء علوم الدين".
وإذا نحن طالعنا جميع أبواب الحج في أغلب كتب الفقه- في سائر المذاهب الإسلامية- أو قرأنا آلاف الكتيبات التي يتداولها الحجاج إلى بيت الله الحرام والتي تتبع تفاصيل التفاصيل في مناسك الحج والعمرة- والمطبوعة بكل لغات الدنيا فسنفاجأ بأننا أمام سرد لكيفية "أداء" المناسك، والمعاني العظمى التي وقفت فوق ووراء أماكن وأشكال ومواقيت مناسك الحج إلى بيت الله الحرام؛ الأمر الذي يدعو إلى فقه جديد يعيد الروح إلى المناسك التي وقف الناس ويقفون عند "أشكالها"، ويذكر "بالمعاني" التي نسيها الناس للأماكن التي يترددون عليها، ويستدعي "المقاصد" التي ما شرعت الشعائر إلا للاقتراب منها.
إننا في حاجة إلى "إحياء" لفقه الحج إلى بيت الله الحرام، حتى يصبح الحج قصدا إلى المعاني والمقاصد والدلالات العظمى لهذا المنسك العظيم، وليس مجرد سياحة نزور فيها الأماكن و"نؤدي" فيها الواجبات والفرائض ...والأركان. وعلى سبيل المثال:
1- فنحن في حاجة إلى "الوعي" بحكمة جعل الله سبحانه وتعالى حج أمتنا الإسلامية إلى حج بيت الله الحرام وليس إلى مكان آخر سواه؟
وفي فقه هذه الحكمة ووعيها يمكن أن يقال الكثير.
لقد شاء الله أن يكون الأمة الخاتمة لرسالات السماء - أمة الإسلام - إلى البيت الحرام، لأن هذا البيت هو أول بيت عبد الله فيه على هذه الأرض، ففيه بدأ الدين، وإليه يكون حج الأمة الخاتمة رمزا وتجسيدا لوحدة دين الله من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ورمزا وتجسيدا كذلك لاكتمال لبنات هذا الدين الواحد بشريعة الإسلام، ورسالة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وهو أيضاً تكريم لهذه الأمة، عندما جمع الله لها طرفي المجد الديني، فكانت قبلتها، وكان حجها إلى أول بيت وضع للناس في الأرض التي هي دار الأمانة والتكليف والاستخلاف.
ولما كان أبو الأنبياء الخليل، وابنه إسماعيل عليهما السلام قد أقاما قواعد هذا البيت العتيق، فلقد شاء الله تعالى أن يكون إليه حج أمة خاتم الأنبياء، الذي أحيت شريعته ملة إبراهيم والذي تعيد أمته في مناسك حجها مناسك إبراهيم وإسماعيل وهاجر، مجسدة بهذا الإحياء وحدة دين الله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) ﴾ [آل عمران: 95 - 97]، فإلى أول بيت تحج هذه الأمة الخاتمة، فتحيي أمة خاتم الأنبياء مناسك ملة أبي الأنبياء.
2- ونحن في حاجة إلى فقه الإعجاز الخالد الذي يشعر به ويعيشه كل من حج إلى بيت الله الحرام .. فلقد دعا إبراهيم الخليل ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى بيته الحرام، فتجسدت الإجابة في هذا الحج، الذي ربط القلوب - وليس الأجساد - بهذا البيت العتيق، بل وليس مطلق القلوب، لأن "الأفئدة" هي "القلوب المتوقدة" بالأشواق، وهي "تهوي" إلى هذا المكان اشتياق النفس إلى ما تشتهيه. (الراغب الأصفهاني مفردات غريب القرآن، مادة "فأد"، طبعة دار التحرير، القاهرة).
لقد تجسدت معجزة الإجابة الإلهية لدعوة أبي الأنبياء في حجيج أمة محمد- خاتم الأنبياء- تجسدت آية من آيات الله المبثوثة في النفوس والأفئدة المتوقدة شوقاً الله الحرام، توقداً دائماً وشوقاً إلى بيت خالدا، عند كل مؤمن، وعلى مر سنوات عمره، وعبر القرون، والقارات، وفي كل القبائل والشعوب: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37] .
۳- ونحن في حاجة إلى فقه الحكمة التي جعلت من حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ١٠هـ لحظة اكتمال الدين، فعندما أتم الرسول والمؤمنون مناسك الحج، ووقفوا بعرفة، وأعلن خاتم الأنبياء في العالمين ميثاق حقوق الله وحقوق الإنسان المستخلف عن الله تعالى نزل الروح الأمين بوحي الذي يقول: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]
فعندما أقام النبي الخاتم والأمة الخاتمة مناسك حج ملة إبراهيم أبي الأنبياء؛ مثل ذلك اكتمال أركان الإسلام، واكتمال هذا الإسلام، الذي هو دين الله الواحد عبر كل رسالات السماء ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [آل عمران: 19]، وليس المراد باكتمال الدين هنا اكتمال الوحي القرآني، أو الشريعة المحمدية، فبعد هذه الآية نزلت آيات وتشريعات من مثل آيات الربا والكلالة وغيرها.
٤- ونحن في حاجة إلى فقه سر معجزة الأمن والأمان الذي يغمر المؤمن في بيت الله الحرام، حتى ليزيد هذا الأمن على ما يشعر به الإنسان في مسكنه الخاص، فبصرف النظر عن جغرافية الأوطان، واختلاف الألوان، وتعدد اللغات، وتنوع الشعوب والأمم، يجد الحاج من الأمن والأمان في بيت الله الحرام، ما يجسد ويفسر الإرادة الإلهية والجعل الرباني الذي عبّر عنه القرآن الكريم عندما قال: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) ﴾ [البقرة: 125، 126].
وحتى يكون هذا البيت آمنا، ومحققا قمة الأمن والأمان للطائفين والعاكفين والركع السجود منذ أن وُضع للناس في الأرض، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلقد شاء له الله أن يتفرد بالحرية والتحرر من استعباد الجبارين والمستعمرين عبر قرون التاريخ ، فلم يخضع لجبار ولا لمستعمر، وكان الناس من حوله تتخطفهم أخطار الاستبداد وهو آمن أبدأ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ [العنكبوت: 67]، ولأنه كان الحرم الآمن الذي حفظه الله من الاستعباد والاستبداد سماه الله في كتابه "البيت العتيق" أي الحر الذي انعتق وتحرر من كل ألوان الاسترقاق، ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: 29]، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) ﴾ [الحج: 32 - 34].
فهو الحر - دائماً وأبداً - حتى يكون - دائما وأبدا - وعندما هددت حرما آمنا - غزوة الفيل حرية هذا الحرم الآمن لم يخالج الشك أهل مكة يومئذ في انتصار البيت العتيق على هذا التهديد، فكانت ثقة عبد المطلب بأن "للبيت ربا يحميه"!! وجاء الإعجاز الإلهي "طيراً أبابيل" تحيل مصادر التهديد وقوى الاستعباد إلى عصف مأكول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5) ﴾ [الفيل: 1-5]، فهناك حاجة إلى فقه معجزة "الأمن" في هذا البيت "العتيق".
5- ونحن في حاجة إلى أن يفقه الحاج إلى بيت الله الحرام ما يمكن أن نسميه ب أبعاد فلسفة المكان ورسالته الخالدة". فحول هذه الكعبة نزلت كلمات الله على خاتم الرسل والأنبياء، وبهذه الكلمات تمت في مدرسة النبوة إعادة صياغة الجاهلين أسرى الحمية الجاهلية وعبدة الأوثان، حتى غدوا الجيل الفريد الذي غيّر مجرى الدنيا والحضارة، وأمسك بدفة سفينة التاريخ، فدخل دار الأرقم بن أبي الأرقم أعراب حفاة غلاظ جفاة ليخرجوا منها وقلوبهم تفيض بالتقوى، ويزيحون عن كاهل الإنسانية جبروت الكسروية واستبداد القياصرة ليخرجوا من شاء من عباد الله من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن العبودية للطواغيت إلى قمة حرية إخلاص العبودية لله!.. وليكونوا- وهم أسد الله الذين أزالوا جبروت الاستكبار أهل الرفق والرحمة لا بالإنسان فقط، وإنما بالحيوان أيضا، بل وبالنبات وسائر الطبيعة، لأن هذه المدرسة، التي بدأت دروسها في حرم الله الآمن، قد علمهم أن كل ما في هذا الكون حيّ يلهج على طريقته بتسبيح الحي القيوم ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44]
فنحن نحج إلى المكان الذي بدأت فيه "النعمة" التي هي أعظم نعم الله على المؤمنين.. "نعمة الإسلام".. وأعظم بها من نعمة تعطي هذا المكان خصوصية في فلسفة المكان، وفي رسالة المكان.
٦- ونحن بحاجة إلى أن يتذكر الحاج، وهو ذاهب ليرمي جمرة العقبة ما هو أكثر من رمي الجمرات.. ففي هذا المكان العقبة- عقدت الجمعية التأسيسية التي تعاقدت وتعاهدت على إقامة الدولة الأولى في تاريخ الإسلام والمسلمين الدولة التي غيرت الواقع، وجيشت الجيوش وحولت مسار التاريخ وجعلت المستضعفين في الأرض الأئمة والوارثين لمواريث النبوات والحضارات، وذلك عندما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الدولة، بعد أن سبق لهم بيعته على إقامة الدين، فولدت في العقبة الدولة التي حرست الدين والتي ساست الاجتماع والعمران بشريعة هذا الدين.
7- ونحن بحاجة إلى أن يتذكر الحاج - وهو بالعقبة أيضًا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أراد تأسيس الدولة الإسلامية الأولى على البيعة والشورى والاختيار فعندما هم الأنصار بمبايعته على إقامة الدولة، وحماية قائدها مما يحمون منه أنفسهم ونساءهم وذراريهم، رغب إليهم أن تتم البيعة بواسطة "مؤسسة دستورية" تنشأ بالاختيار والانتخاب، فقال لهم: "اختاروا منكم اثنى عشر نقيباً".. فولدت بالشورى والاختيار والانتخاب أولى المؤسسات الدستورية في الدولة الإسلامية وهي التي نهضت بمسؤوليات "الوزارة والمؤازرة"، مع مؤسسة "المهاجرين الأولين"، التي نهضت في دولة الخلافة بمسؤوليات الإمارة وتوزعت بينهما الاختصاصات يوم "السقيفة"، عندما قال أبو بكر الصديق باسم المهاجرين الأولين - لممثلي النقباء الأثنى عشر: "منا الأمراء ومنكم الوزراء".
فمن العقبة- يا من ترمي الجمرات- بدأ تراث أمتنا في المؤسسات الدستورية القائمة على الشورى والاختيار والانتخاب بمشاركة الرجال والنساء، قبل أن تعرف الأمم والحضارات لها تراثا في هذه المؤسسات!
8- ونحن في حاجة إلى أن يتأمل الحاج وهو في "منى" هذه "الغابة" من الجبال السوداء الكالحة التي تحيط بمنزل الوحي وبيت الله الحرام، ففي هذا المنظر الموحش لهذه الجبال السوداء معجزة من معجزات إلهية وصدق القرآن الكريم، ونبينا صلى الله عليه وسلم.
لقد اتفق البشر - من كل الفلسفات والثقافات والحضارات - على العلاقة الجدلية بين "المكان" وبين "الفكر" الذي يولد وينمو في "المكان"، وإذا كان واقع "المكان المكي" هو هذه الجبال الكالحة السواد فأنى لهذا "الواقع" أن يثمر "فكراً" يستحق مضمون هذا الاصطلاح ؟! وذلك فضلا عن أن تكون "الثمرة" هي هذا القرآن المعجز الذي تحدى - ولا يزال - أساطين البلاغة والفكر عبر الزمان والمكان والفلسفات والثقافات والحضارات، إنها شهادة على صدق النبوة والرسالة، شاء الله أن ينطق بها هذا المكان الموحش، فعجزه عن إبداع "الفكر" شاهد على أن هذا الذي جاء به محمد بن عبدالله إنما هو نبأ السماء العظيم.
إنها نماذج لخواطر - مجرد نماذج لخواطر - تدعو إلى أن نتفكر ونجتهد لفقه جديد، هو فقه المقاصد والمعاني والدلالات لتعود به "الحياة الحقة" و"الإحياء الحقيقي" لمناسك الحج إلى بيت الله الحرام؛ إحياء لعلوم الدين، وإنقاذاً لكتب الحج من جفاف وشكلية "الخرائط" التي يستخدمها السائحون.
إن مناسك الحج إنما تبتغي "تقوى القلوب ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، وحرام أن نختزلها في الحركات والسكنات، أو نغرق مقاصدها الروحية السامية في التفريعات والجزئيات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل