; لماذا نحيا؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا نحيا؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1972

مشاهدات 108

نشر في العدد 91

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 14-مارس-1972

لماذا نحيا؟

في هذا العالم التائه، يتحارب الناس ويتنافسون ويكدحون، يجهد الفلاسفة والعلماء عقولهم المسكينة ليخرجوا على الناس بأفكار وفلسفات للحياة، ويحمل المناضلون السلاح باليمنى والشعارات باليسرى ويمضون الليالي الطوال تحت الشمس والظلام والمطر، يقاتلون في صمود وصبر من أجل الحياة، ويتهالك التجار والعمال والزراع والسياسيون والمنافقون واللصوص على المال بالطرق الشريفة وغير الشريفة ليحصلوا عليه حتى يؤمنوا لأنفسهم الحياة.

كل يوم يولد أطفال جدد ويحتفل بهم الأهل والأقارب ويغرقونهم في بحور من الدعوات والتمنيات، ويعلقون على صدورهم التعاويذ والتمائم لتحفظهم حتى يكملوا مشوار الحياة، أي شيء ثمين هو هذه «الحياة»؟

لقد كتب علينا الموت قبل أن نولد، فهو معلق فوق رقابنا كالسيف قد يهوى في أي لحظة، وسيهوى لا محالة طال العمر أو قصر، فما قيمة الحياة؟

نقتني المال، فلا نجد السعادة في وفرته، فنغضب كما يغضب الفقراء ونمرض كما يمرضون ونحزن كما يحزنون؛ ثم نموت كما يموتون ولا نقدر أن نشتري به دقيقة واحدة إذا حان الأجل.

عرفنا الفلسفة والفكر والعلوم من عهد سقراط وأفلاطون، بل قبلهم، ولا يزال الجهل يطبق كلما خطونا خطوة من مشوار العلم واعتنقنا الفلسفات جميعها فما غاب شبح الظلم من العالم ولا حل السلام.

 لماذا نحيا؟

الحياة، تعب، وأحزان ومظالم، وآلام، وحتى لو لم تكن كذلك فما قيمتها إذا كان الموت فوق رؤوسنا ساعة الصفر، وماذا نكون جنينا بعد أن نموت؟ وماذا يعني أن تمتلئ جيوبنا بالدنانير وأن نلبس الحرير وأن نستعرض عضلاتنا المفتولة وأن نأكل الطعام الشهي؟ ونظل على ذلك ساعات طوالًا تصبح سنين معدودة ثم نموت؟

هل يستحق ذلك أن نحيا ونتحمل كل آلام الحياة وكدحها ونضالها؟

هل نحيا من أجل الحياة؟

 الواقع أن الكثير يحيون من أجل الحياة، لذلك تبدو الحياة مملة وسقيمة ولا معنى لها على الرغم من هذا الحرص المجنون عليها، والكثير يحاولون أن يعظموا الحياة، مجرد الحياة، لكن الحياة المكرسة لمجرد الحياة هي بلا شك حيوانية ليس فيها أي قيمة إنسانية صحيحة.

 وهي عاجزة تمامًا أن تطرد الإحساس بالألم واليأس والضجر والاستسلام للكوارث من نفوس الناس، وأن تحميهم من القنوط الناتج من فكرة زوال الحياة وأن كل شيء باطل.

قال الفيلسوف البريطاني «رسل»: إذا قيض للحياة أن تكون إنسانية بكل معنى للكلمة، فعليها أن تخدم غاية ما تبدو بشكل من الأشكال خارج الحياة البشرية، غاية لا شخصية وفوق الجنس كاملة أو الحقيقة أو الجمال!

لقد كان برتراند رسل ملحدًا، ومع ذلك لم يكن مادياً لهذه الدرجة، وقد تناهى به علمه وفلسفته إلى هذا الحد الذي نكبره فيه كفيلسوف غربي، ولكننا نجده متواضعًا جدًا في نظر أي مسلم يرعى الغنم في واد ما.

 فالحقيقة التي نقررها في يقين أن الحياة- لمجرد الحياة- هي حيوانية لا قيمة لها وعبث لا وزن له، وأن الحياة إذا أردنا لها أن تبقى إنسانية نحس بقيمتها ونستسيغ طعمها ونجد فيها الأمن والسلام، فلا بد من ربطها بما هو أبدي، وأن ندخل فيها شيئًا من هذا القبس الإلهي حتى نجعلها خلاقة ودائمة الحيوية، برغم هذه القسوة والكوارث والإجهاد والأحقاد التي تحيط بنا من كل صوب.

 فبأي غاية من هذه الغايات الثلاث يمكن أن تربط حياتنا؟ وأي هدف منها يمكن أن نسخر الحياة لخدمته حتى نرتقي بها ارتقاء حقيقيًا، إذا كنا لا نريد أن نجعل الحياة هدفًا في ذاتها؟

الواضح أن الفيلسوف الغربي يعتقد أن كل من الغايات الثلاث تؤدي الغرض، ذلك أنها تبقى في عالم علوي خالد بعيد عن العناء والفشل وتأثير الزمن، ولو أن التعليل يبدو صحيحًا إلا أنه لا ينطبق على اثنين من تلك الغايات: «الحقيقة» و«الجمال»، بعد أن جعلهما غايات قائمة بذاتها مستقلة عن «الله» سبحانه، فالحقيقة ليست هدفًا أزليًا إذا كانت مصادرها هي عقولنا أو تجاربنا، والواقع أن العقل والتجربة كان دائمًا مصدر اليقين من الثقافات التي لا ترتفع فوق العقل والتجربة إلى مصادر غيبية، فلم نجد غير التيه والتخبط.

 ولا يزال العقل والعلم التجريبي ينقصان اليوم ما وصل إليه بالأمس دون الوصول بالبشرية إلى حقائق أزلية نهائية تطمئن إليها.

 أما الجمال فهو قيمة نسبية، لا تصمد أمام الزمن الشره الذي يطوي المقاييس ويبليها من حين لآخر، فالجمال نفسه لا يبقى أبديًا إلا بمعيار أبدي.

إذًا فهذه الغايات تبدو أبدية في عالم من صنع خيالنا، لكنه سرعان ما ينهار كلما جدت التجارب وتقدم الفكر، أو كلما مر الزمن وتبدلت الأذواق.

الله هو الغاية (الوحيدة) الأبدية الثابتة، التي تعطينا القوة والسلام الأساسي الذي لا يقوى على زعزعته نضال حياتنا الزمنية وظاهر الفشل والانهزام الذي نعانيه.

الله (سبحانه) هو المفتاح الوحيد للمعرفة اليقينية التي لا يرقى إليها إلا الذين عرفوه، الله- سبحانه وتعالى- هو الشيء الأزلي الذي يملأ نفوسنا ووجودنا الإنساني ويجعلنا نحس بذلك اليقين المطمئن في الأبد، فلا نحس بالقلق من النهاية ولا نحس بالضجر من بطلان العالم من حولنا، ولا نحس باليأس والقنوط من حياتنا، بالإيمان العميق بذات الله نحس باستمرار الحياة، ونحس بالعدل الذي يهيمن على العالم وعلى الظالمين، ونحس بثبوت الحقيقة وقطعيتها، وندرك الجمال الحقيقي الخالد، الذي لا يتأثر بالمقاييس المؤقتة «والموضة»

بالله وحده يحيا الإنسان.

الرابط المختصر :