; لماذا كتب الشهيد سيد قطب.. المعالم؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا كتب الشهيد سيد قطب.. المعالم؟

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1977

مشاهدات 159

نشر في العدد 336

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 08-فبراير-1977

الحلقة الثانية 

على هامش المعالم 

بقلم: صالح الراشد

  • تصنيف موضوعات الكتاب: ألقينا نظرة في الحلقة الأولى من هذا الموضوع على تصدر كتاب المعالم على سائر قائمة الكتب الفكرية، وذلك لمساحة انتشاره وسرعة نفاد طبعاته، إضافة إلى غرس المفاهيم عمليًّا بمعنى أن طرح الموضوعات اتخذ صورًا حركية ذات فعالية ونشاط في واقع الحياة، وتوضيحًا لهذه النظرة والفكرة السابقة عن الكتاب نذكر تصنيف الموضوعات في عرض مفاهيم الإسلام ومتطلباته.

إن المفهوم الحقيقي والكامل للإسلام يكمن في أن هذا الدين له قضية كبيرة ينقل بها الناس إلى الحياة التي تليق بهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، وذلك ما إن تستقر هذه القضية في وعي الناس، وينصبغ بها سلوكهم وهو الجانب الحركي التنفيذي لتطبيق القضية المتمثلة في فهم معاني الإسلام وهي الناحية الفكرية، والاحتكام إلى الإسلام في الحكم والعلاقات الخارجية وهي الناحية السياسية، وعلى هذه الصورة تدرجت موضوعات هذا الكتاب القيم الذي حوى ثلاثة عشر موضوعًا، استقرت الأربعة الأولى منها فيما يخص العمل لدين الله -سبحانه- وصفات الدعاة وهو الجانب الحركي، وشملت الموضوعات السبعة التي تليها الناحية الفكرية والسياسية لمفهوم الإسلام، أما الموضوعان الخاتمان للكتاب فهما ثمرة الجهاد لإعلاء كلمة الحق ورفع راية الإسلام؛ ابتغاء مرضاة الله -سبحانه-، ولعل هذا التصور بالشكل المطروح يزيدنا إحساسًا بتوجيهات الكتاب وغرسه لمعنى الانطلاق والتحرك، لا حصر الفهم في ندوات ومناقشات ونظريات.

٢- عملية البعث الإسلامي: إن استعادة الحياة الإسلامية في جميع شؤون الحياة لهو أمر عزيز على النفوس المحبة للخير، والنفوس القلقة من الاضطرابات السياسية والفكرية والاجتماعية، والنفوس التي سئمت هذا الواقع الأليم المرير، وينطلق بنا الكاتب الشهيد إلى صياغة دقيقة لعملية البعث الإسلامي، مختلفًا عن كثير من مفكري هذا العصر الذين يرون أن سيادة الإسلام تتم باستيعاب أفراده لمعاني الخير وحسب، أو أنها يمكن أن تتم بإقامة مجامع ومؤسسات علمية للتعريف بهذا الدين، أو بإيجاد الوعي السياسي متركزًا في القوة المسيطرة، حتى إذا ما تم ذلك انساح الأمر على عامة الناس، أو أنه يمكن أن يتم الإسلام قولًا وعملًا بغرس الأخلاق الحميدة، أو المعاني العبادية، أو طبع وتوزيع كتب الإسلام وبالذات القديمة منها، عن طريق إحياء التراث الإسلامي كما يذهب البعض معلقًا أملًا كبيرًا على عقد الندوات والمؤتمرات، بل لعل هناك من يرى أن إقامة معرضًا للنقوش الإسلامية وما شابه أمر يفتخر ويعتز به المسلمون، وكأن مثل هذه الأشياء القديمة السابقة وخاصة المؤتمرات منها ستحقق انجذاب الناس للإسلام، وكأن الاقتناع بهذا الدين كاف بوصفهم أنهم المسلمون، دون دراية أن الإسلام لا يعرف التصدر ولا الألقاب الكبيرة من غير التزام بالاتباع الحرفي لمعانيه وتعاليمه السامية، وهكذا تذهب نظرات كثير من المفكرين متمثلة في كثير منها أيضًا في جماعات من المسلمين بين مد وجزر، أما صاحب المعالم -رحمه الله- ينطلق بنا -كما سبق القول- راسمًا خط عملية البعث الإسلامي بصورة تجمع الأشتات، وتحيط بالشمول والكمال والعموم لهذا الدين الحنيف، وتكون نظرته أنه لا بد من طليعة تحمل شعلة النور«إنه لا بد من طليعة تعزم هذه العزمة وتمضي في الأرض، تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعًا» ص ٩ بهذا التعبير نظر الشهيد إلى انطلاقة البعث الإسلامي، كما صور ذلك في كتابه هذا الدين في فصله الأول، مؤكدًا ضرورة هذه الطليعة، ولكن كيف تكون؟ وما الذي قدمه سيد -رحمه الله- لهذه الطليعة؟

  • صور الطليعة المؤمنة:ليست طليعة الإيمان مجردة من مؤهلات الحكمة والصلابة والجلد، وإنما ربت وتربي نفسها على كل متطلبات ذلك؛ لأنها بذلك الصورة تحقق مواصفاتها المطلوبة، فليست الثقافة المجردة مهما ضخمت وكبرت واتسعت بكافية لنشر دين الله؛ لأن هذا الدين أمانة، أكبر أمانة يحملها الإنسان باعتبارها منهج حياته الكامل، فأني ضل عنها سقط في الهاوية، لذلك كان دور الكاتب الشهيد عظيمًا، ليس فقط بما كتب وقدم من تضحيات، ولكن بثباته وشموخه على الطغاة، فكان القدوة العملية التي تحتذى، وكان شعلة النور التي تطفئ الظلام، وكان صيحة الحق في وجه الظالمين، ومن جهاده ذاك كانت هذه المقالات، وكان كتاب المعالم، وهكذا نرى إجابته عن سؤالنا: لماذا كتب المعالم؟ بقوله: «لهذه الطليعة المرجوة المرتقبة كتبت «معالم في الطريق» هذا، وأكد أنه لا بد لهذه الطليعة من «معالم تعرف منها طبيعة دورها، وحقيقة وظيفتها، وصلب غايتها، ونقطة البدء في الرحلة الطويلة...» ص ٩، كما حدد في السطور التالية طريقة تعاملها مع الناس وبیان خصائصها، وكل ما يتعلق بذلك من مهمات وأمور فصلها في الفصول التالية من الكتاب.
  • حقيقية جيل الصحابة: يناقش الشهيد -رحمه الله- نشأة جيل الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-، وكيف أن ذلك الجيل تميز في التاريخ تميزًا ليس له مثيل، ولم يكن له من بعده في العصور التالية نظير، وكأن منطلقه من حديث سيدنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم... إلخ الحديث». ويركز -رحمة الله عليه- على صفاء ذلك الجيل وصلابته، معلقًا وجوده بسبب أصيل تفاعل مع النفس البشرية، مبينًا أن شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع ما لها من أهمية وهيبة وعظمة، مع ذلك لم تكن هي السبب الأساسي في وجود هذا الجيل، إذن فما السبب في إيجاده؟ إنه لا بد أن يكون سببًا يملك مقدرة البقاء والاستمرار؛ كي يوجد أجيالًا كجيل الصحابة، وسببًا تكفل الله بحفظه -جل وعلا-، إنه القرآن الكريم النبع الأول الذي على مائدته وفي مدرسته يمكن أن يتربى الناس، ويمكنهم أن يعرفوا حقيقة وجودهم وما بعد هذا الوجود. فكيف كانت التربية على نهجه الكريم؟ ولِمَ نحا الكاتب الكريم -رحمه الله- هذا المنحى؟ وهل منحاه هذا يقلل من سبب وجود الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك الجيل؟
  • النبع الأول للتربية: ربى النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- أصحابه على تشرب معاني القرآن الكريم، وجعله المرجع الأول والأخير في شؤون حياتهم، فكان هو الدستور، وكان هو الثقافة، وكان هو المنهج العملي، فقد «كان خلقه القرآن»، كما روت عنه عائشة -رضي الله عنها- هذا الحديث الثابت، وأنه مرة رأى ابن الخطاب -رضي الله عنه- يقرأ صحيفة من التوراة، فقال له: «إنه والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني»، وهكذا أخذ الشهيد -رحمه الله- يستشهد بالأدلة والبراهين المنطقية الواقعية من أنه كانت هناك ثقافات آنذاك، ولكنها لم تقدم للصحابة منهجًا أصيلًا، إذن فالمنهج الأصيل والأساس هو كتاب الله هو القرآن الكريم، ويذهب كاتبنا هذا المذهب توكيدًا أن غيبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليست هي السبب في فقدان ذلك الجيل، وإلا لما تكفل الله -سبحانه- بحفظ القرآن الكريم، ولعل نظرة الشهيد -رحمه الله- نابعة لا من استمرارية المنهج الإسلامي وإمکان إيجاده مرة أخرى فحسب، ولكنها تعتبر ضربة قاصمة لأولئك الذين يركزون على دور الرسول -صلى الله عليه وسلم-، الدور العظيم الذي قام به مغفلين جانب القرآن الكريم وأهمية تأثيره، قائلين للناس بالتصريح أو بالتلميح أن دور الإسلام كان بنهضة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأنه بعد ذلك انتهى، ونحن نذكر للشهيد كلمته الجيدة وهي «الإسلام يكافح» في كتابه دراسات إسلامية، وهي توضيحه لدور الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك بيانه عن رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- في تفسيره لسورة الكوثر، وبذلك فإن كلمات الشهيد -رحمه الله- في المعالم التي تؤكد المنبع الأول بأنه القرآن الكريم ليس معناه إغفال دور الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وإنما بيان لحقيقة النبع الأول، إذ يقول الكاتب -رحمه الله-: «إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح، روح المعرفة المنشئة للعمل، وأنه لم يجئ ليكون كتاب متاع عقلي، ولا كتاب أدب وفن، ولا كتاب قصة وتاريخ -وإن كان هذا كله من محتوياته- إنما جاء ليكون منهاج حياة.. منهاجًا إلهيًا خالصًا»، وقد تلقاه الصحابة -رضي الله عنهم- بشعور التنفيذ العملي، وكان يفتح لهم «آفاقًا من المتاع وآفاقًا من المعرفة، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والاطلاع... إلخ» ص ١٥، وهكذا نقف على أرض لا تفور من الفهم الراسخ في بعث جيل جديد بهدى هذا الكتاب العظيم الحكيم الذي كان ميزانًا للعمل، وميزانًا لسائر السلوك والتصرفات.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

201

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10

نشر في العدد 53

118

الثلاثاء 30-مارس-1971

من هَدي النُبوة

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية